ممنوع من التملّك في بعبدا لغير المسيحيين

الفيدراليّة المقنّعة: «الآخر» ممنوع من التملّك في بعبدا

مجدّداً، تعود مقولة «الوجود المسيحي المهدّد» لتطيح حقَّ كل لبناني في الإقامة في أي جزء من أرض لبنان والتمتع به في ظلّ سيادة القانون، وفق ما تنصّ عليه مقدّمة الدستور اللبناني، التي تحذّر من أي عمليّة فرز للشعب على أساس أي انتماء. فما يحصل في مناطق في قضاء بعبدا، المحاذية للضاحية الجنوبيّة لمدينة بيروت، يناقض هذا الحق الدستوري ويكاد يكون الأقرب إلى منطق تعليب المناطق وفق الانتماءات الدينيّة، إذ يجري تقييد حق التملك لغير الجماعة الطائفية الغالبة في المنطقة، بحجّة وجود قرارات بلديّة تقضي بعدم إعطاء المستندات اللازمة لتسجيل العقارات لمن هم محسوبون على الجماعة الطائفية الأخرى. إلا أن الاستقصاء من البلديات نفسها يبيّن أن هذه القرارات «ضمنية» وغير رسمية وهي نابعة من توافقات سياسية بين القوى الطائفية المسيطرة... إنها الفيدراليّة تطبّق بطريقة غير مباشرة

كغيره من الشباب اللبناني، يسعى أيمن دندش إلى شراء شقّة في جبل لبنان، فوقع اختياره على منطقة بعبدا لقربها من مركز عمله.

بدأت رحلة البحث منذ ستة أشهر، وعثر على وحدة سكنيّة في منطقة وادي شحرور، إلّا أنه لم يوفّق بشرائها، والسبب هو المذهب المدوّن على سجله! هذا ما أفاده به صاحب الملك بحجّة أن "البلديّة لن تسجّل له الشقّة لوجود توجّه عامّ بعدم تمليك المنتمين الى الجماعة الطائفية الأخرى". تكررت الحادثة منذ أسابيع في بعبدا والحدث للسبب نفسه أيضاً، ما دفعه إلى التخلّي عن الفكرة نهائياً، والتوجّه لشراء شقّة سكنيّة في منطقة أخرى تغلب فيها جماعته الطائفية.

الحالة ليست فرديّة، ومشكلة أيمن وغيره أنه محكوم بالانتماء الى "جماعة طائفية" بموجب نظام الأحوال الشخصية. اتصلت "الأخبار" بمجموعة من المالكين في قضاء بعبدا ممن يعرضون وحدات سكنيّة للبيع على الإنترنت والصحف الإعلانيّة، وكانت النتيجة مُشابهة عند معرفة مذهب الشاري، باستثناء بعض المالكين الذين عرضوا تسهيل عمليّة التسجيل من خلال الاستحصال على المستندات المطلوبة من البلديّات بأنفسهم، فيما نفى آخرون وجود مشكلة مماثلة، وخصوصاً إذا كان السعر المحدّد ثمناً للوحدة العقاريّة متوافراً نقداً.

لا لبيع الغرباء

تذكّر هذه الحادثة بواقع مَعِيش في منطقة الحدث منذ سنوات، حيث يواجه غير المسيحيين صعوبات في شراء الوحدات السكنيّة، نتيجة قرار اتخذته البلديّة يمنع تملّكهم في بعض النطاقات فيها، في مخالفة واضحة للدستور، قسمت المنطقة عملياً إلى الحدث السفلى الملاصقة للضاحية الجنوبية، حيث عمليّة الشراء مفتوحة، والحدث العليا القريبة من بعبدا حيث الحظر مفروض. يؤكّد رئيس البلدية جورج عون أن "القرار مُتخذ شفهياً منذ سنوات، وليس مكتوباً، وهو معمول به بهدف الحفاظ على العيش المشترك"، وهو قرار مغطّى من حزب الله والتيار الوطني الحرّ لتنفيس الاحتقان، حيث فرض حزب الله على مناصريه الامتناع عن شراء الشقق هناك، والتوجّه إلى أحياء أخرى قريبة على تخوم الضاحية (السانت تيريز مثلاً).

هذا التوجّه انسحب من الحدث إلى جوارها، وباتت عملية تملك الشقق والأراضي تخضع لقيود غير دستورية، بحجّة "وجود قرارات صادرة عن البلديّات بمنع تسجيل العقارات لغير الجماعة الطائفية الغالبة" بحجة الخوف من تمدد "الجماعة الطائفية الأخرى"، إذ تبرز صعوبات عدّة للشراء من دون وجود قرارات بلديّة رسميّة مُعلنة.

موقف البلديّات

عملياً، لتسجيل عقار ما، يحتاج المالك الجديد إلى مجموعة من المستندات التي تتيح له ذلك، وتبدأ مراحلها الأولى في البلديّة من خلال الحصول على إفادة شغور تؤكّد أن المبنى المنوي تسجيله شاغرٌ، وتالياً لا علاقة للشاري الجديد بأية رسوم سابقة مترتبة على البناء، وذلك قبل التوجّه إلى دوائر المساحة والكاتب العدل ووزارة الماليّة، للاستحصال على ما تبقّى من مستندات، وتنفيذ عقد البيع لاحقاً في أمانة السجل العقاري بغية إصدار سند ملكيّة.

الحلو: «من يأتي

إلى بعبدا أهلاً به، ومن يرحل

منها الله معه»

ينفي رئيس بلدية وادي شحرور سيمون أبو رشيد أن "أحداً تقدّم بطلب مماثل منذ تسلّمه البلديّة، ليتم رفض طلبه، وتالياً كلّ ما يُحكى في هذا الإطار لا أساس له من الصحّة"، وهو ما يتوافق مع ما يقوله رئيس بلديّة بعبدا أنطوان الحلو بأنه يطبّق القانون اللبناني على كلّ اللبنانيين، ولا يمنع مسلماً من شراء أرض أو عقار أو شقّة، كما لا يطلب من أي مسيحي البقاء وعدم بيع أملاكه. ويتابع الحلو: "من يأتي إلى بعبدا أهلاً به، ومن يرحل منها الله معه. أنا أطبق الدستور، بغض النظر عن توجّهات الفعاليات الدينيّة المسيحيّة والإسلاميّة وخطابها في هذا المجال"، ويضيف: "هذه الأكاذيب قد تكون حجج بعض الباعة أو الأفراد لعدم بيع أراضيهم، أمّا نحن فلا نوقف ملفات أحد".

الطائفيّة بأسماء مستعارة

هذه الموجة تنمو في مناطق قضاء بعبدا منذ فترة، بحسب رئيس "حركة الأرض" طلال الدويهي، وإنّما "من منطلق تجاري حفاظاً على الشاري المسيحي"، بسبب ما سمّاه "التباعد الثقافي بين الطوائف المختلفة الذي يجعل من الاختلاط المذهبي في تجمّعات السكن الواحدة غير محبّب لدى البعض". فيما يرى الناشط الاجتماعي والمحامي فؤاد الأسمر أن "حظر بيع الشقق والأراضي لطوائف أخرى، بات أشبه بالعرف وحكم الأمر الواقع في بعبدا والحدث وكفرشيما ووادي شحرور، كما في الشوف، تحت حجّة الحفاظ على التعايش والحدّ من التغييرات الديموغرافيّة الحادّة، وهي توجّهات تحصل بغطاء سياسي، سمحت بإجراء اتفاقات ضمنيّة بين التجّار والأهالي والبلديات لعرقلة بيوعات مماثلة، علماً بأن ذلك يندرج في إطار جرم إثارة النعرات الطائفيّة، كون قانون حصر الملكيّة محدّداً فقط في قانون التملك للأجانب، وتالياً هو لا يمنع انتقال الملكيّة بين الطوائف".

بالنسبة إلى حزب الله، الأمر متروك للمتضرّرين ليعالجوه وفق الأطر القانونيّة والدستوريّة كون الاتفاق في الحدث لم ينسحب على مناطق أخرى، فيما يردّ النائب آلان عون القضية إلى "وجود عقليّات راسخة لدى جمهور الطوائف المختلفة تغذي الخوف على خصوصيّتها، وهي شجّعت على انسحاب نموذج الحدث إلى مناطق مجاورة، من دون وجود مسوّغ قانوني للمنع، وإنّما نتيجة بروز مشاريع سكنيّة ضخمة، علماً بأن هذا الجوّ العامّ غير مغطّى سياسياً، وخصوصاً أن الهدف الأساسي هو الحفاظ على العلاقات المميّزة بين البيئتين الشيعيّة والمسيحيّة".

تعليقات:

    أصبحت التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وستكون من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.