جعجع يساعد زياد الرحباني

يبدو الرحباني ناطقاً بلسان الذاكرة المعرّضة للغسل (علي علوش)
يبدو الرحباني ناطقاً بلسان الذاكرة المعرّضة للغسل (علي علوش)


ربح سمير جعجع الدعوى الجزائية التي تقدّم بها ضد زياد الرحباني، على خلفية قول الأخير عبر شاشة أن بي أن "مجموعة من الأقوال حملت قدحاً بحق جعجع". وغرّمت محكمة المطبوعات في بيروت الرحباني مبلغ مليون ليرة وألزمته بقبول رد المدعي، وبنشر تصحيحه أو تكذيبه.

مقابل ذلك، لا يبدو الرحباني خاسراً، بل يبدو رابحاً. ليس لأن في معركة الحريّات يربح الفنان ضد القمع فحسب، إنّما لأن ما قاله عن جعجع يعرفه اللبنانيّون جميعاً، من يؤيّده ومن يخاصمه. وإذ يُحسب للرحباني إضافته عبارة جديدة، هي ما قاله عن جعجع، إلى رصيده الراسخ في المقول اللبناني، يُحسب لجعجع، ومعه محكمة المطبوعات، سعيه (ما) إلى حذف تلك المقولة، لا من لسان الرحباني فحسب، إنما من الذاكرة اللبنانية.

وهذه مهمّة مستحيلة. فالرحباني من أقوى "القوّالين" في لبنان وأكثرهم قدرةً على ترسيخ القول في العقول وعلى الألسن. ولعل هذا مصدر خوف جعجع ودافعه إلى "محاكمة" الرحباني. وهو، أي جعجع، لم يشأ من خلال ذلك الفوز بغرامة من الليرات، إنما سعى إلى إسكات الرحباني عنه وعن ماضيه الحربي وما اتُهم به بعد الحرب. والهدف هو تشذيب صورته، في سياق إعادة إنتاجها وتقديمها سياسيّاً وتاريخيّاً.

ولهذا السبب بالضبط يربح الرحباني. فهو يربح لأنه يبدو ناطقاً بلسان الذاكرة المستهدفة والمعرّضة للغسل القسري والقاسي. وهو يربح لأنه طبع صورة لا يمكن أن يمحوها قرار محكمة مطبوعات.

والكوميدي في المشهد هو أنَّ جعجع ساعد الرحباني في طبع تلك الصورة ودق المسمار وتعليقها على الحائط. فعل جعجع ذلك حين أخطأ بتقديم الشكوى، وحين اختار الرحباني غريماً. لا لأن الرحباني فنان وله جمهوره الواسع، أبداً، إنما لأن الرحباني هذا بارع في حفر المقولات وتنزيلها وطبعها في الذاكرة وعلى الألسن. وهو في ما قاله عن جعجع لا يبدو منتجاً مقولة يبثّها بين الناس، فيتناقلونها، إنما هو يقطف من ألسن الناس عبارة تتكرر من سنوات. وإذ جاء جعجع ليُسكِته وينزع تلك المقولة.. ثبّتها. وقد أضاف مأساةً إلى مهمّاته ومسيرته. فهو في شكواه على الرحباني، لا يبدو ساعياً إلى تقديم صورة عن نفسه تختلف عن الصورة المتداولة فحسب، إنما يبدو ساعياً إلى معاقبة من "يكرر" المتداول عنه. وهذا إلى كونه محاربة طواحين الهواء وكابوساً بلا نهاية، يقلّص الديمقراطية في ثقافته وسلوكه. وتلك إشارة ليست حسنة لسياسي يسعى لرأس السلطة.

* المصدر: المدن

تعليقات: