مخيـم شاتيـلا: سوق كل الأشياء المحاصـر بخطـوط حمـر كثيـرة

من مخيم شاتيلا  (علي علوش)
من مخيم شاتيلا (علي علوش)


العيـش داخل شارع حزام البؤس ..

وصل كريم إلى نقطة التقاء مفترق المخيم بالشارع الذي لا اسم له، ذاك الذي يبدأ عند نزلة السفارة الكويتية، وينتهي عند طريق الجديدة مارا بمحاذاة شاتيلا ومخترقا صبرا. وقف كريم هناك. قرر ابن السابعة عشرة أن يودعنا عند هذه النقطة. فهو «لا يخرج من المخيم».

قبل دقائق، كان يجوب شاتيلا منساباً في أزقته الضيقة بعفوية من حفظ غيباً هذه المتاهة. حين التقيناه، كان واقفاً في زاروب معتم لا يزيد عرضه عن المترين. لم يكن يفعل شيئاً. كان واقفاً فحسب. يمضي الكثير من وقته هكذا. يقف ويفكر. يحلم، وليس بالضرورة بفلسطين.

يختار كريم سجنه طوعاً. وفي الزقاق المعتم، يقف الشاب في أصغر دمية من الدمى الروسية المتداخلة بعضها في بعض. دمى من حصارات تحيط بالمخيم.

حصارات. شاتيلا حوصر مراراً مذ أنشئ سنة 1949 بصفته بضع خيمات بانتظار العودة بعد ايام. ربما كان أشد الحصارات وطأة عليه حصار .1982 يومها أتت إسرائيل إلى أبوابه، وفتحتها للبنانيين إرهابيين ظلوا طوال ثلاثة أيام يذبحون كل من وقعت بلطاتهم عليه.

خرج المخيم من تلك الحرب مدمراً. مواسم هجرة سكانه الأصليين لم تفرغه. أتى من يملأ فراغات الآخرين، حتى امتلأ عن جديد. الفلسطينيون على حراك داخلي بين مخيماتهم.

لن ننتظر من دولة امين الجميل خيراً لمخيم فلسطيني، هي التي لم تدم طويلاً. القوى التي حلت محلها لم تكن افضل منها. حرب المخيمات ستعيد شاتيلا إلى حصار طويل ودمار ثانٍ. وحين سيأتي اتفاق الطائف، سيبدأ الحصار الأطول والأشد وطأة: حصار النسيان الكامل للمخيمات. وجد لبنان ما بعد الطائف ربما أن الطريقة الفضلى لمنع التوطين تكمن في حصار غير معلن، وغير إنساني، حيث يُعزل هؤلاء عن الخارج تماماً.

لم تكمن المشكلة فقط في منعهم عن وظائف وحرف وغيرها ومنعهم من التملك، ومن البناء وإهمال كل ما يتعلق بحيواتهم. المشكلة كانت في ذاك الإهمال الهائل والتام لوجودهم، إلا حين يراد استغلال هذا الوجود في الأمن الذي يفضي إلى السياسة.

أعاد لبنان بناء نفسه من حولهم. وكان مدهشاً العقل الهندسي الذي لف الجسور والطرقات العريضة حول أعناق مخيماتهم، وأخفى هذه المخيمات في الوقت نفسه عن عيون الآتين إلى بلد السياحة والجمال.

حصار في قلب حصار. مخيم مثل شاتيلا سيختنق حكماً. الحبال التي تلتف حول عنقه أكثر من أن تحصى: من الصراع الفلسطيني الداخلي إلى الصراع اللبناني الشبيه هنا.. إلى «فتح الإسلام» وما أخرجه هذا التنظيم من عنصرية دفينة في نفوس اللبنانيين تجاه الفلسطيني، ومن توجس فلسطيني من انتقال مثل هذه الظواهر إليه.. وصولاً الى الأحياء الملاصقة لشاتيلا، وهي أحزمة بؤس نصفها يتبع للعاصمة ونصفها الآخر للضاحية الجنوبية. وهذه شهدت غلياناً متكرراً لم يمتد إلى المخيم لسبب واحد وحيد: يكفي الفلسطيني ما هو فيه.

الفقرة أعلاه تقع في خانة الترف السياسي. يمكن للخط البياني أن يستمر نزولاً ليصل إلى ما هو أكثر احتكاكاً بكل صباح يستيقظ عليه شاب في المخيم: البحث عن عمل يدفع أجره في آخر النهار. عمل لن يعود إليه في صباح اليوم الثاني بالضرورة. لكنه يكفي لمصروف يوم أو يومين، بانتظار شيء ما.

كريم لا يخرج من المخيم إلى الشارع السوق. يقول إنه لا يحب الشارع ويصر أن المخيم ينتهي حيث يقف وأن الشارع ليس من المخيم.

للشارع الواقع تحت سلطة الدولة اللبنانية نظرياً صــيت ســيئ. وهــو فعلاً ليس من شاتيلا. الفلســطينيون فيه قلــة وأهــل المخيـم يخافون على أولادهم من موبقات ليله. مع ذلك، يجد الفلسطيني نفسه دوماً مضطراً لرد التهمة عن مخيمه. يتبرأ من الشارع، أي من الخط الأول الذي يربطه بلبنان.

يخاف كريم. ليس وحده. لم تكن المخيمات يوماً على مثل هذا الخوف من كل ما هو خارجي. إنها عزلة تكاد تكون تامة. عزلة طوعية اختارها شعب متروك كل ما يستطيعه هو محاولة تجنب الأسوأ.

أصيب الولد بالذعر. انتصب على السلم الحديدي ومد ذراعه أمامه صارخاً: «لا. لا ما تصوّر». بعد لحظة، وما إن رأى صورته على شاشة الكاميرا الرقمية، حتى عدل عن رأيه. تابع صارخاً: «صوّر. صوّر». لم يبتسم للكاميرا ولم يرفع في وجهها شارة النصر. رد باقتضاب على الأسئلة، وظل يحدق في الكاميرا.

في السابعة من عمره. ملامح وجهه الصغير تغيب تحت خدين وفم متسخين. اللعب في شارع كهذا يترك آثاره الهائلة المباشرة التي تلتصق بالطفل من رأسه إلى أخمص قدميه. الآثار غير المباشرة الصحية والاجتماعية ستتراكم.. بعد سنوات طويلة، قد يصير مثل هذا الآتي صوبنا الآن، يعبر الشارع عاري الصدر، وقد خلع قميصه في دكانه لبيع الاسطوانات. عشريني بعضلات بارزة قرر أن يرهب بها من يلتقط صورة الطفل. الأوشام ليست شيئاً غريباً. الغريب هو تلك الآثار الكثيرة على الساعدين والكتفين: آثار جروح قديمة في خطوط متوزاية. الشاب، ومعه صديقه بالشعر المصبوغ بالاشقر، جاهز للشجار. يأمر الطفل بالمغادرة فيغادر. يزعم أنه شقيقه. يريد أن تمحى الصور عن شاشة الكاميرا. يقول: «لا أريد أن يظهر أخي في صورة البؤساء. نحن لسنا بؤساء. نحن لبنانيون. وإن أردتم تصوير البؤس فاذهبوا الى هناك».

يشير صعوداً، نحو الجزء الآخر من الشارع لجهة صبرا. من الصعب التحاور معه. بالكاد اقتنع بأننا لن ننفذ رغبته بمحو الصور. عاد إلى دكانه غاضباً. دكانه ملاصق لمكب النفايات الرئيسي في الشارع. فسحة أمتار مربعة قليلة ترمى فيها النفايات على الأرض فتصير تلة يلهو عليها الأطفال طوال النهار قبل أن تأتي شاحنة سوكلين لتجرفها لتبدأ بالنمو من جديد. ما لم يكن هذا هو البؤس، فكيف يكون إذاً؟

