قرارات الحكومة: القضاء على كل فرص النجاة

(هيثم الموسوي)
(هيثم الموسوي)


ثمة عبارات مكتوبة قرأها سعد الحريري، امس، في مؤتمره الصحافي، تختصر طبيعة قرارات مجلس الوزراء. فقد توجّه بكلامه الى «الشباب والشابات وجميع اللبنانيين الذين يعبرون عن غضبهم ويطالبون بكرامتهم وحقهم في الشارع»، وقال لهم بصراحة تصل الى حدود الوقاحة: «هذه القرارات التي اتخذناها قد لا تحقق مطالبكم، لكن الأكيد أنها تحقق ما أطالب به أنا منذ سنتين، منذ يوم تشكيل الحكومة». وبلغت وقاحته ذروتها عندما قال ردّا على اسئلة الصحافيين: «ما قمنا به في مجلس الوزراء ليس لكي نخرج الناس من الشارع (...) لو كنت أنا مكانهم في الشارع فلن أمنح ثقتي (لهذه الحكومة)».

طبعا، ليست هذه العبارات هي اهم ما نطق به الحريري، وبالتأكيد هي ليست اهم من فحوى القرارات المتخذة وتداعياتها السلبية جدا المتوقعة، ولكنها عبارات/ مفاتيح، تنمّ عمّا يجول في عقله او عقول مستشاريه. فهو لم ينظر الى الانتفاضة ضده وضد حكومته الا بوصفها فرصة لتحقيق ما عجز عن تحقيقه سابقا، وهذا ما عبّر عنه عندما قال: «تحرككم، بكل صراحة، هو ما أوصل للقرارات التي رأيتموها اليوم». وكذلك، لم يهتم بالمصالح الاجتماعية التي عبرت عنها هذه الانتفاضة في شعاراتها وهتافاتها، وانما بالتهديد الذي تمثّله على مصالح «الاوليغارشية» الحاكمة، لذلك اعتبر ان تحرّكه في الايام الثلاثة الماضية وتلويحه باستقالة الحكومة كان هدفه الوحيد استنفار اطراف من هذه «الاوليغارشية» وإخراجها من ترددها وحذرها السابق، وهذا ما عبّر عنه عندما قال: «لم اطلب من الشباب والشابات في الشارع اي شيء (...) بل أعطيت شركائي في الحكومة مهلة 72 ساعة لتحقيق سلسلة من الإجراءات».

ما الذي حصل في مجلس الوزراء امس؟

وفق القرارات التي أُعلنت امس، تم اقرار مشروع موازنة عام 2020، وفيه نسبة عجز متدنية تبلغ 0.63% من مجمل الناتج المحلي بالمقارنة مع 7.38% مقدّرة في مشروع الموازنة الوارد من وزارة المال، أي جرى خفض العجز من أكثر من 4 مليارات دولار الى اقل من 400 مليون دولار.

كان خفض العجز بهذه المقدار الكبير هو ما أخّر اقرار المشروع في الجلسات السابقة، اذ لم يكن احد في وارد المس بالمصالح المالية والتجارية عبر فرض الضرائب العادلة على الثروة وارباح المصارف والفوائد والاحتكارات التجارية والصناعية وريوع الملك العام واستنزاف الموارد الطبيعية والبيئة. ولا المس بمصالح السياسيين عبر خفض الانفاق التوزيعي المخصص لشراء الولاءات وانتفاع الاتباع. ولا المس بالدائنين وكبار المودعين عبر شطب بعض الديون او قص بعض الودائع الضخمة. كذلك، لم يكن احد بوارد اعادة النظر بسعر صرف الليرة الثابت للتخلص من جزء من الدين بالليرة عبر التضخم او خفض اسعار الفائدة والتخلص من جزء مهم من كلفة الهندسات المالية التي يقوم بها البنك المركزي.

لذلك كانت المباراة بين الشركاء في الحكومة تدور حول تقديم الاقتراحات للتقشف في الانفاق الاجتماعي والاستثماري وجباية الضرائب والرسوم على الاستهلاك، الى ان تم الاتفاق في جلسة الخميس الماضي على سلسلة اجراءات مستفزة، ولا سيما فرض رسوم على الواتساب والبنزين وزيادة الحسومات التقاعدية وغيرها من الاجراءات المؤلمة اجتماعيا، ما ادى الى انتفاضة الناس في الشارع تعبيرا عن غضبها ونفاد صبرها.

نجحت الانتفاضة في دفع الحكومة الى التراجع عن هذه الاجراءات الضريبية، الا انها لم تدفعها الى الاستجابة لمصالح المنتفضين من الطبقات الوسطى والعاملة والفقراء وبعض فئات المنتجين ورواد الاعمال واصحاب المشاريع الصغيرة، بل عمدت الى اتخاذ اجراءات بديلة ظرفية ومؤقتة وغير بنيوية «تعطينا الوقت»، وفق تعبير الحريري نفسه.

كيف تريد هذه الحكومة شراء الوقت الاضافي؟ وماذا تريد ان تفعل به؟

باختصار شديد، ومن دون ايلاء اي اهمية لبعض الاجراءات «الشعبوية» او «الرمزية» ذات الاثر المحدود او الطفيف جدا، مثل خفض رواتب الرؤساء والوزراء والنواب الحاليين والسابقين بنسبة 50%، تقوم خطة الحكومة لشراء المزيد من الوقت على العناصر الاساسية التالية:

اولاً، تخفيض مدفوعات الفائدة على الدين الحكومي بالليرة من نحو 5500 مليار ليرة الى 1000 مليار ليرة، عبر نقل الكلفة من الموازنة العامة الى ميزانية مصرف لبنان، اذ سيقوم مصرف لبنان بطباعة نحو 4500 مليار ليرة لتسديد الفارق، وهو اجراء تضخمي.

ثانياً، رفع الضريبة على ارباح المصارف استثنائيا لسنة واحدة فقط (2020)، بما يؤمن ايرادات اضافية للموازنة بقيمة 600 مليار ليرة (ما يعادل 400 مليون دولار). علما ان اكثر من 70% من ارباح المصارف تأتي من الفوائد التي تسددها الحكومة ومصرف لبنان.

ثالثاً، الغاء نحو 1400 مليار ليرة من الانفاق الاستثماري (الضئيل اصلا) المخصص لتجهيز البنية التحتية والخدمات الاساسية والمرافق العامة وصيانتها. وتخفيض 70% من موازنات مجلس الانماء والاعمار وصندوق المهجرين ومجلس الجنوب، وبالتالي مواصلة تعليق البت بملفات المهجرين وتعليق تنفيذ الكثير من المشاريع.

رابعاً، خفض دعم اسعار الكهرباء من 2500 مليار ليرة العام الجاري الى 1500 مليار ليرة العام المقبل، مع ما يعنيه ذلك من زيادة التقنين او رفع الاسعار.

هذه العناصر ستخفّض العجز في الموازنة الى المستوى المذكور، وبالتالي لن تضطر الحكومة الى الاستدانة كثيرا، الا لتجديد سندات الخزينة بالليرة والدولار التي ستستحق في العام المقبل، وهذا سيخفف الضغوط التمويلية قليلا، ولكن لمدّة عام واحد فقط، وفي المقابل سيتعمّق الركود الاقتصادي وسينكمش الناتج المحلي (نمو سلبي) وسيرتفع التضخم. اي ان فئات الدخل الادنى والمتوسط سيعانون من اثار هذه الاجراءات على الاقتصاد، عبر ارتفاع الاسعار وتراجع القدرات الشرائية وارتفاع البطالة وتدني الاجور، بدلا من ان يعانوا من ارتفاع الضرائب والرسوم على الاستهلاك. وكل ذلك من دون افق، ما عدا المراهنة على تغييرات غير محددة او مفهومة او مؤكدة يمكن ان تحصل في هذا الوقت.

يزعم الحريري وشركاؤه ان في حوزتهم خطة ما، ولكن ما شرحه الحريري وما ظهر في قرارات الحكومة يؤكّدان العكس. فمثلا، يفاخر الحريري بالغاء كل الانفاق الاستثماري. ويقول ان ذلك «يقفل الباب على الهدر والفساد، لأن الحكومة بذلك لا تنفق قرشا». وهذا تجسيد واضح لافكار نيوليبرالية معادية لاي دور للدولة في الاقتصاد والحماية الاجتماعية، وهذه الافكار تتعرض اينما كان للسخط والاعتراض من قبل المجتمعات التي تخسر امام رأس المال وشروط تراكمه. وانطلاقا من هذه العدائية، يقول الحريري ان البديل هو الخصخصة والشراكة مع القطاع الخاص وجذب الاستثمار الاجنبي المباشر والسعي للحصول على قروض خارجية تخضع لوصاية رعاة «سيدر» والبنك الدولي. ويعتقد ان ذلك سيحقق النمو الاقتصادي.

لم ينظر الى الانتفاضة الا بوصفها فرصة لتحقيق ما عجز عن تحقيقه سابقاً

وفق قرارات مجلس الوزراء امس، سيتم بيع بعض الاصول العامة كليا او جزئيا، ولا سيما شركتي الخليوي، بورصة بيروت، شركة طيران الشرق الاوسط، شركة الشرق الاوسط لخدمة المطارات، مؤسسة ضمان الودائع، شركة سوديتيل، كازينو لبنان، شركة انترا، مرفأ بيروت، ادارة حصر التبغ والتنباك، ومنشآت النفط. كما سيتم بيع بعض عقارات الدولة، واطلاق مشروع «أليسار» وردم البحر «لينور» لاكتساب عقارات جديدة واستثمارها من قبل المحظيين، وتلزيم الشركات الخاصة مشاريع الكهرباء، ومعالجة مخالفات الاملاك والنهرية، وتسوية مخالفات البناء.

الخصخصة سيئة في مطلق الاحوال، فكيف اذا تمت في ظروف ازمة حيث قيمة الاصول ادنى بكثير من قيمتها الفعلية، فما تعنيه هذه اللائحة من مشاريع الخصخصة ان الذين يرفضون دائما ان يسددوا الضرائب العادلة على ارباحهم الفاحشة ويراكمون ثروات خيالية على حساب بقية فئات المجتمع، وبالتالي يتسببون بزيادة العجز المالي للدولة، هم الذين يقرضونها المال بفوائد مرتفعة جدا، وبالتالي يزيدون عجزها مجددا، وهكذا دواليك، وهم الآن الذين يمتلكون القدرة على شراء اصول الدولة واملاكها ومؤسساتها ومرافقها بابخس الاسعار، وبالتالي سيفوزون بايراداتها وريوعها الاحتكارية، وبالتالي سيزيدون عجزها وديونها. وكل ذلك من اجل ماذا؟ من اجل الحصول على حفنة اضافية من الدولارات لشراء شهور اضافية وحماية مصالح الاوليغارشية المالية والتجارية والعقارية، لنعود بعد ذلك لمواجهة الحقيقة المرّة، ولكن هذه المرة ستكون الدولة قد خسرت ثروتها وصارت اكثر خضوعاً لمصالح تلك الطبقة السعيدة التي لا تشكّل الا اقل من 1% من سكان لبنان.

هل هذا ما تريده الناس المنتفضة؟ حتما لا، هذا ما تريده الاوليغارشية التي باتت تقضي على كل فرص النجاة.

تعليقات: