سورية وضرورة الخروج من الازمة

تشكل مهمة المبعوث الدولي كوفي انان في سورية محطة من محطات الازمة السورية المستمرة منذ عام ونيف ’ فهي تأتي بعد المبادرة العربية ونشر المراقبين العرب وبعد سلسلة مواقف عربية ودولية من اجل ايجاد حل لما يجري في هذا البلد الذي ما كان ليحصل ما يحصل به اليوم لولا التدخل الخارجي في شؤونه .

واذا كانت دمشق قد تحفظت على المبادرة العربية وسجلت ملاحظات عديدة وصلت الى مستوى عدم القبول كليا بها’ فانها اليوم تتعاطى مع مهمة المبعوث الدولي بحذر شديد على الرغم من اعلانها موافقتها عليها لانها تدرك ان التطبيق قد يأتي بامور مختلفة كليا عن معطيات النص , ولذلك ربطت انسحاب الجيش السوري من المدن بضمانات دولية تمنع احتلالها من قبل المعارضة المسلحة والجيش السوري الحر ’ لان منطق الامور يقول ان انسحاب القوات النظامية من المدن سيتبعه حتما عودة المسلحين اليها مضيعين بذلك تضحيات الجيش السوري في طردهم منها سابقا ودفعه اثمان كبيرة في هذا المجال . واهمية سيطرة الجيش السوري على المناطق التي شهدت احداثا مسلحة على نطاق واسع هي في حصوله على دعم شعبي لافت في ذلك مكنه من الامساك بزمام الامور باكثر من منطقة ومدينة ’ بحيث ان اخراج المعارضة السورية من المدن والقرى التي تتواجد بها لايمكن ان يحصل مهما بلغ عنف الحملة العسكرية الا اذا كان للجيش مؤيدين لخياراته في داخل القرى والمدن التي تشهد عمليات عسكرية . فالتجارب دلت وتدل على ان انخراط اي جيش نظامي في معركة مع قوى شعبية او مجموعات مسلحة هي معركة مكلفة وخاسرة له وقد تؤدي الى انشقاقات كبيرة فيه وهناك شواهد كثيرة على ذلك .

وصحيح ان مايجري في سوريا اليوم هو في مصافي الحركة الشعبية المطالبة بالاصلاح والتغيير واسقاط النظام الا ان جنوح قوى عديدة من هذه الحركة نحو استعمال السلاح اداة للتغيير اضر كثيرا بها واعطى مبررا للنظام ان يضرب دون هوادة ضد كل من يتخذ العنف طريقا للتغيير ’ لان المسألة باتت مسألة حياة او موت لسوريا كدولة وكيان ووحدة وطنية .

ولايعني تبرير هذا القتل الذي يحصل ولكن الادارة الخاطئة للمعركة من قبل اطراف في المعارضة منح النظام مشروعية ما لما يحصل .

وعلى الرغم من اشتداد الازمة التي تعيشها سوريا اليوم الا ان الخطوات الاصلاحية التي اطلقها الرئيس السوري بشار الاسد تشير على ان نوايا النظام سليمة وجادة بالاصلاح ويهمه خروج سوريا من ازمتها باقل الخسائر وبكثير من التماسك الوطني .

ومن ينكر حق سوريا في ان تصبح ديقراطية ؟ لا احد طبعا ’ لكن يجب ان ننكر جميعا القول بان الحل هوعبر فوهات البنادق والتدخل الخارجي .

حتى ان رأس النظام في سوريا قال أن سورية تريد أن تنتقل إلى ديمقراطية حقيقية او بتعبير الرئيس بشار الأسد أن سوريا ستعلم الأخرين كيف تكون الديمقراطية ".

ومن الثابت ان المعبر الضروري والاساسي لمستقبل سورية كدولة و كرمز حضاري ضارب في التاريخ هو الديمقراطية وتحولها الى دولة عصرية حديثة .. فسوريا التي تستحق الديمقراطية بامتياز والتغيير كان يمكن ان يكون الانتقال فيها سلسا وسلميا لا ان يتحول الصراع من اجله الى حمامات دم متنقلة و تهديد متواصل لوحدة الارض والشعب . على اية حال فرب ضارة نافعة ’ فلولا حصول هذه الازمة لما كان السوريون قد اكتشفوا ان الوحدة الوطنية هي صمام امان بلدهم الواحد الموحد وان اعتصامهم خلفها على الرغم من التنوع الطائفي والديني افشل مخططا جهنميا اعد بعناية كبيرة لسوريا نقطة البداية به اندلاع الصراعات المذهبية والدينية وادخال سوريا في حرب اهلية ضروس اين منها الحرب الاهلية التي دارت في لبنان .

كما ان ماحدث ويحدث يكشف عمق الولاء الوطني بحيث بقي التأثير الخارجي على الرغم من كل المغريات والوعود محدودا لانها عندما بلغت المفاضلة عند السوريين بين الوطن والطائفة اختاروا الوطن لانه حاضنة للجميع تحتها يستظل الجميع بالطمانينة للحاضر والمستقبل .

فالسوريون في معظمهم يتهيبون ان يخرجوا من ازمتهم إلى دولة مهشمة او إلى مجتمع مقسم ولذلك نجد كل محاولات اثارة النعرات واشعال النار الطائفية محدودة ومحصورة .

لقد اطلق النظام فرصة كبيرة للحوار من خلال الاستفتاء على دستور جديد و تحديد السابغ من الشهر المقبل موعدا لتشكيل مجلس شعب جديد بمواصفات جديدة تتمثل به كل مكونات المجتمع من اجل تفاهمات وطنية تؤدي الى صياغة نظام ديقراطي جديد في سورية ’ لكن جزء كبير من المعارضة لم يلاق النظام في منتصف الطريق وبقي مستمرا في تصعيده المفتوح على مناح خطيرة جدا تطال كيان سورية وجيشها الوطني وربما في اطار سياسة عبثية او اعتماد المكيافلية الغاية تبرر الوسيلة فلابأس اذا ضاعت سوريا ولكن المهم سقوط النظام والوصول الى السلطة وان كانت على حي او منطقة في مدينة سورية . وهذه السياسة تبقي الازمة السورية على تعقيدها وبعيدة عن الحل السياسي الذي يأخذ الجميع إلى تسوية تاريخية و إلى الديمقراطية .. فسورية بحاجة الى نظام يراعي مصالح الجميع تحت عنوان العدالة والحرية . والتأسيس لحل سياسي يوافق عليه الجميع هو ابرز الصعوبات التي تعترض مهمة انان. وكما قال صاحب المهمة الصعبة كوفي انان " انا أعرف تماماً أنها مهمة صعبة للغاية ومليئة بالمخاطر والصعوبات، ولكن الأهمية المطلقة لسورية وضرورة إنهاء الأزمة هو بلا شك يكفي لحسم الأمر لمصلحة المشاركة وبذل كل جهد ممكن لإنجاح المهمة"

عن جريدة عمان

حسين عبدالله كاتب لبناني

.اhussein.abdallah@live.com

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.