هل المطلوب «لبننة» سوريا؟

يحمل الوضع المتفجر في سوريا على الاعتقاد بأن الأزمة في هذا البلد ستطول وإلى مزيد من التعقيد في ظل غياب الحلول وفشل المبادرات والخطط وآخرها خطة كوفي عنان.

وإطالة الأزمة في سوريا تعني المزيد من العنف وزهق الأرواح وتدميرها على المستويات كافة. لكن ما يخشى منه أن تكون سوريا دخلت في اللبننة وهي التي عانت كثيرا في السابق من أجل وقف دورة العنف في لبنان وترسيخ السلم الأهلي فيه. ولا بد للمراقب أن يقرأ الكثير من التشابه بين المشهدين اللبناني أثناء الحرب الأهلية التي استمرت أكثر من 16 (ستة عشر) عاما وبين المشهد السوري الحالي المنزلق بسرعة كبيرة الى الاقتتال الأهلي مع الاختلاف البسيط في التفاصيل السورية والخصوصيات لا سيما كون الجيش النظامي السوري هو الذراع الرئيسي في مواجهة المجموعات المعارضة المسلحة.وهذا التشابه في المشهدين يثير الكثير من التساؤلات عن المدى الذي ستصل اليه الاوضاع في سوريا ؟ وماهي الصورة النهائية التي ستفضي اليها؟. لقد عانى لبنان من حرب أهلية طاحنة تحت شعار الاصلاح السياسي والعدالة وانهاء المارونية السياسية التي كانت تتحكم بكل مفاصل الدولة وتهيمن على كل المناصب الرئيسية والحساسة في عملية اقصاء كبيرة للطوائف الاخرى ولا سيما الاسلامية، حيث شعر المسلمون انهم مواطنون من الدرجة الثانية في بلد اعتبروا أنفسهم فيه من بناته الاساسيين وجذورهم ضاربة فيه منذ الاف السنين. واندلعت الحرب تحت هذا العنوان الاصلاحي لكن في حقيقة الامر كانت هناك مسائل أساسية شكلت الصاعق الاساسي لانفجار الحرب ومنها: العامل الفلسطيني وتحويل لبنان الى ساحة تصفيات حسابات اقليمية ودولية. وعلى الرغم من الاصطفاف الذي حصل والمشكل بين قوتين متقاتلتين قوى الحركة الوطنية اللبنانية المدعومة من المقاومة الفلسطينية وعلى الضفة الاخرى القوى والاحزاب المسيحية التي توحدت فيما بعد تحت لواء ما اطلق عليه القوات اللبنانية إلا أن مجريات الحرب تجاوزت الشعار المرفوع لتكشف عن الابعاد الحقيقية للحرب والتي حولت لبنان الى ملعب بين قوى دولية واقليمية أو كما قال الصحفي اللبناني البارز الراحل غسان تويني حرب الاخرين على ارض لبنان. أي إن الجميع كان يتقاتل باللبنانيين بهم وعلى أرضهم دون أن يدري اللبنانيون أنهم وقود ويدمرون بلدهم بأيديهم لحسابات الاخرين. وعندما فقد لبنان دوره كساحة اساسية تحولت الانظار عنه وبات اليوم في الاهتمامات الاخيرة لدى الدول الكبرى. وليس ما يجري في سوريا بعيد عن ما جرى في لبنان فبداية العاصفة المدمرة تبدأ باخراج الدولة من مناطق عديدة والعمل على تحويل الجيش الى جيوش كون الجيش صمام أمان وحدة الوطن ويتسع الحريق الداخلي شيئا فشيئا حتى يصبح من الصعوبة السيطرة عليه خصوصا اذا ترافق مع فقدان الثقة بين مكونات البلد الواحد وأصبح هؤلاء فرقا وأحزابا يتقاتلون وينهشون بجسد الوطن. ومن المؤسف ان تكون سوريا التي مثلت لعقود طويلة عامل ضبط لاستقرار وسلام لبنان الداخلي تدخل اليوم في اتون الصراعات الداخلية على وقع مبادرات وخطط للحل وطرح مؤتمرات دولية في دلالة جلية وواضحة على ان الامور فلتت من يد السوريين الموالين للنظام والمعارضين له، وان الازمة السورية خرجت الى النطاق الدولي ولعبة الامم التي لم تكن يوما تراعي المصالح الوطنية للدول المأزومة. وثمة شك كبير وكبير جدا ان تنجح المبادرات على اشكالها وانواعها في اعادة الاستقرار الى سوريا لان الفوضى تخدم مصالح دول كثيرة بينما الاستقرار هو مطلب سوري فقط كما أن أي زعزعة في وحدة سوريا وابقاء النار فيها مشتعلة يفقد هذا البلد خصوصيته الجغراسياسية التي اعطته مكانة بارزة في الاقليم لعقود طويلة وجعلته لاعبا اساسيا وشريكا في قضايا المنطقة ولا سيما القضيتين اللبنانية والفلسطينية.

وتشير المعطيات التاريخية منذ استقلال لبنان في العام 1943 وحتى اليوم الى ان هناك علاقة مميزة بين لبنان وسوريا كانت دمشق حاضرة فيها في اي تطورات او مستجدات على الساحة اللبنانية على الصعيدين السياسي والامني وحتى الاقتصادي في شكل لا يمكن لاحد ان يفك عرى هذه العلاقة ولعل من المفيد الاشارة الى مدى الترابط بين لبنان وسوريا الى مفاوضات اتفاق الهدنة بين اسرائيل ولبنان وسوريا في العام 1949حيث رفضت اسرائيل ان يوقع لبنان معها اتفاقية الهدنة مشترطة توقيع سوريا معها اولا وثم توقع مع لبنان.

ومن الواضح أن اسرائيل ادركت مدى الخصوصية بين لبنان وسوريا وهي التي وصفها الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد ذلك بقوله : ان ما بين لبنان وسوريا صنعه الله ولم نصنعه نحن وقال ايضا: ان لبنان وسوريا شعب واحد في دولتين، ولذلك اذا ضعف فان ضعف الدور السوري في لبنان ينسحب على الوضع الداخلي اللبناني بحيث يغيب الضابط لأي تطورات امنية وسياسية على الساحة اللبنانية، وما يشهده لبنان اليوم من اضطراب سياسي مرده اولا واخيرا الى غياب هذا الضابط بحيث لم يعد السوري اليوم كما كان على مدى اكثر من 35 عاما قطبا اساسيا ورئيسيا في اي تسوية لبنانية وبصراحة اكبر متعهدا باطفاء الحريق السياسي والامني اللبناني. ومشكلة لبنان اليوم انه يسير على حبل مشدود ويخشى ان يسقط عنه وما سياسة النأي بالنفس عن مايجري في سوريا التي اتبعها سوى محاولة لمنع امتداد الحريق السوري اليه لكن لا شيء يؤكد حتى الان ان هذه السياسة نجحت في تحييد لبنان الذي تشكل الاحداث الامنية المتنقلة فيه مؤشرا قويا على انه ليس ببعيد ان التأثر السلبي بالازمة السورية. اما بالنسبة للقضية الفلسطينية فغياب الدور السوري يجعل الفلسطينيين مكشوفين امام الاسرائيليين طالما وان سوريا شكلت لهم سندا قويا وغطاء في نضالهم ضد اسرائيل.ومما لاشك فيه بأن سوريا اليوم امام معضلة رئيسة ثنائية وهي اولا تصدع الدولة المركزية ووجود تشققات في بنية الجيش السوري الذي يعتبر سياج الوطن الواحد. والثانية الحرائق المنتشرة في مختلف المدن والقرى السورية والتي تهدد الوحدة الوطنية السورية. وعلى ما يبدو فان ما يحاك لسوريا كدولة ووحدة وطنية تعجز المبادرات العربية والدولية عن احباطه وان الصراع على سوريا هو العنوان الاساس لكل ما يجري اليوم. ولكن السؤال هو هل ان مبادرة عنان والمؤتمر الدولي حول سوريا سينجحان في اطفاء الحريق السوري اما ان تلك المبادرات والمؤتمرات ليست سوى محطات في مسلسل ازمة سوريا الطويل والطويل جدا على ما يبدو.

* حسين عبدالله كاتب لبناني - جريدة عمان

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.