الطعن المستحيل والإنتاجيّة الموعودة

إذا ما صَدقت الوعود التي قطعتها المقامات السياسية والرسمية على اختلافها خلال فترة الصيام الرمضاني وقبله، يفترض أن تُفتَح شهية أولي الأمر على إنتاجية حكومية ومجلسية تعوّض كلّ ما فات وضاع خلف المتاريس السياسية طيلة فترة الاشتباك الانتخابي.

مشهدان يَطبعان الواقع اللبناني، الأوّل يُظهر أنّ اللبنانيين موعودون بإنتاجية حكومية ومجلسية، وينتظرون أن يهطل عليهم الخير الذي «بشّر» به لقاء بعبدا، الكلام الذي قيل جميل جداً، إلّا أنّ العبرة تبقى دائماً في التنفيذ، بل في حسنِ التنفيذ.

من هنا عينُهم الأولى على الحكومة، رئيسها سعد الحريري قال «الفشل ممنوع»، و«لقاء بعبدا» حقَنها بمنشّطات ومقوّيات يفترض أن تظهر مفاعيلها تباعاً، بدءاً من الجلسة الأولى لمجلس الوزراء بعد عطلة العيد، ربّما الاسبوع المقبل، لكن الحكومة على ما يبدو، ما زالت متأثرة بعطلة العيد، وتأجَّلَ انعقادها جرّاء سَفر العديد من وزرائها.

وعينُهم الثانية على مجلس النواب، علّه يَطوي كلّ الصفحة السابقة من التعطيل شِبه الكامل لإنتاجيته التي سقطت على حلبة التناقضات السياسية، وها هو يتحضّر لعقد جلسة تشريعية بين 10 و15 الشهر الجاري، ورئيسه نبيه بري أكّد أنّ الهدية الأولى التي سيقدّمها إلى الموظفين هي سلسلة الرتب والرواتب، وفي الوقت ذاته يعدّ لإعادة فتحِ ملفّ الثروة النفطية، من زاوية المزيد من الحثّ على ضرورة إفادة لبنان الفورية، وخصوصاً أنّه وقّع في الايام القليلة الماضية على مجموعة خرائط تحدّد بدقّة الحدود البرّية الكاملة للكيان اللبناني، وكذلك الحدود البحرية الكاملة، وحدود المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تختزن ثروة لبنان في النفط والغاز.

وأمّا المشهد الثاني، فيتصدّره القانون الانتخابي الجديد، الذي ما زال مطروحاً على مائدة السياسيين كإنجاز نوعي، وعلى مائدة قوى أخرى سياسية ومدنية وحزبية وأهلية كعامل مؤثر وضاغط على كلّ الواقع السياسي.

أهل القانون يقاربونه باطمئنان «كتِب المكتوب وانتهى الأمر، والمرحلة التالية هي مرحلة التطبيق والإعداد لإجراء الانتخابات على أساسه، وبالتالي على جميع القوى أن يحضّروا أنفسَهم لخوض هذا الاستحقاق».

وهم يقاربون بشيء من الاستخفاف الدعوات إلى إدخال تعديلات عليه قبل تطبيقه، فإن دلَّ ذلك على شيء فعلى مراهقة سياسية تصِرّ على المزايدة السياسية والمنطق الشعبوي الذي لم يَعد ينفع، خصوصاً مع هذا القانون».

أكثر ما يلفت في هذه الصورة، بروز محاولات، يمكن وصفها بالخجولة، للإطاحة بالقانون الجديد عبر تقديم مراجعة طعن به امام المجلس الدستوري، لتضَمُّنِه على ما يصفها أصحاب هذا التوجّه «ثغرات كبرى، ومنها أنه مخالف للدستور ومقدّمته، ولا يؤدّي الى مساواة بين اللبنانيين، ويعتمد معايير مختلفة في تقسيم الدوائر».

لكنّ اللافت للانتباه انّ الاتصالات التي قيل أنّها تَكثّفت منذ إقرار القانون لم تتمكن من جمع تواقيع عشرة نواب على مراجعة الطعن، وهو العدد القانوني الذي يفترض ان يتوفر لكي تصبح المراجعة قابلة لأن تقدّم الى المجلس الدستوري، ودون هذا العدد يَجعلها ساقطة شكلاً وبلا أيّ معنى.

قد يقف حزب الكتائب بنوّابه الخمسة في صدارة المتوجّهين الى الطعن بالقانون، الذي قال رئيسه سامي الجميّل «إنه اعد على الدرج»، وقد ينضمّ النائب عاصم قانصوه الى الموقّعين على مراجعة الطعن، لكن لا يبدو انّ ثمّة حماسة لدى القوى النيابية الأخرى، فالحزب القومي قيل إنّ اتصالات جرت معه لتوقيع مراجعة طعن بالقانون على اعتبار أنّ هذا القانون لا يعبّر عن موقف الحزب الداعي الى جعلِ لبنان دائرةً واحدة على اساس النسبية، ولا عن مطالباته بمجلس نيابي خارج القيد الطائفي، ومع ذلك لم يكن الحزب متجاوباً.

وثمّة من اقترح الاتصال بالنائب وليد جنبلاط علّه ينضمّ الى الطاعنين بالقانون، مستندين الى تغريداته التي اطلقَها خلال مرحلة توليد القانون والتي وصَف فيها القانون النسبي بالقانون «المعقّد والهجين ولا مثيلَ له في العالم».

إلّا أنّ اجواء الزعيم الدرزي لا توحي بذلك، رغم التحفّظات الكثيرة التي يسجّلها على اكثر من تفصيل في متن القانون. هنا سُئل احد القريبين من جنبلاط عمّا إذا كان الحزب الاشتراكي يؤيد التوجّه الى الطعن، فقال جازماً: «لا.. لسنا في هذا الوارد».

لم يشأ مرجع سياسي التعليقَ لا سلباً ولا إيجاباً على محاولة الطعن بالقانون الانتخابي، بل اكتفى بالقول «كلّ من يريد ان يطعن من حقّه ان يطعن، وقانون المجلس الدستوري يعطيهم هذا الحق، ولكن قبل كلّ شيء عليه ان يؤمّن اوّلاً تواقيع عشرة نواب، فهل هذا ممكن وهل هذا العدد متوفّر؟

كلام المرجع المذكور يتقاطع مع ما هو متداول في اوساط جهات متحفّظة على القانون إنّما هي مسلمة به كما صدر:

- لا يلبّي القانون ما نطمح إليه، إلّا أنه بالصيغة التي انتهى إليها يعَدّ إنجازاً.

- الذين يريدون الطعنَ بالقانون هم المتضرّرون شخصياً منه. وأيّ قانون آخر لا يوفّر لهم ما يوفره القانون الحالي.

- الطعن بالقانون مستحيل لعدم وجود 10 نوّاب لتوقيع مراجعة طعن، ولأسباب أخرى أملتها ضرورة الوصول الى هذا القانون، ولكن لنفرض أن طُعِن بالقانون وسقط، فهذا معناه العودة الحتمية إلى الستّين، وهذا معناه أيضاً إسقاط البلد وفجيعة سياسية للجميع من دون استثناء. ثمّ من قال إنّ هذا الامر في مصلحة الطاعنين والمعترضين على القانون؟

- أهمّية القانون أنّه أعاد خلط الاوراق، ويمهّد لإعادة صياعة المشهد السياسي من جديد، وفي مقاييس الارتياح والارتباك التي حدّدتها الدراسات والإحصاءات بعد صدور القانون، يبدو «الثنائي الشيعي» الأكثر راحة على وضعهم في الانتخابات المقبلة، وكذلك هو حال الأرمن، وأمّا كلّ الآخرين فمربَكون، وهذا يفتح الباب لكلّ فصائل المجتمع المدني لأن تعبّر عن نفسها وتفرضَ حضورَها وتمثيلها في الانتخابات المقبلة، وخصوصاً أنّ القانون الجديد أنهى مقولة المحادل والجرّافات الانتخابية.

يقول أحد الناشطين: نحن نرى القانون جيّداً، فهناك مجموعات عابرة للمناطق والطوائف والأحزاب والتيارات متملمِلة من الوضع القائم، وترى الهريان في كثير من المفاصل، أتاح لها هذا القانون الفرصة لأن تكون حاضرة.

ونحن نقرأ في القانون رسالتين، الأولى لهذه المجموعات بأنّ أمامك فرصة للحضور والتغيير. والثانية للحزبيين بأنّ أمامكم فرصة للفرض على قياداتكم مرشّحين أقوياء لخوض المعركة بهم وليس مرشّحين يسقطون بالباراشوت أو يدفعون ثمن نيابتهم أو يكونون خاضعين لرأي القيادة أكثر من غيرهم.

يضيف الناشط المذكور: هناك اتصالات بدأت في هذا الإطار لتنظيم هذه المجموعات بما يمكنها من التعبير عن وجودها بحجمها في الاستحقاق المقبل، لكن ما نعانيه اليوم هو انّ هناك من ينتقد من داخل حزبه وخارجه ويكتفي فقط بالانتقاد دون أن يقرن ذلك بحراك، وهناك من يعتقد نفسه أكبر من الجميع ولا يريد أن يضع يده في يد الآخرين.

وهناك من يعتقد انّه يملك مساحة تمثيلية هائلة فيريد ان يترشّح وحده دون الآخرين... هذه هي نقطة الضعف الموجودة لدى المجتمع المدني أو بالأصحّ المجتمعات المدنية التي من الصعب تجميعُها على خط واحد.

ولكنْ هناك أمل في إمكان التجميع، قد يعوّل عليه عندما تبدأ الدراسة الفعلية للقانون وفهم تعقيداته والشروط المطلوبة للنجاح، فربّما يعود هؤلاء إلى مراجعة أنفسِهم ويتواضعون ويستغلّون الفرصة المتاحة لهم لتحقيق شعاراتهم أو بعض منها!

تعليقات:

    أصبحت التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وستكون من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.