[[[

عند رصيف مدافن مجزرة صبرا وشاتيلا الجماعية، يفرش مراهقان سوريان أغراضهما التي للبيع: بقايا آلة حاسبة. روايات بالانكليزية لدانييل ستيل. ريموت كونترول. باربي شبه عارية. درع تقدير من مؤسسة خيرية إلى مدرسة، في مناسبة ما. دفاتر حسابات شركة يعود تاريخها الى العام .2001 ما المشترك بين هذه الأصناف؟ شيء وحيد: إنها نفايات. هل لمحتم يوماً شباناً ينقبون ليلاً، أو حتى نهاراً، في مستوعبات النفايات؟ حسناً. كل مادة غير عضوية ترمى في النفايات هي صنف محتمل للعرض في هذا الشارع. حتى الصور العائلية الثلاث لامرأة وطفلين. كل شيء موجود. ونادراً ما تتكرر نسخة الصنف الواحد. الفتى يهمس بأنه يجلب هذه الأغراض من حراس المباني، ويعود ليقول إنه «يجدها» حين يتجول في الشوارع. بضائع تشي بتنوع الخلفيات الثقافية والطبقات الاجتماعية لمن رموها، من ألعاب الأطفال الغالية الثمن، الى شرائط الموسيقى لفنانين عالميين لم يفكروا يوماً بأنهم سيصلون إلى هذا المكان من العالم، إلى كتب الأناجيل المقدسة..

المدينة تلفظ نفاياتها هنا. هذه تجارة الأشد فقراً يبيعون ما يجدونه. تجارة لها زبائنها. في أي يوم أحد محتمل، يتدافع الناس بالمناكب على هذه الأرصفة وفي السوق المجاور. السيدة تضغط على مجموعة من أوراق الألف ليرة في كفها المضمومة. تختار بقايا ثريا، تسأل عن ثمنها، تسحب ورقتين من يدها وتمدهما للبائع. تجد بقايا ثريا ثانية، تمد ورقتين أخريين، وهكذا. الآخرون ينقبون.

السوق لا تقتصر على هذا. هي متنوعة بكل ما هو غير متجانس. قبالة بعضهما البعض، يجلس شابان أمام بسطتين متواضعتين: الأولى تعرض مئات الأقراص المدمجة الإباحية، والثانية تبيع العطور الدينية.

الشاب بائع الإباحيات يدخن تحت شمس شهر رمضان، والثاني غارق في قراءة القرآن. في مكان آخر تتلاصق حرفتان: آلة لتصليح الأحذية وواجهة تعرض في الهواء الطلق لهذا الشارع الحلويات المقلية لتوها.

لا تحصى عربات الخضار وبسطات بيع الاقراص المدمجة ولوازم التجميل، ومحلات بيع الالكترونيات المستعملة على أنواعها، ومحلات بيع اللحم بخمسة آلاف ليرة للكيلو.

كل الأشياء تباع هنا. وهنا أيضاً يجلس رجل وطفله أمام صندوق كرتوني صغير عرضت عليه ثلاثة منتجات فقط: نظارات شمسية، وجهاز mp3 جديد، وقداحة فاخرة. الرجل بالكاد يعرف ما هو الجهاز، ويجهل كيفية استخدامه. كآبة الرجل الملتحي، وصغيره إلى جانبه، قاسية، تبرر له الاستنتاج البديهي بأن هذه الأشياء مسروقة.

[[[

لا يبدو على الباعة أي حماسة تذكر، حتى في الأحد المحتشد بالناس. في السوق الحديدي السقف، في مواجهة المدافن التي تحتل بوابتها الحديدية أيضاً قمصان معروضة للبيع، تمتد بآلات الأحذية والثياب على مصاطب عالية يجلس فوقها البائعون.

في جو خانق، يفتش مراهقون عما يناسبهم، ونادراً ما يزيد ثمن البنطال أو الحذاء عن ألفي ليرة. وما نجده خارجاً نعود لنجده في الداخل، خردوات لا جامع بينها. عند باب السوق، تفترش نسوة الأرض وأمام كل منهن كومات من الثياب. هؤلاء، الساعيات على باب الله، يطرقن الأبواب ويتسولن من سيدات المنازل ما عتق. هنا يبعن ما جادت به البيوت. وخلف السوق، يتمددن ليلاً وينمن على الأرض في غرف جماعية لقاء بضعة آلاف لليلة الواحدة. خلف السوق أيضاً يتمدد عشرات المتسولين والعمال ليناموا ليلهم.

الشارع من أولّه وإلى مسافة بعيدة فيه ترتفع فيه لافتات ورايات لحركة أمل. عند طرفه يقع حي فرحات الشيعي، والحرش. اللافتات ستختفي ليحل بعدها، لجهة صبرا وطريق الجديدة، لافتات وصور لتيار المستقبل. امتداد الشارع سني. هذا هو الاختلاف الوحيد بين قسميه. كل ما تبقى متشابه: روائح نفّاذة، وضجة هائلة تأتي من كل الزاويا لموسيقى شعبية راقصة. تتداخل بعضها في بعض وتصاحب الطريق كله. المياه الآسنة تملأ حفر الطريق. وبين العربات التي تقترب من طرفي الشارع صوب وسطه، ومع سيارات عابرة ومشاة من دون رصيف، ودراجات نارية، يضيق فضاء المكان الملوث. يخنق.

أحياناً، قد تنشق الأرض فجأة عن بضعة شبان وطاولة و«تلت ورقات»، ولعبة سمجة ما زال محتالون بسطاء يتناقلونها جيلاً بعد جيل. ليست خطيرة. الخطير هو ما يحكى همساً عن مارّين يُسلبون أموالهم. عن شلة يتزعمها شاب من البدو تقوم بكل الممنوعات، وحين تأتي القوى الأمنية لاعتقال الزعيم يرتقي عمود كهرباء، ويبدأ بتشطيب ساعديه وصدره بسكينه. أعضاء هذه الشلة المجهولون، قد يكونون لبنانيين وسوريين وفلسطينيين ومن البدو، هم كما الشارع الذي لا جنــسية له، سوى أن فيه يقع قعر العوز، وما ينتج عن مثل هذا العوز حين يُزرع بالناس.

ملاحظة: كل الكلام أعلاه وصف لا يريد إدانة الشارع ولا ناسه. من المفيد، ربما، أن يعرف الواحد أن في الهامش الملاصق للعاصمة، وعلى بعد مئات أمتار من أرقى الأسواق والمساكن الفخمة، يقوم مثل هذا العالم. هو حزام البؤس الذي يرفض الشاب العاري الصدر أن يعترف أنه يعيش في قلبه. هو لبنان. ليس مخيماً. ليس شاتيلا.

[[[

الشارع الخارجي ليس مخيم شاتيلا. والنفاذ إلى المخيم يبعث على الارتياح، للوهلة الأولى. الحياة ما زالت على بطئها هنا. تخفت فجأة كثافة الخارج وضوضائه. نصير في مخيم بمشهد متعب، لكن مستقر على ما هو عليه، لا يفاجئ زائراً لمرات عديدة.

والسؤال عن «شاتيلا» لن يأتي بجديد. حقيقة العين المجردة تقول ما لا يُنقض: الحال على حاله. حين اخترق الوزراء اللبنانيون قبل شهور طويلة شوارع المخيم، كان منظرهم مثيراً للشفقة وهم يتلفتون إلى عالم لا يستطيعون شيئاً حياله. يومها استقبلهم الفلسطينيون بترحيب هائل، وألقى واحد من الوزراء خطاباً رائعاً عن معنى النضال والبطولة الفلسطينيين ثم غادر وزملاءه. بعد تلك الزيارة المشهودة، لم يتغير شيء. الدولة، في أيام رخائها السياسي لم تعر المخيمات انتباهاً. لن تفعل اليوم.

شوارع شاتيلا كما عادتها، مليئة بالحفر والمياه. أزقته الضيقة معتمة. سماؤه شبكة من اسلاك الكهرباء المتداخلة. آباره الإرتوازية لا تكفي سكانه فيشترون الماء. وكهرباء الدولة تسندها مولدات خاصة. لذا، فمعظم السكان يدفعون الفاتورة مضاعفة. بنيته التحتية التي أصلحتها الثورة الفلسطينية في غابر الزمان ما عادت تكفي لسكانه اليوم. والمكان الذي تقل مساحته قليلا عن أربعين الف متر مربع يختنق بقاطنيه من الفلسطنيين المهجرين من مخيمات محيت تماماً في الحرب الأهلية، ومن لبنانيين، ومن عمال سوريين، ومن بدو وغيرهم. ولا رقم دقيقاً لعدد السكان الفعليين هنا، وليس فقط المسجلين بصفتهم لاجئين الى هذا المخيم بالتحديد.

أولاد المخيم يركضون في الأزقة طوال ساعات اليوم، بعضــهم يذهـب الى المدرسة قبل الظهر، وبعضهم الآخر يذهب بعد الظهر. الحياة تسير. بالممكن تسير دورة حياة كاملة. دكاكين حلاقين وصيدليات وسمانة إما متلاصقة أو متواجهة. وبطالة شبه عامة لدى جيل شاب.

نضال، ابن السادسة والعشرين «يقيس الطرقات». يزور أصدقاءه الحلاقين، بشعره الطويل. كان يعمل في الحمرا عاملا يومياً في البناء. قبل شهر من اليوم، أوقفه حاجز أمني وطلب منه ومن رفاقه أرواقهم الثبوتية. فلسطينيون؟ إلى أين من هنا؟ الى الحمرا. ممنوع، قال لهم العنصر. لماذا؟ نريد الذهاب الى الشغل؟ ليس لكم من شغل في الحمرا. ثم، كلمة من نضال وكلمة من رجل الأمن، نزل بعدها الجميع على الأرض، وتلقى الشاب ثلاث صفعات، وصديقه مثلها، ودارت السيارة في ارضها عائدة الى المخيم.

ومن يومها، يقع مخيم برج البراجنة في آخر عالم نضال حين يشاء التنزه، اما «تلك المناطق»، الحمرا والروشة وغيرهما، فخلف البحار. لم يعد يجرؤ على الذهاب صوبها.

قبل تلك الحادثة بأشهر، كان نضال يعمل ورفاقه في غسيل الأطباق، في مطعم. رميت قذيفتا «انيرغا» على ثكنة الحلو. نام ورفاقه على إثرها قسراً لأربعة أيام في ضيافة التحقيق، بعدما اقتيدوا من مكان علمهم. حين عاد الى عمله كان قد طرد. الآن، يعمل ليوم في محيط المخيم لقاء عشرة دولارات، ثم يعود عاطلا عن العمل لأيام كثيرة. وللدول الراغبة، هو مستعد للهجرة ولو إلى «كوكب القرود الزرق».

نضال هو اسمه الحقيقي على ما يقول، وحكايته تشبه كل الحكايات هنا.

[[[

واقع المخيم المكتظ بالناس وبكل تلك المشاكل، جدار شاهق العلو من التراكمات يبدو أن اختراقه مستحيل في غياب إرادة لبنانية رسمية أولاً للمساعدة الجذرية. أما المؤسسات الأهلية والدولية والتنظيمات والفصائل وغيرها فتخوض على سطح المشاكل.

البطالة تبقى المشكلة الأكبر، يتحايل عليها الفلسطينيون بالانضمام الى حركة فتح، فتتاح مئتا دولار شهرياً للعنصر.

يقول كاظم حسن، وهو مسؤول في فتح «لو ان اساتذة الاقتصاد في الجامعات درسوا حال الفلسطيني هنا، لأدخلوا إلى علمهم معادلات جديدة حول التدبير والادخار. كيف يمكن لعائلة من خمسة افراد مثلاً ان تعيش بمئة وخمسين الف ليرة في الشهر. هذا لا يصدق».

لكن الناس تعيش. لا احد يموت من الجوع، على ما يقول علي الخطيب، صاحب دكان السمانة الجالس امام دكانه مع صديقه خريج الجامعة في المحاسبة، رب الأسرة الذي يبحث عن عمل. «غير أن الناس تعيش للقمتها. قرفانة الناس». صديقهم الثالث يبدو مسترخيا. قبل زمن بعيد عبر من ألمانيا الشرقية الى المانيا الغربية. صار ألمانياً. هو في زيارة إلى أهله. السفر، الذي وصفه مسن في مكان آخر من المخيم بالمؤامرة الصهيونية، هو باب لعائلات كثيرة ترسل ولداً من ابنائها فيعمل ويساعد.

الحلاق السوري الذي كان يقف مع نضال، قال له، في ما يشبه العظة، إن على الفلسطيني ان يتمسك بحق العودة. نضال وافقه الرأي، لكن عليه ان يعيش ايضاً، في انتظار هذه العودة.

[[[

صورة واحدة أضيفت إلى مجموعات الصور على الجدران. ستيفانو كياريني، الصحافي الإيطالي الشيوعي الذي أسس لجنة «كي لا ننسى صبرا وشـاتيلا»، لم يأت هذا العام في زيـارته التــقليدية في ذكرى المجزرة. كان يلاعب طفلته في بيته الإيطالي حين سكت قلبه. صوره أضيفت إلى صفحات الجدران في هذا الكتاب الفلسطيني الهائل.

الصور الأخرى هي تلك التي لأبي عمار، والشيخ أحمد ياسين، ولرئيس الوزراء إسماعيل هنية. خليط الانتماءات موجود كله. لكن المخيم الذي نادراً ما ترى فيه ظهوراً للسلاح، يبدو بعيداً عن صراع الداخل الفلسطيني.

أبو محمد عفيفي يجلس الآن أمام الكاميرا. صاحب دكان آخر، وفلسطيني «تقليدي»، أي من اولئك الذين امضوا سحابة شبابهم يعملون مع منظمة التحرير، ويعتقلون ويخرجون من المعتقل وتدور بهم ايامهم ويعودون إلى المخيم كأنهم ما خرجوا منه يوماً.

عفيفي يحكي للصحافية الفرنسية التي تفتح عينيها على اتساعهما تحدق فيه ولا تفهم كلمة مما يقوله إلا بعد ان يترجم لها المصوّر الفلسطيني الشاب. قبل يوم كان عفيفي جالساً في غرفة صغيرة مع «أبو ماهر»، عضو اللجنة الشعبية، والغرفة هي مكتبها المتواضع. مكاتب المنظمات والفصائل المختلفة على هذه الحال هنا. غرف ضيقة غالباً ما يجلس «المسؤولون» عنها عند بابها يتسامرون. وكما في كل المخيمات، فإن معظم الرجال يحملون صفات تنظيمية ما.

«أو«««ما يحدث في الداخل ممنوع هنا. خط أحمر». عفيفي يقصد صراع فتح وحماس في غزة والضفة. يوافقه «أبو ماهر». كذلك يقول كاظم حسن: «يمنع منعاً باتاً أن ينتقل ما حصل في غزة إلى هنا». الهاجس عند هؤلاء يقع في مكانين آخرين: أحداث البارد، ومشاكل الداخل اللبناني.

«مخيم شاتيلا لن يكون كالبارد». كيف؟ يجيب ابو ماهر: «الحماية الأمنية للمخيم تقع على عاتق مختلف الأطراف. والمخيم هنا صغير نسبياً. تحركات الغرباء مكشوفة. استئجار البيوت والغرف يمر عبر عقد ينظم بين المؤجر والمستأجر في اللجنة الشعبية التي تحتفظ بنسخ عن الوثائق الثبوتية للطرفين». كاظم حسن، يقول إن «منظمة التحرير تعرف إلى حد بعيد كل الوافدين الجدد الى المخيم، وتتابعهم».

مشاكل الداخل اللبناني، عند الرجال الثلاثة، خط أحمر ثانٍ، يكاد يختصر بعبارة «لا شأن لنا». حسن يقول إن الفلسطينيين اتخذوا قرارهم بأن لبنان لم يعد ساحة لصراعهم مع اسرائيل. ونحن الآن ضيوف، بانتظار العودة. «يكفينا ما فينا»، يقول علي الخطيب.

المخيم يقع بين طريق الجديدة والضاحية. من الأفضل له، ولناسه، ان يكون على الحياد. وليس نضال وحده من قرر أن يسجن نفسه بين جدران مخيمه. عشرات مثله سمك فلسطيني عالق طوعاً في امان الجدران العالية التي تحجب كثيراً من الشمس وكثيراً من الخارج المضطرب.

[[[

على ما يقول الرجال، لا (فتح إسلاميين( في المخيم. لكن بعضاً ممن نكب حياتهم هذا التنظيم المتطرف ما زال موجوداً هنا وقد انقلبت حياته رأساً على عقب. مئتان وستون عائلة نزلت في شاتيلا آتية من مخيم البارد. نزل بعضها في مبنى مدرسة غادره مع بدء العام الدراسي. عائلات أخرى نزلت عند أقارب، وفئة ثالثة استأجر أفرادها غرفاً.

