العراق امام الاختبار الصعب

شكل الانسحاب الامريكي من العراق محطة مفصلية تاريخية هامة سيكون لها انعكاسات كبيرة على العملية السياسية في هذا البلد .فالعراق الذي رزح تحت الاحتلال لمدة تسع سنوات يستعيد اليوم حريته التي قبض عليها الاحتلال . وبات بامكان العراقيين ان يبسطوا سيادتهم الوطنية على كامل اراضيهم من مساعدة اجنبية والحفاظ على العراق واحد موحد اذا احسنوا ادارة العملية السياسية على قاعدة العراق للجميع وانه بلد نهائي لهم ولن يكون تابعا او مشمولا برعاية خارجية .سألت في فرصة سنحت لي الكاتب السياسي الامريكي ديفيد بولوك . هل تعتبر الانسحاب الامريكي من العراق هزيمة امريكية ام انسحاب طبيعي ؟ رد بولوك بالقول " انا غير متفائل بمستقبل العراق ان وحدته امام اختبار صعب وامنه الداخلي بخطر ". طبعا وجدت في كلام بولوك مبالغة والقول ان الاحتلال حامي وحدة الدول وضامن امنها الداخلي فيما الحقيقة غير ذلك تماما . فالانسحاب الاميركي من العراق حدث تاريخي هام جدا ’ الا ان ذلك لا نقف عند هذا الحد ونبدأ بنظم قصائد الانتصار دون ان نحاول الحد من التداعيات السيئة التي قد تحدث لاسيما وان العراق مشكل من طوائف وقوميات متعددة وان الامريكي عندما يبرز "خوفه" على العراق انما يكون يستشرف ملامح ما بعد الانسحاب بناء على خطط امريكية معدة لهذا البلد .فالانسحاب الامريكي بات شريكا في رسم مستقبل البلاد من خلال العملية السياسية والتي تتعرض اليوم الى مطبات عديدة على خلفية الصراع الذي انفجر فجأة بعد الانسحاب بين رئيس الوزراء نوري المالكي ونائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي او بتعبير ادق بين مكونين اساسين في التركيبة العراقية السنة والشيعة على الرغم من عدم حصرية المالكي للتمثيل الشيعي والهاشمي للتمثيل السني ولكن الصراع اخذ الشكل الطائفي وسيترك اثاره السيئة على العملية السياسية ككل وربما على وحدة العراق ويطلق حراكا داخليا بين الاقاليم العراقية تحو مزيد من الدفع الى الفيدرالية والجنوح نحو الانفصال . ومن الواضح ان المالكي لم يفجر الصراع عبثيا فهو يرمي الى الامساك بالورقة العراقية بعد تهميش خصومه لكنه قد ينجح في تهميش الخصوم السياسيين لكنه يصيب في ان الوحدة العراقية مقتلا .فلا يمكن بحال كحال العراق تجاوز الطوائف والمذاهب بشكل عبثي الغائي او تهميشي . وانما المطلوب توسيع دائرة التحالفات الممثلة للطوائف واشراك الجميع فعليا في عملية اعادة بناء النظام السياسي العراقي لكي يفرضوا نفسهم في الواقع السياسي العراقي في سياق المساهمة بتضييق شقة الصراع الطائفي ودفع العراقيين الى التفكير جديا بضرورة الاقتناع ان مظلة الدولة الواحدة هي السقف والملجأ. كما ان تنامي الايمان لدى الاحزاب والتشكيلات السياسية بجدوى العملية السياسية والتداول السلمي للسلطةيوفر المناخ الوحدوي و التحول إلى دولة مدنية بعيدة عن تسييس الدين وبعيداً عن الطائفية. والعراقيون حين يسلمون بمنطق التشرذم و الاحقاد فيما بينهم فانهم يهزون وحدة دول المنطقة لان وحدة العراق صمام امان لوحدة المنطقة ككل التي يحاول الاجنبي وبشتى الطرق زعزعتها عبر اشعال الخلافات الطائفية والسياسية . فالاستراتيجية الجغرافية للعراق وتنوعه الديني والقومي يمكن ان يلعب دور صاعق التفجير اذا ما استغل سلبيا . ومن الاهمية بمكان ان يكون العراقيون على قدر كبير من الوعي من ان الوطن يتسع لجميع ابنائه وان التعايش بين كل طوائفه هو الخيار الوحيد المتاح لانقاذ الهوية والشخصية العراقية من الضياع والذوبان , والعمل على تظهير الانتماء الوطني والمواطنة تحت علم واحد على وقع "كلنا للوطن والوطن كله لنا " وهذا يعطي فائدة كبيرة في مسيرة الانصهار الوطني في ضوء شعور العراقيين انهم بحاجة الى بعضهم البعض الشيعي بحاجة الى السني والسني بحاجة الى الشيعي والمسيحي والكردي وانه لايمكن لاي طائفة او عرق او مذهب ان يحتكر العراق بحيث يجب ان تكون مرحلة ما بعد الانسحاب مرحلة مختلفة عن السابق . الا ان محاولة اقصاء شريحة من العراقيين عن الحياة السياسية يبقي الجرح نازفا والانقسام قائما فالعراق هو بامس الحاجة الى مشروع مصالحة وطنية حقيقي، لأن مثل هذا المشروع يمثل الشرط الأساس لاستقراره من جميع الجوانب واشراك مكونات الطيف العراقي في مسيرة بناء الدولة . ومن الخطير ان يعتقد البعض ان اسلوب الاقصاء والابعاد عن السلطة يمكنه من الامساك بها باطمئنان وهدوء .فهذا الاعتقاد خاطىء ومصاب بحول في الرؤية , فلقد دفع النظام السابق حياته ثمنا لعدم الافساح في المجال لشرائح واسعة من العراقيين في المشاركة في الحياة السياسية وعلى الذين يقيمون الان على انقاضه عدم تكرار هذه الغلطة التاريخية .

* حسين عبدالله كاتب لبناني

Hussein.abdallah@live.com

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.