الشـوف: تجربـة فـي «العيـش المشتـرك»

في الشوف العام الماضي
في الشوف العام الماضي


الشوف :

الزمان: 12 تموز .2006 إنها الحرب..

المكان: منطقة الشوف.

على الطرقات الرئيسية التي تفضي إلى المنطقة عبر جزين وعبر الدامور وعبر إقليم الخروب، حركة نزوح غير عادية. سيارات كثيرة ترفع رايات بيضاء تقل مئات النازحين عن قراهم. من الشبابيك المفتوحة، تصدح النشرات حاملة المستجدات الاخبارية: إسرائيل تقصف، تقتل، تقطع، تضرب، تحاصر... الحيرة والترقب يلفان النازحين و«أهل البيت» في على حد سواء. على ماذا سيرسو الواقع الجديد؟

«إنهم أهلنا وأشقاؤنا في الوطن... بيوتنا بيوتهم، وسلامتنا من سلامتهم». سبق الموقف الذي تبناه أبناء الجبل صدور القرار السياسي من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الداعي الى احتضان النازحين...

اعتبر جنبلاط أن «الاولوية هي للصمود وللوحدة، ولوضع الخلاف جانبا»، وطلب خلال اجتماع عقده في باحة قصر المختارة، مع لجان رعاية شؤون النازحين في قرى وبلدات الشوف، تأمين المساعدات للنازحين، كما طالب «الهيئة العليا للاغاثة» بتأمين الفرش ومقومات الحياة الأساسية للجميع.

نزوح ترافق مع ارتفاع في الأسعار

وصل عدد النازحين إلى الشوف خلال الحرب الى حوالى 70 الفاً، توزعوا على خمسين مركزا في مختلف مدن وبلدات المنطقة. وسبقت مدارس المنطقة نداء وزير التربية خالد قباني وفتحت أبوابها للنازحين، فيما فتح أهالي القرى أبوابهم لـ«عائلات جديدة»، بعضها كان قادرا على تأمين بدل إيجار، وبعضها أقام لدى الأصدقاء والمعارف ريثما يتم إيجاد سكن آخر.

وعمل عناصر الحزب الاشتراكي على تأمين المأوى للعاجزين عن الايجار، واستُحدث بالتعاون مع «الهيئة العليا للاغاثة» مطبخ خاص بكل مركز، لتأمين الوجبات الساخنة للنازحين. وتم تسيير مستوصفات نقالة تجول على المراكز لتقديم العناية الصحية اللازمة.

وترافقت ظاهرة النزوح مع ارتفاع في أسعار المواد الاستهلاكية الاساسية. كالفرش، والمواد الغذائية، والبنزين. ولم تتمكن محطات الوقود في المنطقة من التزود بالوقود بسبب القصف، ما دفعها الى «تقنين» توزيع البنزين على المستهلكين، الذين كانوا يصطفون في طوابير للحصول على كمية لا تتعدى عشرة ليترات.

ويقول هيثم صفا، صاحب مطعم «صفا تشيكن» في بقعاتا، انه «خلال فترة الحرب، اشتغلنا كثيرا نظرا لزيادة العدد السكاني، لم نرفع الاسعار إلا بشكل ضئيل بسبب ارتفاع سعر ربطة الخبز، فنحن نملك مسلخا واحتياجاتنا الغذائية متوفرة لدينا إلا الخبز. ولو عاد الأمر لنا لما رفعنا الأسعار، نظراً لمعاناة النازحين».

وطال ارتفاع الاسعار قيمة إيجارات الشقق السكنية، فتخطت قيمة الإيجار الـستمئة دولار في معظم الأحيان. ونظمت «جمعية حماية المستهلك» آنذاك دوريات على المؤسسات لضبط الوضع، بالإضافة الى لجان مراقبة محلية.

تنحية الخلاف السياسي جانباً

تتحدث هلا أبو علي، وهي منسقة «البيت اللاعنفي» في الفريديس (جمعية عاملة ضمن مشروع الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية)، عن التجربة التي عايشتها وزملاءها مع النازحين، شارحة أن دور الجمعية الاساسي هو دور تثقيفي وتوعوي وليس خدماتياً.

تقول: «ساهمنا في تقديم بعض الخدمات وتوفير بعض المواد الأساسية والأدوية، كما أننا نظمنا ندوات ونشاطات للأطفال حول مبدأ «اللاعنف». وكان هدفنا المساعدة بغض النظر عن أي منفعة خاصة».

وتشكو أبو علي من مساعي «الهيئة العليا للإغاثة» لكي «تُظهر للرأي العام بأنها تقوم بالمهام كلها، ولكي تهمش دورنا. لكننا استطعنا تجاوز ذلك بالتعاون معها لاحقا، فوحدنا أهدافنا لخدمة أهلنا النازحين».

وتعتبر أن واحدة من أبرز الصعوبات في ذلك الوقت، تمثلت في النقص في الخبرة بالعمل الخدماتي، وعلى هذا المستوى، مما تطلب بعض الوقت ريثما تنتظم الأمور.

من جهته، يشير رئيس هيئة الاغاثة المحلية في الشوف ناصر زيدان، الى انه «تم تشكيل الهيئة وبدأنا العمل حتى قبل ان تبدأ الهيئة العليا للاغاثة «المركزية» نشاطها. فقمنا وبمساعدة البلديات والخيرين والنائب وليد جنبلاط، إضافة الى حوالى الف متطوع بإيصال المساعدات للنازحين، وقمنا بالتعاون مع «برنامج الامم المتحدة الانمائي» بتأمين أدوات المطبخ وأدوات التنظيف وتوزيعها على المراكز. كما كان لنا تعاون بارز مع «الهيئة العليا للاغاثة» وقائمقامية الشوف».

وقال زيدان ان المشاكل التي واجهت الهيئة تمثلت بتأمين المراكز للنازحين. «فتولينا تنظيف المدارس الرسمية والخاصة وبعض الدور لهذا الهدف، وقد تخطى عددها 70 مركزاً. وسعينا لتخفيض قيمة إيجار بعض الشقق التي حاول أصحابها استغلال الوضع. وواجهانا أيضا مشكلة تأمين الخبز، لا سيما أن عدد الافران في المنطقة لا يلبي حاجة الجميع، ما استدعى تأمين الخبز من مناطق اخرى. يضيف أنه تم تجهيز مراكز النازحين بالبرادات، وتأمين العناية الصحية لهم بالتعاون مع مستشفيات المنطقة.

تجربة في العيش المشترك

... وفي الذكرى السنوية الاولى لحرب تموز يتذكر الشوفيون أنهم عاشوا تجربة فريدة في العيش المشترك... «بنينا صداقات وثيقة مع أبناء الجنوب وإذا تكررت التجربة فبيوتنا لهم».

أمضى عبد الكريم فترة الحرب في «جيرة» ثلاث عائلات نازحة من الجنوب الى بلدة بطمة الشوف.

يقول «انه بالرغم من مآسي «حرب تموز» فإنها فتحت أبواب الصداقات على مصراعيها. فأنا ما زلت أتواصل مع أصدقائي الجدد من بلدة صريفا الجنوبية».

أما حسام علامة فيعتبر أن «السياسة تفرق، فعندما نستمع الى الاخبار نظن أننا في خنادق متواجهة، لكن الحرب أثبتت العكس تماما، شعرنا بأن النازحين هم أشقاء لنا ومن واجبنا الاهتمام بهم».

ثم يضيف أنه مـتأكد أن ابن الجنوب ايضاً سيحضن ابن الشوف في ظروف مماثلة، «وهذا أمر طبيعي بين أبناء الوطن الواحد».

ويعتبر علامة انه «اذا كان الشوف قد نجا من القصف والدمار، إلا أنه لم ينجُ من لعنة ارتفاع الأسعار، وحتى وجود هيئات رقابة لم يمنع البعض من استغلال الظروف لتحقيق الارباح، وتحديدا أصحاب الشقق المخصصة للايجار».ويأمل شوقي حامد صاحب مقهى في نبع الصفا بعدم تكرار الحرب، ويقول: «تعرضنا لخسائر كبيرة ولم يعوض أحد علينا. أنا حولت المقهى خلال «حرب تموز» الى مركز لاستقبال النازحين، وأسكنت العائلات النازحة في أماكن إقامة الموظفين الذين استغنيت عنهم. وذهبت تحضيراتنا لموسم السياحة في العام 2006 مع الريح».

«هل أنت نادم على ذلك؟» يجيب حامد: «حتما لا، فهذه أمور قاهرة ووقعنا جميعا ضحيتها. ولو عادت الحرب لتصرفت بالطريقة عينها، إذ لا يمكنني تجاهل أخ لي في الوطن يحتاج إلي. ولو كنت أريد تحقيق الارباح لفعلت، لكنها لن تكون حلالا، لكن ذلك لا ينفي أنني تكبدت خسائر كبيرة».

... انتهت الحرب، وانطلق النازحون في رحلة العودة الكبيرة. بعد عام... شمعة أولى لتجربة «عيش مشترك». شمعة أولى عسى أن تبقى منيعة في وجه رياح الخلافات السياسية.

نازحة أخرى وضعت طفلاً في الشوف خلال الحرب
نازحة أخرى وضعت طفلاً في الشوف خلال الحرب


تعليقات: