اللبنانييون لايعرفون رئيسهم الا في اللحظة الاخيرة

ينامون رؤؤساء جمهورية ويستيقظون على خيبة امل

منذ تاسيس لبنان الكبير في عشرينيات القرن الماضي كان اللبنانييون لايعرفون اسم رئيس جمهوريتهم الا في اللحظات الاخيرة او اثناء انتخاب المجلس النيابي له. والدستور اللبناني لاينص على ضرورة وجود مرشحين او برامج انتخابية لكن كل مسيحي ماروني في لبنان "لان رئاسة الجمهورية للطائفة المارونية المسيحية وفق تقاسم النظام السياسي في لبنان " يعتبر نفسه مرشحا للرئاسة لعل الحظ يقوده الى كرسي الرئاسة الاولى وكم من موارنة ناموا رؤؤساء واستيقظوا على تهنئة غيرهم بوصوله للرئاسة الاولى او اصيبوا بخيبة امل . هدا هو لبنان يملك مميزات في كل شيء تبدو الطرافة احيانا مشعة منها حتى لو كان الامر متعلقا بمصيره كوطن. فاللبنانييون يتجادلون في الشارع وفي اماكن العمل وحتى في الصالونات وغرف النوم حول اسم رئيسهم لكنهم غالبا يفجاؤؤن هم ونوابهم بان كلمة السر التي ابلغت الى المعنيين في اللحظة الاخيرة هي التي ظهرت صورة رئيسهم وعندها تسير القافلة على مدى 6 سنوات ومنهم من يعارضه ومنهم من يواليه و تبدأ المعارك السياسية على التشكيلة الحكومية والبيان الوزاري والحصص الطائفية في النظام وقضايا اخرى . وكان الله يحب المحسنيين . وهنا امنلة ووقائع منذ ان اصبح للبنان رئيس الجمهورية في العام 1926، كان هناك السياسيون واصحاب الطموحات في المراكز الاولى. وعلى احدى الطاولات في احدى المناسبات كان هناك الكثيرون من الطامحين للكرسي الاولى امثال ايوب تابت، اميل اده، حبيب باشا السعد ووجهاء من آل ملحمة، التويني، شهاب، بسترس، وبينهم كان ناظر العدلية شارل دباس المولود في دمشق، والمتزوج من ممرضته الفرنسية "مارسيل". وكان موجودا في المناسبة تلك المفوض السامي الفرنسي هنري دو جوفنيل الدى كان يتنقل بين الحضور يتهامس مع ذاك، يبتسم على تلك الطاولة، ويفرح الحضور لابتسامته... وهكذا دواليك، ليتوقف فجأة امام كبرى الطاولات ويطلق تحية لدستور لبنان ويرد الجميع التحية.بعدها يعلن بصوت عال الجلسة المقبلة للمجلس النيابي لانتخاب رئيس جمهوريتكم. يتطلع الجميع نحوه وكان الطير على رؤؤسهم وهم في حالة فرح بينما تتسارع ضربات قلب المرشحين المفترضين للرئاسة ، فلربما ابتسم الحظ له. و فجأةمد هنري دو جوفنيل ابهام يده اليمنى باتجاه الجهة اليمنى من الطاولة. لا بل الى أقصى الجهة اليمنى، ويقول: ان رئيسكم المقبل ايها السادة موجود بينكم. فازداد خفقان القلوب وقال بصوت عال هذا هو رئيسكم... ويستقر ابهام دو جوفنيل على شارل دباس... ويكون فعلاً شارل دباس رئيساً للبنان في 26 أيار مايو 1926.وفي العام 1929 كانت ولاية دباس قد شارفت على نهايتها وبدأت العدة لانتخاب الرئيس الجديد.وكان كثيرون يراقيون ابهام المندوب السامي لكن أبرز المتنافسين كان اميل اده وبشارة الخوري. وأدرك اده ان لا امل له بالرئاسة فكان لا بد له ان يلعبها ليبعد الآخرين من الموارنة، فكان ان همس لرئيس مجلس النواب الشيخ محمد الجسر ليرشح نفسه ووعده بدعمه وتأييده مع مناصريه من النواب، ومن المفارقات ان معظم النواب المسيحيين مع اده كانوا يؤيدون الجسر فيما معظم النواب المسلمين كانوا مع ترشيح بشارة الخوري. أدركت المفوضية الفرنسية ان ترشيح الجسر ليس مناورة سياسية، خصوصاً بعد ان صار معظم النواب المسلمين يشاهدون الحماسة لدى الجماهير الاسلامية للترشيح وصاروا يتأثرون بهذا الواقع، وخصوصاً ان الجسر أقسم لمن يسانده من المسلمين وفي مقدمهم رياض الصلح ان لا يرجع عن ترشيحه.وحاول النواب الموارنة اقناع المفوض بونسو بترشيح الشيخ الجسر الذي لا يرون فيه انتقاصاً من حق الموارنة لكنهم لم يفلحوا.واصر الجسر على ترشيحه ما دامت الاكثرية تؤيده، وهنا يعمد بونسو بشطحة قلم في 9 ايارمايو الى اصدار قرار ل/56 القاضي بتعليق الدستور وحل مجلس النواب والتمديد لشارل دباس لثلاث سنوات جديدة، علماً ان بونسو كان اعلم البطريرك الماروني عريضة مساء 8 أيار مايو أي قبل يوم واحد بأنه سيحل المجلس النيابي ويوقف الحياة النيابية..وهناك ايضا قصة طريفة ايضا حينما نام كميل شمعون 48 ساعة رئيساً للجمهورية عام 1943 حين كانت المنافسة محصورة بين اثنين هما: بشارة الخوري واميل اده. وكانت المناورات على اشدها بين اللبنانيين وبين النفوذين البريطاني والفرنسي، وكان واضحاً كما يؤكد الوزير والنائب الراحل يوسف سالم ان كفة بشارة الخوري كانت راجحة على كفة اميل اده بسبب نشاط سبيرز المتزايد وتضاؤل النفوذ الفرنسي يوماً بعد يوم.وكان واضحاً امام اده ان الاغلبية هي لصالح الخوري، وبالتالي كان عليه ان يعمل بشتى الوسائل للحؤول دون وصول بشارة الخوري، فأقدم كما يقول كميل شمعون على خطوة لم يعرف كيف يكملها، فأبلغ سبيرز رغبة منه في توفير الاجماع لرئيس الجمهورية الجديد، موافقته على سحب ترشيحه شرط ان ينسحب الشيخ بشارة الخوري بدوره من المعركة، ثم اقترح ثلاثة يتم اختيار احدهم رئيساً للجمهورية، وكنت احد هؤلاء فوافق الشيخ بشارة الخوري على الاقتراح واصبحت طوال 48 ساعة المرشح الوحيد، ويؤكد يوسف سالم: ان الفرنسيين اصروا على رفض بشارة الخوري. فارتأى سبيرز وكانت مناورة بارعة منه لم يطلع احداً عليها، ان يكون مرشحه لرئاسة الجمهورية كميل شمعون وسأل الشيخ بشارة ان ينسحب له، فوافق على مضض.ويقول بشارة الخوري ان منافسي (اميل اده) عمد الى ضربة معلم فتمت في 16 ايلول سبتمبر من الانتحاب أي قبل خمسة ايام دعوة مستعجلة لمقابلة سبيرز، الذي قال: ان معلوماتي تفيد ان من الصعب عليك الفوز بالاكثرية وقد زارني هذا النهار مزاحمك اميل اده وأبلغني انه مستعد للانسحاب لواحد من اربعة هم: كميل شمعون، حميد فرنجية، يوسف اسطفان وأمين السعد، واذ أبدى الخوري استعداده للانسحاب لصالح شمعون شرط توقيع اتفاق يوقعه اده، الا انه يؤكد انه في وقت لاحق استدعي من قبل المفوض الفرنسي هيللو ، وطلب منه بإسم فرنسا ان يرجع عن تنازله لمصلحة شمعون..وهكذا بعد ان نام كميل شمعون كما يؤكد هو نفسه لمدة 48 ساعة رئيساً عاد ورسى الخيار على بشارة الخوري. وانتهت الحياة السياسية لإميل اده وهناك ايضا رواية طريفة تروى عن هذه الانتخابات وهي انه اشتد اثناء الانتخابات المدكورة ا على النائب الامير خليل ابي اللمع المتأرجح تاييده بين اميل اده وبشارة الخوري. وقبل موعد الانتخابات حشروه في منزل اميل اده والحوا عليه بانتخاب اده باذلين له الوعود المعسولة، وكان في لسان الامير لثغة بحرف "الشين" يلفظه "ثاء"، فقال كلمة صارت لسنوات مثل يتندر به السياسيون اللبنانييون حيث قال: "يا بثارة " اي بشارة "يا الوذارة" " اي الوزارة "فوعدوه بالوزارة. لكن اده لم يصل الى الرئاسة وطارت وخسر ابي اللمع الوزارة . وفي العام 1952 عندما اضطر الرئيس بشارة الخوري الاستقالة تحت ضغط منافسه كانت الأكثرية النيابية الناتجة عن انتخابات العام 1951 تؤيد النائب حميد فرنجية للوصول الى سدة الرئاسة، لكن النائب كميل شمعون كانت عينه عليها منذ ما قبل العام وكان معظم اللبنانيين يتوقعون ان حميد فرنجية هو الرئيس الجديد للجمهورية ، لكن كميل شمعون كما يقول الوزير والنائب الراحل يوسف سالم "شحذ كل اسلحته للمعركة المحتدمة" وأول ما فعله كان استنجاده بأصدقائه الانكليز الذين وثقوا به، ولم يخيب الانكليز ظنه فأنجدوه في فترة كان الصراع الانكليزي ـ الفرنسي على لبنان على اشده وإن وراء الكواليس.كما استنجد كميل شمعون بصديقه وصديق الانكليز حاكم سوريا آنئذ أديب الشيشكلي، فوجد فيه عوناً على فريق من اللبنانيين يتأثر بسياسة سوريا، فأعان الشيشكلي شمعون، حيث مارس الاول ضغوطاً على نواب الشمال الذين كان فرنجية في عداد كتلتهم النيابية، وعلى نواب بيروت، وهكذا بفضل الضغوط من جانب أديب الشيشكلي وتدخل السفير البريطاني في بيروت، وتحولت الاغلبية النيابية الى جانب كميل شمعون الذي انتخب في 22 ايلول سبتمبر 1952 وخاب امل فرنجية بالوصول الى الرئاسة . و في نهاية عهد الرئيس كميل شمعون في العام 1958 زارالموفد الرئاسي الأميركي روبرت مورفي شمعون ونصحه بأن لا يفكر في تجديد ولايته حتى لا يقال انه استعان بالجيش الاميركي ليجدد لنفسه. وحينها أعرب شمعون عن خيبة امله من أصدقائه الغربيين وفي طليعتهم الأميركيين وقال لمورفي: "اني أحصد ثمار موقفي معكم ضد الشيوعية، وها انتم الآن تقفون مع المعارضة ضدي، رد مورفي بجواب قاطع: لا تجديد، ونترك لك يا حضرة الرئيس ان تفكر في الأمر، ويبدو لي بعد ان درست الموقف، ان اللواء فؤاد شهاب هو أصلح المرشحين في هذه الفترة العصبية التي يمر بها لبنان. وفي العام 1964 بعد رفض الرئيس فؤاد شهاب تمديد ولايته كانت كل المؤشرات تؤكد ان نائب الشوف عبد العزيز شهاب هو الرئيس الخلف. وتعامل معه جميع النواب على انه فخامة الرئيس.ومع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي آنئذ كثرت اللقاءات والاجتماعات مع الرئيس الموعود، وفي صيف عام 1964، عقد اجتماع في منزل رئيس مجلس النواب صبري حمادة ، رشح فيه النهج الشهابي اي المؤيد للرئيس فؤاد شهاب ، عبد العزيز شهاب رسمياً للرئاسة. وكان منزل شهاب يعج بالمهنئيين قبل انتخابه رسميا وبالموالين كما غص منزل شقيقه عبد القادر شهاب بالمريدين والزوار.فجأة. ومع اقتراب موعد الاستحقاق رن الهاتف في منزل الرئيس المحتمل في عاليه في جبل لبنان ، وارتسم التجهم على وجه من رد على المكالمة ففهم الحضور ان الامر قد تبدل . وما هي الا لحظات حتى بدأ النواب ينفضون من منزل عبد العزيز شهاب، وبدأ عدد الزوار بالتناقص، ليصبحا منزلي شهاب في جبل لبنان وبيروت فارفين الا من اهلهما في هذا الوقت، كان فندق الكارلتون في منطقة الروشة في بيروت يشهد اجتماعاً موسعاً للنواب النهجيين الشهابيين الذين سبق لهم ورشحوا عبد العزيز شهاب بعدما وصلت اليهم كلمة السر الشهابية بان وزير التربية شارل حلو هو رئيسكم. وانتخب حلو فعلاً بعد توافق الرئيس فؤاد شهاب و الرئيس جمال عبد الناصر والفانيكان على حلو رئيسا. وبعد اغتيال الرئيس رينيه معوض اول رئيس جمهورية بعد اتفاق الطائف في العام 1989 ولم يكن قد مر على انتخابه سوى شهر ونيف ،و رفض النائب الراحل بيار حلو ان يكون رئيساً للجمهورية، اعتقدوا ان جان عبيد هو الرئيس البديل. وخصوصاً ان نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام اتصل بالرئيس رفيق الحريري في باريس طالباً منه احضار جان عبيد الى دمشق بسرعة.ومساء 23 تشرين الثاني نوفمبر ، وصل عبيد الى دمشق مع رفيق الحريري على متن طائرته الخاصة وفي الليلة نفسها ايضاً وصل النائب الياس الهراوي بصحبة ميشال المر.

والحريري لم يكن يريد جان عبيد للرئاسة، رغم إحضاره الى دمشق بطائرته الخاصة، لأنه بتشجيع من صديقه العميد جوني عبده كان اكثر ميلاً الى الياس الهراوي.وهكذا طارت فرصة عبيد الذي احضر الى دمشق لمصلحة النائب الهراوي.

* كاتب من الخيام

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.