السرقات في لبنان: قصـص صغيـرة مـن جرائـم ماليـة كبيـرة تحصـل فـي لبنـان

السرقات في لبنان: ليست كلها على هذا القدر من الوضوح (عباس سلمان)
السرقات في لبنان: ليست كلها على هذا القدر من الوضوح (عباس سلمان)


الجناة يستخدمون ذكاءهم.. وهو ما يجب على الضحايا أن يستثمروه أيضاً

فوجئ كمال، عند عودته للاستقرار في بلدته البقاعية بعد اغتراب دام ستة وعشرين عاماً، بتلقيه هدية غير عادية، هي عبارة عن أثاث منزل. قيل له ان أحد رجال الأعمال في المنطقة درج على تلك العادة ترحيباً بالمغتربين العائدين للاستقرار في البلاد.

قبل كمال بالهدية شاكراً، ليتبين لاحقاً أن رجل الأعمال المزعوم، والمدعو «ي.أ. م.»، هو أحد أبرز المطلوبين بقضايا احتيال، وأنه انتحل اسم رجل أعمال لبناني يعمل في الخليج، مشهود له بالسمعة الحسنة.

كيف تم الاحتيال؟ بعد قبوله بالهدية بأيام قليلة، تلقى كمال اتصالاً، يطلب فيه رجل الأعمال زيارته والتعرّف إليه شخصياً، وتم التعرّف، بحيث بنى المحتال علاقة الفة مع ضحيته لتأمن له. وبعد فتح باب التواصل، والتأكد من فوزه بالثقة، زار رجل الأعمال كمال مدعياً أن بحوزته مبلغاً من المال، بعملة أجنبية، يحتاج لاستبداله بدولارات أميركية، مبرراً عدم لجوئه إلى مصرف أو مكتب صيرفة، بأسباب مختلفة. وقد وعده بسعر صرف يعود بالربح عليه.

وقع كمال ضحية الإغراء بتحقيق الأرباح، وسحب من مصرفه مبلغ خمسة وأربعين ألف دولار، ومنحه إياه. وفي الموعد المحدد لإتمام العملية، لم يجد كمال في انتظاره سوى حقيبة ملأى برزم من الأوراق العديمة القيمة، وعلى وجه كل رزمة عدد من أوراق العملة المستبدلة، بعدما كان قد أمدّ المحتال بالدولارات الأصلية.

لم تقتصر مصيبية كمال على ذلك، إذ تبين أن الأثات الذي تلقاه كهدية، اشتراه ي. أ. م. بالتقسيط، والتزم بدفع ثلاثة أقساط فقط من المبلغ، هي المدة اللازمة لاتمام العملية، ثم امتنع عن الدفع. يقول كمال ان الرجل لم يكن يزوره إلا بعد العاشرة مساء، مبرراً ذلك بانشغالاته المهنية.. ليتبين له في ما بعد أن «السبب هو خوفه من أن يتعرّف أحد الى هويته الحقيقية».

نفسياً.. وقانونياً

يصف الباحث في علم النفس السلوكي كمال عواد مرتكبي جريمة الاحتيال بـ«الاشخاص الأذكياء جداً، الذين يجيدون إقناع الغير بما ليس لديهم»، وبأنهم «أصحاب قدرة فائقة على الكذب، متخففين من الذنب والإحساس بالمسؤولية، وهم يتمتعون بطلاقة لسان قوية جداً».

والمحتال، وفق عواد، «يستطيع أن يتكلم لمدة طويلة، وأن ينتقل من موضوع إلى آخر بسهولة فائقة. ويعمد أمثاله إلى التكلم في مواضيع مختلفة خلال دقائق قليلة، بهدف شغل الضحية، وحدّ قدرة دماغه على التحليل». والمحتالون، يقول عواد، «يمهدون دائماً لعملياتهم بخلق نوع من الود بينهم وبين الضحية». يعرِّف قانون العقوبات اللبناني في مادته 955 المعدلة وفقاً للمرسوم الاشتراعي 112 الصادر بتاريخ 19/9/1982، والقانون 229 الصادر بتاريخ 27/5/1993 مرتكب جريمة الاحتيال بـ«كل من حمل الغير، وبالمناورات الاحتيالية، على تسليمه مالاً منقولاً أو غير منقول أو اسناداً تتضمن تعهداً أو إبراء أو منفعة، واستولى عليها»، على أن «يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة من مئة ألف ليرة إلى مليون ليرة».

ووفق القانون، تعتبر مناورات احتيالية الأعمال التي من شأنها إيهام المجني عليه بوجود مشروع وهمي، أو التي تخلق في ذهنه أملاً بربح، أو تخوفاً من ضرر، وتلفيق أكذوبة يصدقها المجني عليه نتيجة تأييد شخص ثالث، ولو كحسن نية، أو نتيجة ظرف مهّد له المجرم أو استفاد منه. وكذلك، يعتبر احتيالياً التصرّف بأموال منقولة أو غير منقولة من قبل من ليس له حق في ذلك، أو صفة للتصرف بها، أو ممن له حق أو صفة التصرف، فأساء حقه توسلاً لابتزاز المال. كما يعتبر استعمال اسم مستعار أو صفة كاذبة للمخادعة والتـأثير، من ضروب الاحتيال.

في المقابل، «يصعب التوصل بسرعة الى الذين يمارسون هذا النوع من الأعمال الاجرامية»، وفق ما يقول رئيس مكتب مكافحة الجرائم المالية في وحدة الشرطة القضائية العقيد زياد جزار، «إذ غالباً ما يستعمل هولاء أسماء وهمية وبطاقات هوية مزورة، ويكون التعرف إليهم بالعودة إلى أرشيف أصحاب السوابق أو عبر الاستقصاءات والتحريات ومتابعة اتصالاتهم الهاتفية». ويلفت العقيد جزار «السفير» إلى أن «جرائم الاحتيال تأخد اشكالاً متعددة، فمنها ما يتم بواسطة الأوراق النقدية السوداء، حيث يدعي بعض الاشخاص أن لديهم كميات كبيرة من الأموال الأجنبية المطلية باللون الأسود والمهربة من الخارج الى لبنان، وانهم بحاجة الى مبلغ من المال لشراء دواء خاص لازالة الدهان عنها، على أن يجني الذي يشترك في عملية «التبييض» أرباحاً كبيرة». وللايقاع بضحاياهم، يعمد المحتالون الى إجراء اختبار أمام الضحية لتأكيد صحة الأموال، ويعمدون بخفة إلى استبدال الورقة السوداء بعملة صحيحة. وبعد أن تؤمن الضحية مبلغاً كبيراً من المال لاجراء عملية إزالة الدهان، يعمد المحتال إلى الاستيلاء على المال، تاركاً الأوراق السوداء للمجني عليه».

في سجل الاحتيال

أساليب الاحتيال كثيرة لا يحدّها عقل، وما نقل قصصها إلا وسيلة للفت الأنظار إلى بعض أمثلتها، تفادياً للوقوع في شبيهاتها.

ومن الأمثلة عنها، أن م. م. ادّعت أمام جمال أنها تمتلك مبلغاً من المال في أحد المصارف في الخارج، وتريد تحويله الى لبنان لاستثماره. أبرزت م. م. أمام ضحيتها صورة عن كفالة مصرفية، وكتاباً من مصرف في الخارج يفيد بأنها تمتلك فعلياً المبلغ المرقوم. قالت لضحيتها إنها تسعى لاستثماره في عملية تجارية، موهمة إياها بأرباح وفيرة. هي من أصحاب السوابق في عمليات الاحتيال، وقد أقنعت جمال بمناوراتها الاحتيالية، وحملتها على تسليمها مبلغ عشرة آلاف دولار أميركي نقداً، في مقابل تحريرها المبلغ المصرفي، مثلما ادعت، على أن تعيده إليها لاحقاً. «المحتالة»، التي تبين انها تحمل شهادات جامعية عليا، ما لبثت أن اختفت بعد استيلائها على المال، وبينت التحقيقات القضائية أن الكفالات المصرفية التي أبرزتها لضحيتها مزورة ولا قيمة لها.

إلى الوثائق، سجّلت جرائم احتيال استخدمت فيها التكنولوجيا. وبمساعدة التكنولوجيا، لم تعد جرائم الاحتيال تقتصر على قدرات المحتالين الذهنية في الايقاع بضحاياهم. فمواقع التواصل الاجتماعي، مثلاً، باتت تستخدم في عمليات الاحتيال، تحت مسميات «الصداقة» أو «الحب»، فطلب المساعدة المادية، فالهرب. لكن الناس باتوا يحذرون الناس منها، على وسائل التواصل ذاتها، بحيث يتم تفاديها.

احتيال افتراضي.. بلا آلية عقاب

انتشرت مؤخراً على الانترنت، رسائل بريد إلكتروني ترسل بشكل عشوائي، يتم فيها إعلام الشخص بأنه قد ربح «لوتو» ما، ويطلب منه إرسال رقم حسابه المصرفي لتحويل الجائزة، فيفاجأ لاحقاً بأن عصابة الاحتيال قد دخلت حسابه، وقامت بتنظيفه كاملاً من الأموال. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم تسع الفرحة وائل وهو يتلقى رسالة عبر بريده الاكتروني، يخبره فيها المرسل بأنه ورث من عمه، الذي سافر إلى الأوروغواي منذ زمن بعيد وانقطعت اخباره، ثروة قيمتها مليونان وثلاثمئة وأربعة وثلاثون ألف دولار أميركي. وللمزيد من الخداع، أرفق المرسل رسالته الاكترونية بمستندات يدعي فيها أنه محام، تبين زيفها في ما بعد. تفاعل وائل مع الرسالة، ما دفع بالمحامي المزعوم إلى إرسال رسالة ثانية يطلب فيها من ضحيته نسخة عن أوراقه الثبوتية بغية اتمام اجراءات نقل الثروة إليه، بتكلفة تصل إلى ألفين وخمسمئة دولار أميركي، هي عبارة عن رسوم نقل التركة الى الوارث «المحظوظ»، وبدل أتعاب المحاماة.

يقول وائل لـ«السفير» انه لم يتحقق من صحة المعلومات الواردة إليه، إذ استسلم بسرعة لسحر المبلغ الكبير، ليكتشف لاحقاً أنه كان ضحية عملية احتيال، وأن الجاني استولى على المبلغ الذي أرسله له، واختفى. وطبعاً، لا يمتلك وائل أي معلومة حول المحتال، ليبلّغ عنه.

يشير رئيس مكتب مكافحة الجرائم المالية العقيد جزار إلى أنه تتم ملاحقة جرائم الاحتيال عبر الانترنت من خلال رصد البريد الاكتروني لمرتكبها، لو صدقت المعلومات الواردة فيه، بالتعاون مع مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية.

البطاقات المصرفية

قابلة للسرقة

يلفت العقيد جزار إلى ارتفاع عدد عمليات الاحتيال في لبنان بواسطة البطاقات المصرفية المزورة، عبر نسخ المعلومات عن الشريط الممغنط، وسرقة الرقم السري، عند استعمال البطاقة للشراء من المحلات التجارية أو للدفع في محطات المحروقات. فتتم السرقة من خلال تمرير البطاقة على آلة لقراءة المعلومات، من دون لفت انتباه صاحب البطاقة.

وسجلت عملية احتيال كبرى مؤخراً، بواسطة بطاقات الائتمان، تمت عبر استغلال محل صغير متخصص في بيع العطور والملابس في بيروت لنقطة بيع زوده بها مصرف محلي بهدف تسهيل عملياته التجارية. وعبر نقطة البيع تلك، قام الجناة بعمليات احتيال عدة، بواسطة بطاقات ائتمان مزروة، منشئين أجهزة خاصة بنقاط بيع عائدة لشركتين أخريين متخصصتين في التجارة نفسها، ومسجلتين على عنوان المؤسسة التجارية الصغيرة عينه.

علاوة على ذلك، تبين أن إيصالات السحب عبر نقطة البيع ونسخ هوية حاملي بطاقات الائتمان، قد أرسلت بواسطة رقم الفاكس العائد لشركة أخرى، سبق أن تورطت بنشاطات احتيالية متصلة ببطاقات الائتمان. ووصل مجموع القيمة المالية المسروقة عبر العمليات غير الشرعية التي حصلت في هذا المحل، نحو خمسمئة ألف دولار أميركي، على مدار عامين.

يؤكد هنا رئيس مكتب المباحث العلمية في وحدة الشرطة القضائية التابعة لقوى الامن الداخلي العقيد أسامة عبد الملك لـ«السفير» أن «التحقيقات العلمية التي أجراها المكتب مؤخراً توصلت الى وجود نوع خاص من المواد الكيمائية يستعملها المزورون والمحتالون لازالة الكتابات الاصلية عن الشيكات المصرفية وكتابة غيرها وفقاً لمتطلبات جريمتهم، مع الإبقاء على التواقيع والأختام الأصلية كما هي». ويشير عبد الملك إلى «لجوء المحتالين أيضاً الى تقنية «scan» لنسخ بعض المستندات، وايهام ضحاياهم بصحتها، كون التلاعب بالمستندات من خلال النسخ لا يمكن اكتشافه بالعين المجردة». ويؤكد العديد من الوقائع التي رصدتها «السفير» ما يقوله عبد الملك، ومنها عملية احتيال حصلت في إحدى الشركات العقارية المعروفة، وتمثلت في قيام أحد موظفي الشركة، بتزوير وثائق بواسطة تقنية المواد الكيميائية، لنقل ملكية عدد من العقارات، ومن ثم بيعها.

تعليقات: