لبنان بين الصفقة.. والخدعة!


«لا الفرنسيون ولا الاميركيون ولا أي طرف غربي او عربي، يمكن ان يهبّ لتقديم المساعدة الى لبنان، ما لم يبادر هو الى مساعدة نفسه أولاً».

هذا مختصر رسالة نقلها سفير دولة عربية الى مسؤول لبناني كبير، وجاءت على شكل نصيحة مستعجلة، بأنّ على لبنان ان يبادر الى اتخاذ خطوات احترازية تقيه شرّ السقوط في أزمة كبرى يصبح من الصعب عليه، ان يتحمّل تداعياتها وسلبياتها، حتى لا نقول لن يستطيع الخروج منها».

على انّ «الخطوات الإحترازية» التي اشار اليها السفير المذكور، لا تعني فقط ،كما يقول، ان تسارع الحكومة اللبنانية الى خطوات إصلاحية او اجراءات للوصول الى موازنة تقشفية وتخفيض العجز المالي وما الى ذلك، علماً انه امر ملحّ وشديد الأهمية بالنسبة الى لبنان، بل تعني المبادرة سريعاً الى التحصين السياسي، الذي يتطلبه الوضع الإقليمي والاحتمالات الخطيرة التي تحيط به.

ويُستنتج من كلام السفير، انّ لبنان الهشّ اقتصادياً، والهش سياسياً هو أشبه بورقة خفيفة اقرب الى البلا وزن، إن هبّت اي نسمة، او اي رياح اقليمية، فستتلاعب بها و«تمرجحها» في هذا الاتجاه او ذاك.

وفي معرض حديثه، يوضح السفير المذكور، انّ ما يدفعه الى هذا الكلام، هو «مخاوف كبرى»، بدأت تُظهرها بلاده، مما تسمّيها «تطورات خطيرة محتملة في أيار»، قد تُلقي بثقلها على كل منطقة الشرق الأوسط، وربما على خريطته ومستقبل بعض دوله. وما يزيد من هذه المخاوف ومخاطرها، هو الوضع العربي المفكّك. ولعلّ اكثر الاحتمالات خطورة، محصورة في مكانين:

- الاول، فلسطين، مع المخطط الاميركي الذي وُضع على طاولة التنفيذ مع وصول دونالد ترامب الى الرئاسة الاميركية في شأن «التسوية»، او ما باتت تُعرف إعلامياً بـ «صفقة القرن»، حيث يبدو انّ جاريد كوشنير (صهر ترامب)، قد أنهى استعداداته لكشف النقاب عنها في موعد مرجّح ما بين «ذكرى النكبة» في 15 ايار او مباشرة بعد انتهاء شهر رمضان.

- الثاني، ايران، مع الإجراءات الاميركية العقابية للجمهورية الاسلامية المقرّر اميركياً ان تزيد قساوتها الشهر المقبل.

يقول السفير العربي، إنّ ثمة ترابطاً واضحاً بين الخطوتين الاميركيتين في شأن فلسطين. وكذلك في شأن ايران ومن خلالها ضد «حزب الله» في لبنان.

ويلاحظ انّ العنصر المشترك بينهما، هي اسرائيل التي تنعم في هذه الفترة برئيس اميركي هو اكثر من يقدّم الخدمات لها، والى حد بدا انّ ادارته إختارت العمل وفق الأجندة الاسرائيلية. والاسرائيليون يجاهرون بذلك علناً.

ثم يتابع، «انّ اسرائيل، وبرغم الاحتضان «الترامبي» الكامل لها، لا تبدو في كامل اطمئنانها الى إمكان ترجمة هاتين الخطوتين الاميركيتين بالشكل الذي تريده، بما يزيل عنها الثقل الفلسطيني، والخطر الايراني.

ولذلك، هي تدفع في اتجاه تحقيقهما سريعاً، خصوصا انّها تعتبر انّ الظرف مؤاتٍ عربياً، لـ«صفقة القرن» بالنظر الى التشرذم العربي وغرق الدول العربية في أزماتها، ومؤاتٍ ايرانياً، بالنظر الى ما تعتبره الضعف الشديد الذي اصاب ايران جرّاء العقوبات.

والاستعجال الاسرائيلي مردّه الى انّ عدم تحقيقهما في هذا الوقت، وكما تريد، معناه انّ التوجّه اليهما قد يتراجع امام الانصراف الاميركي الى الانتخابات الرئاسية المقبلة، والتي قد تحمل رئيساً الى البيت الابيض، ليس من نوع دونالد ترامب.

ويكشف السفير، انّ بلاده ابلغت الاميركيين بأنّ ما يجري إعداده للمنطقة سواء بالنسبة الى «صفقة القرن» وفلسطين، او بالنسبة الى إيران «التي لا نتفق مع سياستها»، سيضع كل المنطقة على فوهة بركان، لن يبقي شيئاً ان انفجر.

علماً انّ بعض الاميركيين المناوئين لسياسة ترامب، يعتبرون انّ «صفقة القرن»، ليست انجازاً جديداً او مبتدعاً من الادارة الاميركية الحالية، بل ما هي الّا «خدعة القرن»، التي تسعى الى تنفيذ خطة اسرائيلية قائمة منذ سبعين عاماً، وأخطر ما فيها انها تنهي مشروع الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وتنكر كافة الحقوق الوطنية المُعترف بها للفلسطينيين بموجب الشرعية الدولية. ومن شأن ذلك، ان يعدم فلسطين، ويفتح «جروحات عميقة» في الدول التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين، وعلى وجه الخصوص في لبنان.

أما بالنسبة الى ايران، يضيف السفير، فإنّ مبعث الخوف ليس على ايران كإيران التي تشكّل «فوبيا» للعرب والغرب، بل انّ الخوف، هو من تأثيرات أي اجراء كبير ضدّها قد يؤدي الى إشعال المنطقة، والخوف الاكبر هو من العقل السائد في البيت الابيض، الذي يُخشى ان يصل الى لحظة يفكر فيها اسرائيلياً بالكامل ويستجيب للجهود التي تبذلها تل ابيب في الولايات المتحدة لحمل ادارة ترامب على تجاوز العقوبات الاقتصادية على ايران، الى حد استخدام القوة العسكرية وحتى بالسلاح «غير المألوف». والاسرائيليون يقولون علانية بانّه لن يكون امام ترامب سوى التصعيد الحربي الحتمي مع ايران.

وثمة من يعتقد من الاميركيين، بأن تصنيف الحرس الثوري منظمة ارهابية، يأتي بالتوازي مع «إجراءات اخرى» قيد التحضير تجاه الجمهورية الاسلامية.

في ختام كلامه يقول السفير، الاميركيون ماضون في «الصفقة» وليسوا عابئين بتداعياتها. واما في الجانب الآخر، فنسمع منهم كلاماً يفيد بأنّ الولايات المتحدة ليست مستعدة للقيام بأي سيناريو حربي، أقلّه في هذه المرحلة. وأقصى ما يمكن ان تتخذه واشنطن حيال طهران هو تشديد العقوبات، كونها السلاح المفضل لدى ترامب. هذا الكلام لم يبدد قلقنا من خطر اندلاع حرب اقليمية «مدمّرة»، لأنّ اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة يطلب المزيد. ونخشى ان تكون اذن ترامب صاغية له».

أنهى السفير كلامه، فعقّب المسؤول اللبناني بسؤال: من يحكم من، اميركا تحكم اسرائيل ام ان اسرائيل هي التي تحكم اميركا؟

ظهرت علامة استفهام على وجه السفير المذكور، فسارع المسؤول الى القول: «انا اجيب عنك، هما بالتأكيد دولة واحدة، انما باللغتين الانكليزية والعبرية، هم متوحدون على العرب، والعرب متوحدون ضد انفسهم، بئس هذا الزمن».

تعليقات: