زواج النازحات.. مسحة فرح بين الهموم

في خيم النازحين.. حيث لا يحضر الفرح إلا نادرا(شوقي الحاج)
في خيم النازحين.. حيث لا يحضر الفرح إلا نادرا(شوقي الحاج)


لم يخطر ببال الفتاة العشرينية حنان، النازحة السورية من بابا عمرو إلى العرقوب في القطاع ‏الشرقي من جنوب لبنان، أن تلتقي في غربتها القسرية بفارس أحلامها، الشاب هادي الذي قرّر طلب يدها من ذويها، القاطنين منذ أشهر عدة في إحدى قاعات مسجد ‏بلدة شبعا. وقد شهد المسجد الحلقة الأولى من خطوة الزواج بين العروسين، التي غابت عنها الأفراح ‏والليالي الملاح، لتقتصر على حضور المقربين من العائلتين، إضافة إلى ‏بعض القيمين على مساعدة ورعاية النازحين في البلدة.‏

حاولت العروس وبجهد واضح إخفاء حرقة قلبها على وطنها، من دون أن تتمكن من حبس ‏دموعها، وقد بدّل الخجل لون بشرتها السمراء إلى حمراء وردية، فكانت ‏لحظة محرجة، جمعت بين الفرح بتحقيق حلمها بالزواج، وغصتها على وطنها.

حنان ليست النازحة السورية الوحيدة التي تزوجت في لبنان، بل سبقتها عشرات الفتيات في مختلف مناطق النزوح، وفي ظل غياب إحصاء دقيق يحدد حالات الزواج للسوريات في لبنان، فالتقارير غير ‏الرسمية التي أعدتها الجهات المانحة والمهتمة بعمليات الإغاثة، قدرت العدد بين 100 و150 زواجاً، بينها ثلاث حالات في حاصبيا والعرقوب، وأكدّت هذه الجهات مباركتها وتشجيعها لهذه ‏الظاهرة مادياً ومعنوياً، لما لها من إيجابيات على العديد من العائلات النازحة، لجهة رفع حفاوة ‏الاحتضان بينها وبين الأقارب الجدد، إضافة إلى تمتين العلاقة بين العائلات السورية واللبنانية.‏

‏ ويشير قاضي المحكمة الشرعية السنية في حاصبيا الشيخ اسماعيل دلي إلى إنجاز ‏معاملة زواج واحدة لعروس سورية وعريس لبناني، بحسب الأصول القانونية ‏المتبعة، وبعد تأمين العروسين الوثائق الرسمية العائدة لهما. ويوضح أنّ المحاكم الشرعية السنية ترفض إنجاز وتسجيل أي زواج بين سورية ولبناني، إذا ‏لم تكن الوثائق الثبوتية منجزة، وبشكل خاص إخراج قيد مصدق من الداخلية ‏والخارجية السورية واللبنانية ومن السفارة السورية في لبنان، إضافة إلى موافقة الأمن العام اللبناني، وبغير ذلك لم ينجز أي قران.

يضيف: "هناك إمكانية للحصول ‏على هذه الوثائق من سوريا، حتى في ظل الوضع السائد، وفي حال تعذر الحصول على ‏الوثائق الرسمية الخاصة بالزواج، يمكن لجوء العروسين إلى عقد زواج براني ‏خارج إطار المحكمة، ولكن مثل هذا الزواج يسبب مشاكل ‏إدارية لاحقاً خصوصاً بالنسبة لأطفالهما، ونحن من جهتنا لا ننصح به ابداً".‏

‏ "هذا الزواج الذي لجأ اليه العشرات من السوريات والسوريين، يقلق العرائس ‏وذويهم، إذ أنّ عقد الزواج البراني، الذي ينظّم في مثل وضع فوضوي كهذا، يكون خارج إطار المحكمة الشرعية، بعدما يعجز عدد كبير في الحصول على الأوراق ‏الثبوتية المطلوبة"، وفق الفتاة حوراء من ريف دمشق، التي تضيف: "هذا الأمر يحد من الزواج في النزوح، ما يوقعنا بحيرة فعلية، فلا خيار أمامنا سوى المغامرة ‏في الزواج غير الشرعي أو تأجيل الزواج".

احد العاملين في هيئة الإغاثة في المنطقة يوضح أن عدداً كبيراً من النازحين تركوا منازلهم على عجل من دون ‏إحضار أوراقهم الشخصية الرسمية، الأمر الذي انعكس سلباً على أحوالهم الحياتية ‏في ظل القوانين اللبنانية، ويقول إن السوري لا يمكن أن يتزوج مواطنته من دون ‏وثيقة تثبت صفة ولي أمرها، أو تؤكد أنها غير متزوجة، والأمر ذاته ينطبق على اللبناني ‏الذي ينوي الزواج بسورية، وبما أن المحاكم الشرعية السنية لا تتساهل في هذه ‏الأمور فتمنع رجال الدين من تنظيم عقود الزواج بغير الطرق القانونية والشرعية، ‏تمّ اللجوء إلى عقود من نوع آخر يعتمد عليها كوسيلة تساعد على التحايل من ‏أجل معالجة الأمور، فبات العقد يُكتب بعد أن يُجمع العريس والعروس ووليّ أمر ‏الأخيرة، أو أحد أقاربها، بالإضافة إلى شاهدين وإشراف من الشيخ من دون توقيعه ‏على الوثيقة، على أن يصادق عليها مختار المحلة، وهنا يلفت أحد المخاتير إلى ‏إمكانية تطوير الفكرة لجهة الاعتماد في عقد الزواج على كاتب العدل، بقصد حفظ ‏حق الطرفين في المستقبل.‏

ويعرب رئيس "جمعية إشراق النور الخيرية" الشيخ أبو جهاد محمد الزغبي، عن ‏مباركته وتشجيعه على المصاهرة المتنامية بين العائلات اللبنانية والسورية، فمثل ‏هذا الزواج من شأنه خلق حالة من القربى بين العائلات على طرفي الحدود، التي ‏ستنعكس ايجاباً على الواقع الاجتماعي والحياتي في البلدين، في حين يشير أحد مسؤولي إغاثة ‏النازحين في شبعا مالك غادر، إلى أن "الجماعة الإسلامية" قدمت مساعدة مادية ‏لعروسين سورية ولبناني، خلال حفل خطوبتهما الأسبوع الماضي في ‏قاعة مسجد شبعا، لافتاً إلى أن "الجماعة ستخصص لاحقاً مساعدات لمثل هذين العروسين لتشجيع ومساندة الحياة الزوحية".‏

تعليقات: