أهمية عقد العمل الجماعي وضرورة تعميمه


تعاظمت قوة النقابات العمالية منذ مطلع القرن العشرين وتزايد دورها في رسم السياسات الإقتصادية والإجتماعية للحكومات وفي تحسين شروط عمل العمال في المصانع والمؤسسات العامة والخاصة، وحدّت بشكل كبير من الإستغلال الناتج عن الأخذ بمبدأ الحرية التعاقدية بين العامل وصاحب العمل واختلال التوازن في الشروط التفاوضية بينهما. وأدى تدخل النقابات العمالية إلى فرض عدة تشريعات وقوانين وإتفاقيات دولية، ووفق معايير عالمية تحمي العامل وتحسن شروط عمله وترفع من التقديمات الإجتماعية والصحية له ولعائلته.

ويتميز الدستور اللبناني بإقراره ودون تحفظ بالحريات والحقوق الأساسية للمواطنين ووفق أرقى النظم والمعايير الدولية وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وترجم لبنان ذلك من خلال مجموعة من القوانين التي ترعى شؤون العمل والعمال، وهي وإن بقيت قاصرة في بعض جوانبها عن تحقيق طموحهم إلا أنها تعتبر قاعدة متينة للبناء عليها وتطويرها، ولعل من أبرز تلك القوانين قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم.

قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم

صدر قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم بتاريخ 2 أيلول 1964 أي بعد عشرين عاماً من صدور قانون العمل، وعرّف القانون عقد العمل الجماعي في مادته الأولى من الفصل الأول بأنه " إتفاق تنظم بمقتضاه شروط العمل بين طرف يمثل نقابة أو أكثر من نقابة أو إتحاد أو أكثر من إتحاد نقابات الأجراء وبين طرف آخر يكون رب عمل منفرداً أو أكثر من رب عمل أو ممثل هيئة أو أكثر من هيئة أو إتحاد أو أكثر من إتحاد مهني لأرباب العمل ".

ويفهم من هذا التعريف أن المشرع أعطى لطرفي العقد حرية وضع الشروط التي يُتفق عليها بينهما على أن لا تكون مخالفة للإنتظام العام، أي لمفهوم مقتضيات المصلحة العامة، وإلا عرض العقد للإبطال، وهو ما نصت عليه المادة الثانية من القانون.

ولقي هذا القانون معارضة أصحاب العمل عند صدوره كونه يحد من سلطتهم وصلاحياتهم في الإتفاقيات التي تحدد وتنظم شروط العمل بينهم وبين العمال، خاصة أنهم كانوا ينظمون عقود عمل إفرادية تتيح لهم وضع الشروط التي تناسبهم وتساهم في رفع نسبة أرباحهم على حساب العمال وحقوقهم.

مزايا عقود العمل الجماعية

إن عقد العمل الجماعي يهدف إلى تنظيم وتنسيق شروط العمل في قطاع أو مرفق أو مؤسسة عامة أو خاصة معينة، ومن مميزات هذا العقد:

تنظيم علاقات العمل بين فريقي الإنتاج، أي بين العمال وأصحاب العمل ولمدة زمنية محددة وثابتة.

يحد بشكل كبير من تدخل السلطات الرسمية في علاقات العمل والخلافات الناتجة عنها شرط أن لا يخالف العقد القوانين والإنتظام العام.

يوحد شروط العمل ويزيل الفوارق بين الأجراء ويمنع المضاربة بين أصحاب العمل ويحد من توسعها.

يحد من خلافات العمل الجماعية التي تهدد المؤسسة بالشلل أو الإقفال نتيجة توقف العمال عن العمل والإضراب بشكل مفاجىء.

يعطي حقوقاً مكتسبة للأجراء ويسهل المحافظة عليها وحمايتها.

يساهم في تطوير التشريعات والقوانين وعلاقات العمل ويساهم في إستقرارها.

أركان عقد العمل الجماعي

يقوم عقد العمل الجماعي على عدة أركان أساسية يمكن إستنتاجها من نص القانون أهمها:

أن يكون أحد طرفي العقد نقابة أو إتحاد نقابي أو أكثر، وأن يكون الطرف الآخر صاحب عمل أو ممثل عن هيئة أو عدة أصحاب عمل أو ممثلين عن هيئات.

أن يكون عقد العمل الجماعي صحيحاً وخالياً من الشوائب لناحية عنصر الرضا، كالغلط أو الإكراه أو الخداع وإلا أعتبر العقد باطلاً.

أن لا يكون العقد مخالفاً للإنتظام العام، كأحكام قانون الضمان الإجتماعي أو قانون العمل ( ساعات العمل أو الحد الأدنى للأجور...) أو غيرها من القوانين...

أن يكون العقد مكتوباً وموقعاً عليه من قبل الطرفين منعاً للتفسير أو التأويل في الحقوق والإلتزامات، خاصة أنه يطال شريحة واسعة من العمال.

أن تحوز النقابة أو الإتحاد النقابي على تفويض خاص من الأجراء بموضوع العقد يتجاوز 60 بالمئة من عددهم وليس من عدد أعضاء النقابة أو الإتحاد. أما عند إقرار العقد الجماعي فيقتضي حضور الجلسة أكثر من نصف أعضاء النقابة.

أن يسجل عقد العمل الجماعي في وزارة العمل ولا يعتبر نافذاً إلا بعد نشره في الجريدة الرسمية من قبل الوزارة أو بعد شهر من تاريخ تسجيله لديها، وللوزارة رفض تسجيل العقد بقرار معلل ولأحد طرفيه حق مراجعة القضاء الإداري.

يكون عقد العمل الجماعي مفتوحاً ويمكن أن ينضم إليه من لم يكن فريقاً فيه أصلاً ودونما حاجة إلى موافقة المتعاقدين في الأساس (المادة 10 من القانون) ، ويقدم طلب الإنضمام إلى وزارة العمل شرط أن يكون طالب الإنضمام يتماثل في النشاط المهني مع أصحاب العقد.

يسري عقد العمل الجماعي على جميع أجراء المؤسسة الخاضعة له حتى ولو لم يكونوا أعضاء في نقابة ما، وكذلك الأمر بالنسبة لاصحاب العمل الموقعون على العقد عند إبرامه أو الإنضمام إليه.

مدة العقد الجماعي

إن الغاية من عقد العمل الجماعي هو تنظيم علاقات العمل بين الأجراء وأصحاب العمل ولفترة زمنية معينة، وذلك أن أحكام هذا العقد يجب أن تتفق مع تقلبات الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية السائدة وهو ما يصب في مصلحة طرفي العقد، فالتقديمات التي قد يلتزم بها صاحب العمل في ظل أوضاع إقتصادية مزدهرة قد لا يكون قادراً على تأديتها في ظل ظروف إقتصادية سيئة، والعكس صحيح فما قد يرضى به العمال من تقديمات اليوم يمكن أن لا يرضوا به مستقبلاً.

وعلى هذا الأساس نصت المادة السابعة من القانون على أن العقد الجماعي يكون لمدة معينة أو لمدة غير معينة.

عندما يكون لمدة معينة لا يمكن أن تتجاوز هذه المدة السنتين، ويجوز تجديده لمدة أخرى لا تتجاوز السنتين.

أما إذا كان لمدة غير محددة فلا يمكن إيقاف مفعوله إلا بعد إنقضاء ستة أشهر من تاريخ الإلتزام به.

ونصت المادة الثامنة من القانون على أنه في حال الإلغاء يبقى العقد ساري المفعول طيلة مدة المفاوضات الجارية لتعديله أو إستبداله بعقد جماعي جديد.

ونية المشرع في ذلك تجنب الوصول إلى الفراغ الذي قد يؤثر سلباً على أحد طرفي العقد.

ومن الجدير ذكره أن حق النقابة في إعلان الإضراب عن العمل هو من الحقوق الأساسية للعمال للدفاع عن مصالحهم، وجاء قانون العقود الجماعية والوساطة والتحكيم لينظم هذا الحق خاصة بعد أن تبنى نظام الوساطة والتحكيم في نزاعات العمل الجماعية، حيث نصت المادة 63 من قانون العقود الجماعية والوساطة والتحكيم على أن كل توقف عن العمل قبل وأثناء مرحلة الوساطة، وخلال مرحلة التحكيم، وبعد صدور قرار التحكيم هو غير شرعي ويعرض أصحابه للملاحقة القانونية، وبمعنى آخر أن الإضراب والتوقف عن العمل مسموح به فقط بين مرحلة الوساطة ومرحلة التحكيم.

..

* أحمد حسّان

تعليقات: