الفساد.. مرض عابر للقارات

مرة جديدة اجد نفسي مشدودا للكتابة عن الفساد او كما اسميته سابقا حزب الفساد، والفساد ليس مجرد كلمة انما هو مرض عضال يضرب مؤسسات الدولة ومؤسسات القطاع ويعشش في كل مكان اذا اتيح له ذلك.

فهو أقل ما يقال فيه انه الداء المستعصي على ايجاد الدواء له اذا استفحل في مكان ما. ويعرف معجم أوكسفورد الإنجليزي الفساد بانه «انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة». والفساد عدة أنواع وأبرزه ما يعرف بالفساد السياسي بمعناه الأوسع أي إساءة استخدام السلطة العامة (الحكومية) لأهداف غير مشروعة ترتكز الى الرشوة والابتزاز وممارسة النفوذ والاحتيال. كما يؤدي الفساد إلى تقويض التنمية الاقتصادية لتسببه في حدوث تشوهات وحالات عجز ضخمة. وانصار الفساد ليسوا قلة ولا أسنانهم أسنان حليب فهم منظمومة متكاملة تعيث خرابًا اينما حلت. لا بل نعود الى تسميته بحزب الفساد الذي يعد من أكبر الاحزاب وأكثرها منعة وانتشارا فهو لا يعرف هويات ولا يعرف حدودا، لكنه يعرف طريقا واحدا هو تخريب المجتمع ومؤسساته.

فالملايين التي خرجت في عدد من الدول نادت بشكل اساسي باسقاط الفساد والقضاء عليه لاننا نحن كعرب نعرف الفساد عن كثب وهو يعشعش في مؤسساتنا وفي أحزابنا.

واذا كان الفساد عابر للقارات الا ان دول العالم الثالث تنميه وتعتني به حتى اصبح حالة طبيعية في حياة شعوبها.

وكشف المدير العام لمنظمة العمل العربية أحمد لقمان في تصريح صحفي في مايو الماضي أن حجم الفساد في الدول العربية بلغ 400 مليار دولار وفقا لتقديرات البنك الدولي.

وقال لقمان إنه لو تم استثمار هذا المبلغ فانه كان سيساعد في توفير نحو 18 مليون فرصة عمل جديدة مما سيمكن سوق العمل العربية من استيعاب أفواج كبيرة من الراغبين في الشغل. ومن الواضح ان هذه الدول لا تعطي وزنا للمؤسسات وبناء النظم الحديثة. وسلطة الفساد فيها مطلقة اليد فهي تستبيح القانون. والفاسدون أينما كانوا يشكلون دائما قوة متماسكة على الرغم من انهم لايعرفون بعضهم. وكم من حزب أو دولة أكلها الفساد وحولها الى مجرد قطاع لمجموعة من المنتفعين على حساب الملايين من البشر. ولقد برهنت التجارب ان عتاة الفاسدين هم اولئك الذين كانوا يتحدثون ليل نهار عن الفساد وضرورة محاربته وعندما وصلوا الى مواقع القرار فاقوا من كانوا قبلهم في تحويل المؤسسات الى قطاعات خاصة بهم والاحزاب اختصرت بشخصهم واتباعهم. فهم يهدرون المال العام والخاص، ويهدمون قيم المجتمع، فتضعف المؤسسات الحكومية والخاصة ويتراجع أداؤها. ولا ينفع في هذه الحال الا التغيير الجذري وهو ليس مجرد عبارة للامساك بزمام الأمور فحسب، وانما هو مسؤولية وطنية تقع بشكل أساسي على القوى الحية في المجتمعات التي يجب عليها المبادرة الى البدء بالاصلاح الداخلي الشامل بعدما أصبح حل أية قضية من القضايا الأساسية من نمو وتحسين معيشة ومكافحة بطالة ضرورة ملحة والا غرق المركب بمن فيه. فالدول العربية في حاجة إلى اعتمادات تقدر بـ85 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة لمواجهة أزمة البطالة ويجب تخاذ إجراءات وتدابير اقتصادية لمحاصرة هذه الآفة والقضاء عليها. كما على الدول العربية إعطاء الأولوية في خططها وميزانياتها لمشاريع تشغيل الشباب والتصدي لظاهرة الباحثين عن العمل والتخفيف من حدة الفقر وضرورة محاربة الفساد بكل أشكاله المالية والإدارية وتطهير المجتمعات العربية من كل مظاهره. لان الفساد لم يعد محصورًا في النطاق الاداري والمالي بل بات معششا في الافكار والآراء ويسكن في وجدان الكثيرين الذين لا يعترفون بحق الآخر بالعيش في حياة حرة كريمة تخلو من الارهاب الفكري وإلغاء الآخر. فالمسألة هي عبارة حلقات مترابطة تكون الركائز الاساسية للمجتمع الذي تقاس حيويته بمدى تفاعله مع التطور القائم على احترام حقيقي لنظام عماده المؤسسات والتوازن ما بين حقوق وواجبات الوطن والمواطن.

* حسين عبدالله كاتب لبناني

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.