في واحدة من تلك الغرف، تجلس أم غازي عبد المعطي محاطة ببعض بناتها وأولادها. تحكي أم غازي. لديها سبع بنات وسبعة أبناء. المتزوجون من ابنائها يقطنون في بيوت ارتفعت مع الوقت فوق بيت العائلة الأساسي. غازي، بكرها، يملك مشغلاً لحدادة السيارات، شقيقه الصغير محمد كان يعمل معه. راح المحل.

جهاد، ابنها الآخر، خطب صبية لبنانية، وبنى بيته وأثثه. لم تكن تنقصه قشة. راح البيت وربما لن يعوض عليه لأنه لم يتــزوج بعد. ولن يتزوج من الصبية اللبــنانية التي عدل أهلهــا عن قـبولهم بالشاب بعد أحداث الــبارد. تبرر لهم السيدة اللطيفة قرارهــم. تــقول إنهم تعرضوا لضغوط أبناء قريتهم التي سقط منها شهداء في الجيش.

الحرب غيّرت حياة جهاد إلى الأبد. الآن هو عاطــل عن العمل، يعيش في مخيم شاتيلا ومســتعد للذهــاب الى البارد فورا للــنوم فيه حتى قبل تنظيفه من الجـثث والألغام. يظن اللبــنانيون أن لا فـارق بين مخـيم وآخر، وأن القــاطن في مخيم، يمكنه الانتقال إلى مخيم ثان بسهولة ومن دون ملاحظة فرق. لا. مخيم البارد، مثلاً، هو المكان الذي أتته أم غازي في الرابعة من عمرها، طفلة يجرها أهلها خارجين من الصفوري في فلسطين. خيمة جيرانهم في الصفوري نصبت امام خيمتهم في البارد. وثلاثة شبان من هذه الخيمة، تزوجوا ثلاث صــبايا من تلك الخيمة.

«الكامب»، كما تســميه أم غازي هو كل حياتها. حين خرجت منه مع عيالها، تاه النــاس عن الناس وحمل الكبار الأطفــال البــاكين. رأت نفــسها في حفيدتها. وتذكرت المشهــد. «زي ما طلـــعنا أول مرة».

من بيت في البارد إلى غرفة في الطابق الأرضي في شاتيلا، بمئة دولار شهرياً. هذه غرفة جيدة إذا قورنت بالغرفة التي تقطن فيها مها، ابنة أم غازي. يوم السبت أنهت مها وخطيبها تأثيث بيتهمــا في الــبارد. غرفتـان وصالون وحمام ومطبخ. صباح الأحد بدأت الأحداث المشــؤومة. تزوجت في مخيم شاتيلا وقطــنت وزوجها في غرفة «تحت الدرج». بيتها في المخيم كان يطل على البحر..

دلال، الابنــة الثانــية، تتذكر بيتها بدورها: كانت إذا أرادت النوم نهاراً رفعت الأغطية على الشبابيك لأن الستائر لا تكفي لمنع تسرب النور. هي وأولادها الأربعة يعيشون في غرفة معتمة في شاتيلا.. «زي القبر».

«غربة»، تقول أم غازي، «إيه ولله غربة تانية».

جهاد يفكر في سبل تعويض خسائر بيته. أما العروس فتعوض. فلسطينية هذه المرة. مع أنه كان مصراً على الزواج من لبنانية، إلا أنه لن يفعلها ثانية.

صار قلب مها ينقبض مراراً في هذه الأيام. تتذكر ثياب الشتاء والحياة التي كانت.

أم غازي، إن سمحوا لها بالذهاب إلى المخيم، ستذهب في هذه اللحظة، وفي صيامها. ماذا لو لم تجد بيتها. «أطلع ألاقي البيت رايح؟ يروح البيت. المهم الروح ضلت الحمد لله. وكيف جينا من فلسطين وعملنا خيمة؟ إيه...».

في شارع الرحاب
في شارع الرحاب


تعليقات: