رسالة من طارق

طارق حيدر: لقد رأيتكم يا اهل بلدتي تواسون عائلتي وتعزّوها لغيابي، لتغمروهم بالسكينة والصبر
طارق حيدر: لقد رأيتكم يا اهل بلدتي تواسون عائلتي وتعزّوها لغيابي، لتغمروهم بالسكينة والصبر


في يوم من أيام تشرين، وبينما كنت غافياً قرير العين، واذ بنور سماويّ يتّجه نحوي، محفوفاً بالملائكة والاضواء، يخبروني بانّه حان وقت انتقالي الى عالم الرّقيّ،

عالم الّذين احبّهم الله واختارهم لأن يكونوا بجانبه..

عالم دهشت بمدى روعته وجماله...

وبينما أنا على هذه الحال، واذا بوجه جدي يتلألأ امامي كالبدر في ليلة كماله، وجدتي تطلّ بابتسامتها المعهودة، ابتسامة الفرح والشوق، فيحتضناني احتضانة ممتلئة بالحنان، مع قبلات اثقلها الاشتياق والغياب.

فجلسنا نتبادل احاديث واخبار الاحباب، واتامل روعة هذا العالم، بفرحة ودهشة ليس لهما مثيل.

وفجاةً، تصلني رسالة، لتخبرني بان والدي حزين جداً، وعاتب عليّ لاني لم اودّعه قبل سفري الطويل، فتركت كل من حولي، وكتبت لكم يا أغلى ما املك في الحياة الدنيويّة:

أبي...

لقد اسقيت بدموعك ترابي...

ها انا هنا، فشرّع نوافذك الآن لاستقبالي، فقد ارسلت مع الريح إليك سلامي، وارسلت لك روحي، لعلّها تكون حصنك الحصين..

لا تحزن يا ابي، فعندما تشتاق اليّ، حدّث عن ذكريات تقاسمناها سويّا، ففي كل مكان لنا ذاكرة.

سنعود ونلتقي في يوم من الايام لنعيش اجمل ما عشناه ماضيا...

امّا انت يا أمي...

يا من اختزلتي نساء العالم في صبرك،

لا يليق بك الحزن يا حبيبتي، لطالما كان الفرح شعارك،

ولا يليق بك الخوف، لطالما كان حضنك موطن سلامي وطمانينتي،

ولا يليق بك الغضب، فلطالما هدّئتي من روعتي،

أمي، لا يليق بك اللون الاسود، فانت جميلة اكثر باللون الابيض...

صنعتي لي من الايام معطفاً يمنحني الحب، ولم اعلم اني سآخذه وارحل وتبقي انت وحيدة.

صباحاتك يا أمي لا تشبه اية صباحات، وفنجان القهوة في حضنك له طعم آخر، امّا رائحتك التي تعبقين بها تجعل يومي مختلف...

الابيض يليق بك حبيبتي...

فأنا اراك كل يوم بثوب ابيض تتضرعين للسماء لحفظي ولحماية اخوتي..

انا قريب يا امي، اسمعك واجيبك، وستبقين ملكتي كما كنتي عندما تركتك...

وانت يا هالة..

ربما صمتك يصلني اكثر من حروفك وكلماتك..

ورغم غيابي، لا زالت رائحة وداعك عالقة في ثنايا روحي..

اشتاق لتفاصيل لا يعرفها غيرنا، انا وانت..

ساكتفي بك حلماً، يا حبيبتي، لأننا مهما فعلنا في الواقع لن نلتقي، ولكن للقائنا موعد في جنات النعيم، والعالم الدائم...

ويا فلذة كبدي...

يا اغلى من وهبتهم حياتي...

يا عامر ورودي...

اخبر اخاك يا عامر عن قصصنا، وسهراتنا، والعابنا، والروايات التي سردناها سوياً قبل النوم...

اخبره انه كان له اباً ولكنه رحل الى الخلود الاوسع..

واحفظه تحت جناحك، واكبروا سويّاً، وابقوا سويّاً، كما حلمت ان اراكم دائما...

اما انتم اخوتي،

اذكروني في ذلك الماضي الجميل حيث تقاسمنا كل شيء، شقاوتنا والعابنا، وجمال طفولتنا..

اوصيكم بامي وابي وعائلتي، فظني بكم لن يخيب..


لحظة...

كل شيء مرّ بلحظة...

الحب لحظة، اللقاء لحظة، الوداع لحظة، النجاح لحظة، الحياة لحظة والموت لحظة...

العمر كلّه لحظة،... قد نعيش عمراً فيه لحظة مهمة... وقد نعيش لحظة هي كل العمر... وانا معكم عشت اجمل اللحظات التي جعلت عمري احلى عمر!!!

اخيراً، احتضنتني امي العظيمة، الخيام...

واصبحت بين اهلي واحبابي الخياميين...

اراكم حولي في كل مكان، ودعاؤكم يصلني كل يوم،

اني ارى حزنكم ودموعكم، وعلمت اني لست ابن امي وابي فقط، بل ابنكم جميعاً...

إبن الخيام...

لقد رأيتكم يا اهل بلدتي تواسون عائلتي وتعزّوها لغيابي، لتغمروهم بالسكينة والصبر، والرضى بما قسمه الله عزّ وجلّ...

لا تحزنوا، ولا تبكوا، فانا هنا في جنّات النعيم، سعيد جداً جداً..

روحي تطير وتسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي في نهاية اليوم إلى قناديل معلقة بالعرش، على مقربة من بيتي في الجنة، بناه الله بفضل حمد أمي وأبي، وصبرهم وشكرهم لما كتبه وقدّره لنا في هذه الحياة..

رحلت عنكم جسداً، ولكني باق في كل زوايا الروح..

وعندما تشتاقون اليّ، لا تبحثوا عنّي، لاني هنا في القلب ، في قلب كل من أحبني...

ومن جنات الخلد اقول:

سلام عليّ يوم ولدت، ويوم أموت ويوم أبعث حيّاً...


مواضيع ذات صلة:

طارق حيدر

كرهت الموت.. وأحببته‎

برقية الى السماء

بلدة الخيام شيّعت فقيدها طارق حيدر إلى مثواه الأخير

طارق حيدر.. وداعاً أيها الحبيب

سجل التعازي بفقيد الخيام الغالي المهندس طارق علي نصرت حيدر

تعليقات: