في وداع المطران هيلاريون كبوجي

طـــــــــواف الـــــــــــــــروح

وينطلق المطران من حلب الشهباء الى طرابلس الشام الى سفينة "الأخوة اللبنانية" المتجهة صوب غزة لكسر الحصار المفروض عليها.

تدخل السفينة في مياهها الاقليمية، ويدوي صوته معلناً للعالم انه عاد الى فلسطين بعد ثلاث ثلاثين عاماً. لقد وصل الصوت الى اسماع الغزاويين فتهافتوا الى الشاطئ المندور للمعاناة والمعاندة لِلُقيا العائد، الحاضر في الضمير. بعد الأسر والحرية عدت الى لبنان عبر الناقورة، وعاد هو الى دمشق عبر الجولان العزيز. شرايين كثيرة لقلب واحد هو فلسطين.

هو طواف الجسد من حلب الى دمشق، الى فلسطين ، ومنها منفياً الى الفاتيكان. وأي اتجاه للجسد يكون، ولا تكون الروح فيه بوصلة هادئة؟

وهل يسمى طوافاً للروح... ذلك الذي ينتهي مع المحاولة الاولى، أم أنه حالة انعتاق دائم ونزوع متجدد يجد مبرر وجوده بالاصرار والتكرار.

ها هو المطران يهرب من المستشفى الدمشقي، بعد تعرضه لأزمة قلبية، ليصعد هذه المرة سلم "سفينة مرمره" في "اسطول الحرية"، معلناً للملأ أنه عائد الى فلسطين ثانية، وأنه على ظهر السفينة ستكون نقاهة فائقة، بعد عناية فائقة، لكن هيهات... للنقاهة في سلوك ذلك الرجل الثمانيني الذي تزيده السنون حيوية وعطاء.

حين دقت ساعة الحقيقية وبدأ الوحش الصهيوني هجومه المتوقع، حمل المطران القرآنَ وصلى مسلماً حنيفاً، الى جانب مسحيين، أبراراً جاؤوا من بلاد الفرنجة، والى جانب يهود، احراراً كتبوا على صدورهم "نحن يهود ولسنا صهاينة".

على سطح تلك السفينة، وبمواجهة الظلام المطبق اجتمعت الانسانية بكل تلاوينها في " سينودس" كان المطران راعيه الاول، لترسل خيوطها أشعة لنور الى المجاهدين والمرابطين في الأقصى، فإذا بهذا النور روح مبثوثة تشعل الارض المحتلة في انتفاضة متجددة ما خبت جذوتها، ولا استكان لهيبها.

وتتكرر ثنائية الاسر والحرية، ليعود المطران ثانية الى حضن امه ومرضعته، فيشرب في دمشق ومنها، حليباً كامل الدسم، عروبة وانتماء وعهداً وصموداً، ولينطلق مجدداً في جلجلته الى منفاه في الفاتيكان، حاملاً صليب الحق والايمان على درب عيسى بن مريم(ع).

وقبل أن يأخذ الباري وديعته، كنت أحس تراجعاً في نبرة صوته، فقلت لزوجتي سراً ان المطران لن يزورنا لاحقاً في المنزل، ليبارك طعامنا ويحضن اولادنا فرداً فرداً.

هـــــــــا – وا أسفي- قد صدق حدسي، ولن أسمع بعد اليوم احداً يخاطبني: يا هاني انت ملاكي الحارس في الرحلات .

ها قد انطوى طواف الجسد ليرقد في صيدا الأبية على مقربة من فلسطينه الحبيبة، وليبدأ طواف الروح مبثوثاً في قلوب أجيالنا القادمة.

السينودس: مؤتمر لاهوتي معناه باللاتينية، السير معاً.

بيروت في:

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.