«مستشفى الأحذية» في النبطية يُعالج العلل

أبو مروان خياط: لا أخجل من مهنتي وأدعو الشباب إلى احترافها
أبو مروان خياط: لا أخجل من مهنتي وأدعو الشباب إلى احترافها


المهن الحرفية في الجنوب تندثر يوماً بعد آخر

«مستشفى الأحذية» في النبطية يُعالج العلل ويعيد تجديدها

بدأت المهن الحرفية في الجنوب بالاندثار يوماً بعد آخر، بعدما كانت تتربع على عرش الازدهار وبالكاد بتنا نرى «مبيّض الأواني النحاسية، المكوجي، صانع الطرابيش، مصلّح بوابير الكاز، مصابيح الإنارة، إضافة إلى المنجّد وآخرها الكندرجي»...

وإذا كانت مدينة صيدا تشتهر بسوق الكندرجية وما زال الكثير من محترفيها يحافظون على بقاء هذه المهنة رغم التطوّر، فإنها في معظم مدن وقرى الجنوب باتت نادرة، بينما في مدينة النبطية فان أحد أبنائها، علي خياط، حوّلها إلى ما يشبه المستشفى لتجديد الأحذية من القديم إلى الجديد، في ظل إقبال الناس عليه بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة والغلاء الفاحش، حيث بات شراء زوج من الأحذية يكلف ربع الراتب الشهري للموظف...

«لواء صيدا والجنوب» حط رحاله في مستشفى خياط للأحذية في مدينة النبطية، حيث بات مقصداً بسبب شهرته الواسعة لاحترافه المهنة وإتقانها منذ عقود حيث لا يموت بين يديه حذاء ويعود الكهل إلى شبابه من جديد...

مستشفى الأحذية

{ وأنت تدخل إلى سوق النبطية، الذي يعج بالحركة والازدحام يلفت انتباهك داخل سوق الجزارين، يافطة كبيرة رفعها طبيب الأحذية أبو مروان خياط، الذي حوّل محله الصغير إلى ما يشبه المستشفى لعلاج جميع أنواع الأحذية القديمة والتالفة، يقدّم الوصفات الشافية في ظل الظروف المتردية اقتصاديا، حيث يستقبل الأحذية على اختلاف حالاتها، يعالجها ويعيدها جديدة، أما الحالات الطارئة فتتم معالجتها في دقائق معدودة لتستعيد رونقها من جديد وخاصة منها كعب حذاء انقلع من مكانه أو «سحاب انكسر»، أو تمزق أسفله.

وسط انشغاله يستقبلك أبو مروان، الرجل الخمسيني، بابتسامة عريضة في محله المتواضع الذي أطلق عليه اسم «مستشفى الأحذية» لكي يستقطب إليه مرضاه من الأحذية، يقول: منذ الصباح الباكر وحتى آخر النهار أعمل بكد وبدون ملل، كأنني طبيب أفحص الأحذية بدقة وأشخّص المرض - العطل قبل ان ابدأ بعلاجه – إصلاحه، البعض يتطلب وقتاً قصيراً أنجزه وصاحبه ينتظره ليأخذه معه وبعض الآخر يتطلب وقتا طويلا وكأنه يدخل غرفة العلاج أو العناية حسب الحالة.

إبتسامة وعبرة

{ «أبو مروان»، يجلس خلف طاولة الخياطة وفي فمه سيجارة لا تفارقه، وخلفه لوحة كبيرة كٌتب عليها «الشوك ينمو بالإهمال والنبت الصالح لا ينمو إلا بالعناية الفائقة» حيث تحيط به الأحذية والجلود وغيرها من عدة الشغل، قال: «أول ما استقبل الزبون أعرّفه عن نفسي ببطاقتي الخاصة «hospital shoes» المتخصص بتصليح جميع أنواع الأحذية والشنط، قد يبدو الأسم غريباً على البعض، ولكن سرعان ما أجيب إن سبب التسمية بكل بساطة إنني أحب التميّز عن غيري، وأن أجذب الزبائن، وقد عمل الاسم على استقطاب أكثر من 50% من الزبائن من مختلف الفئات العمرية، فضلاً عن أنني أعمل بضمير ويحبني الناس الذين يأتون إليَّ من مختلف المناطق، من النبطية والجوار حتى من أقصى الجنوب لأن الشهرة باتت تسبقني إلى المكان».

