هكذا ظهرت السرفيسات في لبنان

عندما سألت أبو سليم (إسم مستعار) إن كان يعمل على الخط، أخبرني أنه لا يحب أن يوجع رأسه، مفضلاً العمل على التاكسي، لحسابه أو لحساب شركات خاصة. لكن، عندما أخبرته أنني أريد أن أتكلم مع سائق سرفيس لغاية صحافيّة، أعاد ترتيب كلامه، قائلاً إنه لم يترك السرفيس يوماً، حيث لا يمر يوم من دون أن يسرفس لبعض الوقت. إنكار أبو سليم في البداية عمله كسائق سرفيس يأتي بسبب مشكلة مع مهنته، معممة على كثير من السائقين الآخرين، الذين يظهرون خجلاً بما يقومون به. يفضلون أن يقولوا إنهم سائقو تاكسي، ويريدوننا أن نفكر في أن زبائنهم جميعاً من الخواجات، وليس من زبائن السرفيسات الذين من المحتمل أن يكونوا عمالاً أو فقراء.

في هذه الشهادة، يخبر أبو سليم عن تاريخه مع مهنة السرفيس، هذا الإختراع اللبناني الذي ترجع بداياته إلى أواخر الخمسينات. يعود أبو سليم إلى سيارته، كلما فقد وظيفته، أو تراجعت أحواله المادية. فمهنة السرفيس، وفقه، لا يمكن أن تمارس وحدها، خصوصاً أنها لا تكفي لمصاريف عائلته. لكن المهم فيها أنها تقدم خدمة إستثنائية، فهي تسمح له أن يكون في جميع أحياء المدينة يومياً، والتعرف إلى عدد كبير من الأشخاص، الذين بإمكانه استثمارهم بأشكال عدة.

ظهرت السرفيس في بيروت في أواخر الخمسينات. يومها كان هناك مواقف محددة، مثلاً موقف دعبول في البيكاديلي، وموقف تياترو الكبير في المعرض. المبلغ الثابت الذي كان يتقاضاه السائق من موقف لآخر، هو "سرفيس"، لكن ما اختلف اليوم هو أن تسعيرة السرفيس في الصعود (ربع ليرة) كانت مختلفة عن تسعيرة السرفيس في النزول (15 قرشاً).

أتذكر أن أكثرية السيارات العاملة على الطريق في الستينات كانت مرسيدس 180. لاحقاً ظهرت في الشوارع موديلات أخرى مثل مرسيدس 200 "لف"، 220، و280، وهذه الأخيرة لا تزال موجودة حتى اليوم. أول سيارة عملت عليها كانت مرسيدس 200 "قطش" موديل 1964، اشتريتها في العام 1976. المرسيدس كانت السيارة الأكثر رواجاً في الشوارع، بسبب قطعها الرخيصة وقدرتها الهائلة على التحمل. لكن ذلك تغير مع دخول شركات جديدة، صارت تقدم عروضاً خاصة لسائقي السرفيسات، وبشكل خاص نيسان ورينو اللتين تقدمان سيارات مستعملة لوقت قصير بأسعار مغرية.

في البداية، كان سائقو السرفيس بأغلبهم من البيارتة، وقد كانوا وحدهم يعرفون الطرقات والمناطق في العاصمة. في كل حال، هكذا كانت أحوال جميع المناطق، فكل شخص يسرفس في منطقته، وعلى خطه. لكن مع تفاقم النزوح وازدياد الغرباء في بيروت خلال الستينات، تغير الواقع. ثم، مع بداية الحرب، انقلبت الأوضاع رأساً على عقب. بدأ بعض أبناء الريف يبنون بيوتاً لهم في الأراضي الخالية في العاصمة وحولها، فظهرت أحياء جديدة، طرقات، وخطوط، لم تكن موجودة في السابق. وهذه الخطوط أصبحت ملكاً لسكان الأحياء الجدد، الذين بدأوا يسرفسون عليها.

إبان الحرب، كان بإمكان أي شخص أن يعمل على سرفيس، وكل ما كان عليه فعله هو أن يشتري سيارة مرسيدس. عملت أنا لفترة طويلة بلوحة سيارة خصوصية. كان ذلك في أيام السرفيس بليرة، والتاكسي بعشر ليرات.

تزوجت في العام 1976، وبعدما أصبح لدي أطفال، اضطررت إلى العمل في أي شيء. في العام 1978 توظفت في البنك العربي وتركت في العام 1990، على أساس أن أسافر إلى دبي، لكن أكلت الضرب. تاجرت في تلك الفترة بسيارات المرسيدس، قبل انهيار البلد مع ارتفاع أسعار الدولار وانخفاض صرف الليرة، في عامي 1988 و1989. خلال عملي في البنك العربي، صرت أشتغل على السرفيس بعد انتهاء دوامي في الساعة الثانية بعد الظهر. كنت أسرفس في جميع أحياء بيروت والجبل (سوى في الشرقية والمناطق التي تدور فيها الحرب)، وقد أدخلت السرفيس والتاكسي لي نقوداً كثيرة، خصوصاً في الفترة التي كانت منظمة التحرير لا تزال في بيروت، فقد شهد البلد وقتها فترة إقتصادية ذهبية، بسبب السيولة المالية التي خلقتها المساعدات التي كانت تقدم يومها للفلسطينيين.

في العام 1994، وبعدما أصبحت الدولة موجودة، اضطررت إلى شراء لوحة عمومية. يومها كنت أبيع الكايك والكعك بالتمر لمراكز الجيش التي يتواجد فيها الذين يخدمون الإجباري. بقيت أتاجر مع الجيش حتى العام 2008، وقد وصل حجم المبيع في إحدى الفترات إلى نحو 15 ألف حبة كايك يومياً. صرت أعمل بعد الساعة الواحدة ظهراً على المرسيدس، واكتشفت بعد فترة قليلة من نهاية الحرب الخطوط الموجودة في الشرقية، وتحديداً خط الجديدة– الزلقا– أنطلياس، الذي لم يكن يمر عليه فانات أو باصات، وكان أحد أقوى الخطوط في بيروت، طبعاً بالإضافة إلى خط الحمرا– الروشة– عين المريسة، الذي كان عليه سياح وخليجيون. ما يعني كثيراً من التاكسيات وليس السرفيسات فحسب.

اليوم، صرت من دون أن أفكر، أعرف أي خط يمكن أن أجد عليه ركاب، اعتماداً على الوقت وأي فترة من السنة، وطبعاً الحدس لم يعد يخطئ كثيراً.

في السرفيس يصعد معك مجتمع بكامله، كما تربي زبائن كثيرين، وتتعرف إلى أشخاص لم تكن تتصور يوماً أنك ستكون أصحاباً معهم. للأسف، كثير من سائقي السرفيس اليوم هم "عواطلية" أو خريجي سجون، لم يجدوا من يشغلهم، فقرروا العمل على الخط. كثيرون هكذا، لأنهم يظنون أن أي شخص بإمكانه أن يكون سائق سرفيس.

هؤلاء السائقون لا مسؤوليات لديهم، أو ربما لا يريدون تحمل مسؤولياتهم. تجدهم بالعشرات في نهاية النهار يلعبون على المكنات في الآميوزمنت سنتر، ويضيعون نقودهم. هم كثيرون، ويشكلون فئة كبيرة جداً، أتمنى لو نخلص منهم.

* المصدر: المدن

تعليقات:

    أصبحت التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وستكون من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.