صناعة الحبّ..


.. من أطرف ما مرّ عليّ من مواقف, موقف تلك السيدة المسكينة التي جاءتني برفقة زوجها لأبتّ لهما أمر الطّلاق والانفصال, وجرياً على عادة المصلحين من رجال الدّين وغيرهم, كان لا بدَّ من مواجهة المشكلة ومعرفة أسبابها, أملاً بإيجاد المخارج والحلول, والتوصّل إلى التوفيق بدلاً من التفريق.

وبعد أخذٍ وردٍّ تبيّن لي أنّ هذه السيدة تأثّراً ببيئتها, وتقليداً لبعض صديقاتها, عزمت على سلوك أقرب الطرق وأسهلها لامتلاك قلب زوجها, وحلولها منه محلّ الحبيبة الوحيدة التي لا تجرؤ امرأة أخرى منازعتها حقّها أو مزاحمتها مكانها, فما كان منها إلا أن قصدت أحد الدجالين لتشتري منه عوذة سحريّة تنال من خلالها منالها وتصل بها إلى غايتها .

وبما أنَّ الزوج من أعداء البدع, والناقمين على الموروث الثقيل من الجهل والضلالة, فقد استفزّه الأمر كثيرا, ورأى في فعل زوجته سبباً للنفور, وضلالاً عن الطريقة التي يتوصّل بها إلى مواءمة الشعور .

ولكي لا أرهق أسماعكم بما جرى في تلك الجلسة الطويلة من الجدال ومداورة الكلام, وحتّى يبقى على وجه هذه الصفحة مساحة يسكب الحبر عليها ما اختلج في الوجدان, وما أثاره هذا الموقف المضحك المبكي من الشعور بالأسف والحزن في آن .

لقد قرأت فيما قرأت للرسول العظيم محمّد عليه الصلاة والسلام:" إنّكم لن تسعوا النّاس بأموالكم, ولكن سعوهم بحسن أخلاقكم." وقرأت له أيضاً:" القلوب مجبولة على حبّ من أحسن إليها, ومجبولة على بغض من أساء إليها."

واليقين عندي أنّ هذين الحديثين خارطة إلى واضح السبيل, وأن طريق الإنسان إلى ضآلته من الحبّ تبتدئ من القلب لتعود إليه .

إنّ ما يتكلفه الكثيرون من المجاملات والرسوم, وما يبتدعه النّاس من وسائل وأساليب يعتقدون أنّها الغيث الذي ينبت الزرع ما هي إلا أوهام وجهد عاجز. ومتى كان الحبّ يُولد بالتكلّف ؟ ومتى كان الودّ يُشترى ويُباع ؟ وأين هي الشعوذة من الأحاسيس النبيلة التي تنساب من الرّوح انسياب الجداول العذبة من بطون الينابيع؟ وكيف يُصنع الحبّ, وهو وحي من المحبوب المطلق ألهمه القلوب الظمأى ؟!

ألا ترون كيف يسعى السياسيّ بأمواله لشراء القلوب والذمم؟ فلا يتحصّل إلا على الممالأة والخديعة, والمكر والتزلّف!..

ألا ترون كيف يتلبّس المراءون بأثواب الخير؟ فلا يحصدون إلا الخسران والندامة !.

ليس للحب ّ طريق إلا الصدق, ولا يُستولد الحبّ إلا بالحبّ, فمن أراد الحبّ فلا يعنينّ نفسه بتوسّل الأسباب الماديّة أو الطلاسم الخرافيّة, وإنما ليفتح قلبه على الخير والوفاء, وليتحبّب إلى الآخرين ليس بقدر تحبّبهم إليه, لأنّ عطاء الحبّ لا يقبل المساومة, ولا يتوقّف عند المعاوضة.

بقلم : الشيخ محمد أسعد قانصو

Cheikh_kanso@hotmail.com

تعليقات: