كنيسة الخريبة تعيد ترميم ذاكرة العرقوب


مجدداً، ترتفع جدران كنيسة مار الياس في مزرعة الخريبة في راشيا الفخار (قضاء حاصبيا). إعادة بناء الكنيسة الصغيرة المطلة على جبل الشيخ وسهل الخالصة الفلسطيني، لا تقتصر على الحجر. فتركيب الجدران والقناطر والمذبح والجرس يترافق مع إعادة تركيب كيان قرية جرفها العدو الإسرائيلي وحاول طمس ذاكرة أهلها بعد تهجيرهم.

الاحتفال بعيد القيامة دائم في العرقوب. الكنيسة قامت من بين الأموات، معتمدة على تبرعات جمعت من مقتدرين مسلمين ومسيحيين، من أبناء الخريبة وراشيا وشبعا وإبل السقي، بحسب نائب رئيس بلدية راشيا الفخار الصحافي بيار عطا الله. تجتذب ورشة إعمار الكنيسة كثيرين لزيارة الخريبة بعد طول هجر. يتفقدون أملاك أجدادهم ومرتع آبائهم بين عين الخان وغدران نهر الحاصباني وأنقاض المنازل وأطياف حقول الكرمة وبيادر القمح. يوسف وهبي، يتعقب أثر جده لوالدته نمر دخل الله، الملقب بـ«نمر الخريبة» لقوته في مقارعة الانتداب الفرنسي. أما زهير دعبوس، فله في كل زاوية موطئ قدم. عائلته واحدة من الثلاثة آلاف نسمة الذين كانوا مسجلين في نفوس المزرعة حتى عام 1969. نكبة فلسطين واعتداءات عصابات الهاغاناه الصهيونية على القرى اللبنانية، أزاحا آل دعبوس وبو سمرا ودخل الله و المعلوف إلى راشيا الفخار والمهجر، تاركين حقولهم وبيوت الطين. يقول دعبوس الملقب بـ«أبي سلمى» عندما كان قائداً عسكرياً في الحزب الشيوعي اللبناني، إنّ العدو الإسرائيلي في أيار (مايو) من عام 1970 قصف منازل الخريبة وحرج الديس لاستهداف المقاومة الفلسطينية التي كانت متمركزة فيها. وفي اجتياح الجنوب الأوّل عام 1978، جرف العدو القرية وبعثر ملامحها وحدود ملكياتها، وحولها إلى موقع للمدفعية والتدريب.

محمد علي القلوط ابن الخيام، صمد حتى عام 1975 في منزله وأرضه، مع خبصة التي ترعى مواشيها والعاموري الذي يرعى منزل مجيد إرسلان، بحسب حفيده حسام القلوط. قبل رحيلها القسري، ظلت زوجة القلوط، آمنة أبو حويلي، ابنة شبعا، تتفقد الكنيسة وتضيء شمعة يومياً. لكن طيلة سنوات الاحتلال، عادت الخريبة خربة كما كانت قبل أن تحل فيها عائلات دعبوس وسعد والمعلوف في عهد الأمراء الشهابيين. قبل ذلك، كانت تلّة سُميّت على اسم النبي إيليا الذي مرّ فيها بحسب الروايات التاريخية وبنيت على اسمه كنيسة في موقع الكنيسة الحالي، حيث عثر أثناء حفر الأساسات أخيراً على حجر بيزنطي منقوش عليه صليب. ومن هنا مرّت «سكة سلطاني» التي كانت جزءاً من طريق قوافل الحرير إلى فلسطين. قوافل كانت تستريح في الخان بجوار العين قبالة «المراح»، أي سوق المواشي.

لم يبق من الخريبة القديمة سوى ذكريات من حقول الكرمة ومعصرة الزيتون لملحم سعد وجدول الأسواق الأسبوعي بين «سوق الخالصة» الأربعاء و«سوق الخان» الثلاثاء و«سوق الخيام» الخميس. وبعد تحرير الجنوب، كان هشام، شقيق حسام القلوط، أحد من ناشدوا المطرانية الأرثوذكسية إعادة بناء الكنيسة لإعادة بناء القرية. بجوارها، شيّد منزلاً صغيراً في أرض جدّه قبل سنوات. مثله، فعل شخص من شبعا وآخر من كفر شوبا. يتوقّع عطا الله أن تحفز عودة الكنيسة أبناء الخريبة للعودة إليها لبناء البيوت وزراعة الحقول. الحوافز غير كافية في منطقة دفعت غالياً ثمن مناصرتها للقضية الفلسطينية ومجاورتها لفلسطين والجولان المحتلين. الدولة اللبنانية لم تكن أقل عدواناً. ملف التعويضات على أهالي الخريبة لا يزال نائماً في الأدراج منذ عام 2000، يقول عطا الله. الأمل معلّق على قدرة الحنين والانتماء ليفعلا فعلهما بين أحفاد الأرض.

تعليقات: