لماذا دائما الحلّ في لبنان في بزّات العسكر؟

دائما عين قادة الجيش في لبنان على رئاسة الجمهورية. فهم يأملون ان يتقاعدوا في قصر الرئاسة. وقيادة الجيش في لبنان هي من حصة الطائفة المارونية اكبر الطوائف المسيحية مثلها مثل رئاسة الجمهورية. ولذلك يتطلع دائما رئيس الجمهورية الى قائد الجيش كخلف له.

قبيل اتفاق الطائف الذي ابرم بين النواب اللبنانيين في العام 1989 واوقف الحرب الاهلية، كان رئيس الجمهورية يعين قائد الجيش في منصبه ولكن بعد الاتفاق المذكور والتعديلات التي ادخلت على صلاحية رئيس الجمهورية بات سلطة تعيين قائد الجيش في يد الحكومة اي السلطة التنفيذية.

ولكن في لبنان الدستور والقانون شىء والعرف المبني على تقاسم السلطة شىء اخر، بحيث ان للطائفة التي ينتمي اليها صاحب الوظيفة الرأي الاول في اختياره. وهناك قول شائع في لبنان يقول "كل ماروني مرشح طبيعي لرئاسة الجمهورية" ولذا عند كل انتخابات رئاسية يكثر المرشحون والطامحون من ابناء الطائفة المارونية مع ان المعركة واحدة واحيانا كثيرة يهبط اسم الرئيس من فوق وفق الواقع السياسي القائم في لبنان على خلفية المعادلات الاقليمية والدولية القائمة.

فمنذ استقلال لبنان عن فرنسا العام 1943 وتاسيس الجمهورية اللبنانية الاولى وقائد الجيش اللبناني المارونيً، يرى نفسه ببزتين عسكرية واخرى سياسية متوهج العينين لكي يتخلى الاولى ويحمل لقب فخامة الرئيس. والمفارقة ان النظام السياسي اللبناني المبني على الديمقراطية البرلمانية يجد دائما الحل حين تعصف به الازمات في العسكر الذي يصبح المنقذ وحامي الديمقراطية فيه. وبمعزل عن شخصية العسكر الرؤؤساء ومدى وطنيتهم وادائهم السياسي فان ذلك يعبر عن ازمة حقيقية عميقة في النظام السياسي اللبناني تتكرر كل فترة يواجه فيها لبنان تحديات ويقف عند منعطف تاريخي اساسي. لان الديمقراطية الموجودة في لبنان ليست ديمقراطية بالمعنى الصحيح وهو عرفها الرئيس الدكتور سليم الحص حين قال "ان في لبنان كثير من الحرية وقليل من الديمقراطية!" اي بمعنى اقرب الى الفوضى بحيث ان بامكانك ان تقول كل شىء عبر ارائك ولكن دون ان ياخذ ذلك مساره الطبيعي ويتحول الى رايء يؤخذ به. ويقول الرئيس الحص "ان المؤسسات لا قيمة لها في لبنان" فلا المجلس النيابي السلطة الاشتراعية تمارس عملها وفق الاصول الديمقراطية المعهودة ولا السلطة التنفيذية متحررة من الاعتبارات الطائفية اللبنانية وكذلك مؤسسات اخرى كثيرة تعاني من تعطيل في عملها. والغريب في الامر ان اللبنانيين يشرعون هذا التعطيل للمؤسسات وتغييب الديمقراطية بتسميته الديمقراطية التوافقية بحيث ان الطائفة تملك فيتو على اي قانون ترى فيه غبنا لها او لايتوافق مع مصلحة القيميين عليها. اضافة الى ذلك الاكثرية النيابية تصبح بلا قيمة ورايها في المعادلة القائمة يوازي رأي الاقلية.

هذه مسالة والمسالة الاخرى وهي مهمة ايضا ان اللبنانيين يتنازعون دائما على نظامهم لانه مركب بمعادلات طائفية ولذلك كلما رأت طائفة من الطوائف فرصتها في تحسين مواقعها في النظام طالبت بانصافها. وتتجلى الصورة واضحة اليوم في هذا التنازع الكبير بين الموالاة والمعارضة الذي ظاهره سياسي ولكن مضمونه طائفي وقد عبر عنه العماد ميشال عون بوضوح من خلال وثيقته الاخيرة التي طالبت باستعادة حقوق المسيحيين المغتصبة من قبل الطوائف الاخرى بعد تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني.

والشيعة ايضا ليسوا راضين عن المعادلات في النظام الحالي لانهم يرون ان التطورات والوقائع التي حصلت اعطتهم مكانة افضل وبالتالي فان ذلك يصرف في تركيبة النظام والحصص فيه. ومن الواضح ان هناك تنازع خطير على النظام والسلطة في لبنان يقابله تنازع على لبنان وباي اتجاه يجب ان يسير في الصراع العربي الاسرائيلي وفي العلاقة مع سوريا ومع المحيط العربي ككل.

ولذلك عندما يطرح العماد سليمان اليوم كرئيس توافقي فان الانظار تتطلع الى الجيش الذي يقوده لكي يكون ضابط الحل او التسوية في لبنان ولابعاده عن الانفجار.

وهكذا كان الامر مع اول رئيس لبناني انتقل من ضفة العسكر الى السياسة الرئيس فؤاد شهاب في العام 1958 الذي حمله التوافق الاقليمي الممثل انذاك بصر الناصرية والامريكييون الى سدة الرئاسة لكي يعيد الهدوء الى لبنان بعد ثورة اهلية مسلحة كادت تودي بوحدة لبنان وقد ارسى شهاب اسس تسوية داخلية استطاعت ابعاد الانفجار الاهلي سنوات عدة. وكان شهاب أول قادة الجيش المسيّسين بدرجة استثنائية، والذين نقلوا افكارهم السياسية والمؤسساتية الى قصر الرئاسة، والى الكثير من المؤسسات اللبنانية بعد انتخابه رئيساً.. ومعه أحضر أبرز التحولات في نهج ومدرسة حملا اسمه، ولا يزل طيفها حاضراً حتى اليوم في أكثر من موقع. وان اختلف كثيرون في التقييم العميق لتلك المدرسة وفي تصنيف انجازاتها، حتى اليوم. وضع في أثناء ولايته الرئاسية أولى بصمات اصلاح الادارة في لبنان. و مع قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب عرفت المؤسسة العسكرية أول استقالة لقائد للجيش، وان لم تعش وقتها سوى ساعات.وبالرغم من انجازاته كقائد للجيش ومن ثم كرئيس للجمهورية ، أُطلقت النار بقسوة على الشهابية بعد ذلك، لتجاوزات ارتكبها بعض الاتباع حينا، وخوفاً من ان يطمئن العسكريون الى انهم قادرون في أي ظرف وزمان على ان يصبحوا بديلاً من السياسيين في لبنان، على طريقة شعار "الجيش هو الحل"، الذي أصبح له في مرحلة لاحقة أتباع كبار وكثر. ومعظمهم عيونهم مفتوحة...على الرئاسة..

وتكرر الامر ذاته مع العماد اميل لحود في العام 1998 مع فارق وحيد هو ان لبنان لم يكن مشتعلا داخليا وانما في جنوبه من خلال احتلال اسرائيل لمناطق عدة له. لكن في الداخل كانت التسوية الامريكية السورية التي انهت الحرب الاهلية في العام 1990 تترنح على خلفية المطالبة بتسوية سياسية لبنانية داخلية تنصف الطوائف ولاسيما الطائفة المسيحية التي اعتبرت نفسها مغبونة وانتزعت منها حقوقها في حين ان ارتفعت الاصوات المتنقدة للاداء السوري العسكري في لبنان و لابقاء لبنان ساحة في الصراع الاقليمي الدولي على وقع داخلي ترافق تعطل المؤسسات وتزايد الهريان الاداري واستشراء الفساد. وكان مرة اخرى قائد الجيش هو الحل والمنقذ وجاء اميل لحود رئيسا بدعم سوري ورضى امريكي وتاييد داخلي لبناني على امل ان يعيد التوازن للنظام السياسي ويطلق المؤسسات لكن العوائق العديدة المنصوبة امامه وتشابك التدخلات حولت رئيس الحل الى مدير ازمة. فلحود عين قائداً للجيش في تشرين الاول من العام 1989 وبقي في منصبه حتى العام 1998 بعدما مدد السورييون ولايته في رئاسة الجمهورية ثلاث سنوات اضافية، أسوة بتمديد ولاية رئيس الجمهورية آنذاك الرئيس الياس الهراوي، مدة مماثلة ، وذلك كي يخلف لحود الهراوي عندما يحين الوقت. اثناء اقامته في اليرزة ، طرح لحود مقولة الجيش الوطني غير الفئوي الذي يُميز الشقيق من العدو. وعمل على تمييز نفسه عن الطبقة السياسية كي يُمهد طريقه الى الرئاسة، تحت شعار طبقة سياسية فاسدة وفريق عسكري نظيف... جاء لحود رئيساً في العام 1998 ليتمركز- بعد تسعة أعوام في قيادة الجيش- في قصر الرئاسة اللبنانية، وليشهد لبنان في السنوات الممددة من ولايته واحدة من أصعب الفترات في تاريخه وأكثرها مصيرية.

في هذا الطموح العسكري الهادر الى رئاسة الجمهورية والتطلع دائما الى قائد الجيش على انه السقف والمرجع في الازمات الوطنية برز قائد جيش حالم وطامح وقوي لكنه لم ينل مبتغاه حتى الان منذ عشرين عاما تقريبا انه الجنرال ميشال عون أكثر قادة الجيش حدّة و"استماتة" للوصول الى الرئاسة ، اذ دخل في مواجهة سياسية ودموية مع رئيس الجمهورية أمين الجميل، وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع، ثم مع سوريا في ما سمّاه "حرب التحرير"، لأنه أراد الوصول الى قصر بعبدا. وهو يستميت اليوم ، وبعد نحو عشرين عاماً على الرئاسة الأولى ، ومن موقع مختلف وتحت عناوين جديدة للوصول الى الرئاسة، في ما يعتبره بالتأكيد فرصته الأخيرة. في 18 ايلول العام 1988 رفض قائد الجيش العماد ميشال عون علنا التوافق الاميركي السوري على انتخاب مخايل الضاهر رئيسا للجمهورية، وانتقل من قيادة الجيش الى رئاسة حكومة عسكرية رافضا قرار اعفائه، حتى أطيح به بقوة الدبابات والطائرات الحربية السورية. ومن المفارقات المهمة اليوم ان ميشال عون الذي اعتبر نفسه كمنقذ للبنان عام 1989 عندما عين رئيسا لحكومة انتقالية على الفراغ في رئاسة الجمهورية يسلم اليوم للعماد ميشال سبيمان مكرها بترشيحه رئيسا للجمهورية على ان يبقى هو في قاعة الانتظار سنين اخرى لتحقيق حلمه ليس في الوصول الى رئاسة الجمهورية من اجل السلطة كما يقول وانما من اجل بناء الدولة التي على العماد سليمان فيما لو انتخب رئيسا ان يبني مداميكها من جديد متجاوبا مع قرار اختياره التوافقي لبنانيا ودوليا لكي ينقذ الجمهورية من الانهيار بعدما عجز السياسييون عن ذلك. انها مفارقة حقا لبنان الديمقراطي يجد الحل في تقاعد قادة جيشه رؤؤساء لجمهوريته.

* كاتب لبناني، من الخيام

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.