مهنة وفن

وتابع: «إنني لا أخجل من مهنتي، بل على العكس أدعو الشباب إلى احترافها وكل المهن القديمة، وبكل اعتزاز وفخر لقد علّمت أولادي الثلاثة المهنة وآمل أن يكمل أحد أبنائي مسيرتي، لأنها ليست مجرد مهنة يعتاش منها الإنسان بل هي فن وحرفة أحببتها منذ الطفولة وعشقتها، بالرغم من إنني أنهيت دراسة الفلسفة وأتقن اللغتين الانكليزية والفرنسية، ولديّ ميول سياسية، وكتبت الكثير من المقالات في صحف ومجلات لبنانية، وحبي لهذه المهنة دفعني إلى التخلّي عن إكمال دراستي ومزاولتي إياها».

وأوضح «بدأت العمل في هذه المهنة منذ 30 عاماً، وأدخلت إليها الخياطة وبعض «الإكسسوارات» هي الفن في ذاته، فعملي فن يحتاج إلى الصبر والتحدي والحنكة، وأجلس 7 ساعات يومياً أسعى خلالها إلى انجاز أكبر عدد ممكن من الأحذية».

ركود وإقبال

ويعترف «أبو مروان» «أن الأوضاع المعيشية تزداد سوءاً يوماً بعد آخر على واقع الخلافات السياسية والتوترات الأمنية وانعكاسه الجمود في الدورة الاقتصادية وقلة السيولة، وهو ما دفع الأهالي إلى إصلاح أحذيتهم بشكل دوري دون أن يتمكنوا من شراء أحذية جديدة، فإصلاح القديم تختلف تسعيرته من حذاء إلى آخر وفق عطله، لكن الحد الأدنى هو 2000 ليرة لبنانية وكلما كان الحذاء ثميناً فسعر تصليحه يكون أغلى».

ويودّع «أبو مروان» زبائنه كما يستقبلهم بابتسامة قائلاً: «أتمنى زيارة المستشفى من جديد، وإذا كانت لديك حالة طارئة أقوم بتصليحها في ثوانٍ معدودة ليعود كل شيء إلى طبيعته».

مفهوم خاطئ

والكندرجي مهنة متوارثة من جيل الى آخر، وهي اليوم قيد الاندثار، وما زال في النبطية 4 من أبنائها يحترفون هذه المهنة ويعملون بها، غير أن المفارقة في جيل الشباب أنهم لا يقبلون عليها فهم يعتبرونها مهنة وضيعة... ولكن «أبو مروان» يؤكد «أن هذا مفهوم خاطئ يجب أن يتغيّر» مشيرا بيده إلى يافطة خلفه «ليس هناك من مهنة حقيرة بل هناك أناس حقيرون».

وقال الشاب علي ترحيني: «إن هذه المهنة ليست معيبة ولكنها لم تعد تكفي لتأمين متطلبات حياتنا من لقمة العيش والرفاهية لأننا أصبحنا نعيش في وضع اقتصادي صعب، وزمن التكنولوجيا والتطوّر، حتى إننا بتنا نشتري أحذيتنا عبر الانترنت، مستدركا «ربما لا يلجأ الغني الى الكندرجي ولا يعرفه وقد يهزأ منه، ولكن لا غنى للفقير عنه فهو المسعف الحقيقي له في ساعات الشدة».

يستقبل زبائنه بابتسامة
يستقبل زبائنه بابتسامة


أبو مروان خياط يجلس خلف ماكينة الدرز
أبو مروان خياط يجلس خلف ماكينة الدرز


«مستشفى الأحذية» في النبطية داخل سوق الجزارين
«مستشفى الأحذية» في النبطية داخل سوق الجزارين


... ويصلح الأحذية القديمة
... ويصلح الأحذية القديمة


تعليقات: