«زواج الفيزا» الحلّ الأسهل لتحقيق حلم الاغتراب

قاعة المغادرة في مطار بيروت: الخطوة الأولى إلى القفص الذهبي
قاعة المغادرة في مطار بيروت: الخطوة الأولى إلى القفص الذهبي


الظاهرة تتنامى والعرسان يتحدثون عن واقعية تفرضها الظروف المعيشية الصعبة ولبنان يخسر طاقاته الشابة..

حين يتحول الزواج من مشروع لبناء عائلة واستقرار إلى مجرد فرصة للحصول على تأشيرة دخول إلى بلد أجنبي، وذلك من أجل الهروب من الوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب في لبنان أو بحثاً عن تحقيق حلم العيش في أوروبا والغرب، يظهر نمط جديد من الروابط الأسرية يفرضه «زواج الفيزا»

يخطئ من يعتقد أن الزيجات المدبّرة قد ولّت أيامها إلى غير رجعة، ومن السهل أن يقع المرء على قصص عن الزيجات على الصورة. سلمى ن. اتكلت على «خبرة الأكبر سناً» للموافقة على الارتباط بخطيبها المغترب في السويد، رغم أنها لم تره حتى الآن، وهو سيحضر إلى لبنان في منتصف تموز المقبل لإتمام تدابير الزواج، «في البداية كنت من أشد المعارضين لمثل هذا النوع من الارتباط»، لكن «تجارب الحب الفاشلة» دفعت الفتاة العشرينية لأن تغيّر رأيها، وتلفت صديقتها المقرّبة جنان «في هذا الزمن وجود شخص في بلد آخر لا يعني أنه بعيد، فسلمى تتواصل مع خطيبها كل يوم عبر الهاتف والإنترنت». لا تنفي سلمى الدافع المادي كعامل إضافي لقبولها بهذا الزواج «الشاب في لبنان اليوم لا يستطيع أن يجهّز بيتاً حتى بالحد الأدنى... الحياة ليست مسلسلاً تلفزيونياً ولن يأتي فارس الأحلام على حصانه».

يتم تنسيق «الزيجات الفيزا» من قبل أقارب العروسين، وتنشط في هذا المجال أيضاً مجموعة من الجمعيات الأهلية التي تنظّم اللقاءات المشتركة بين المغتربين والمقيمين لتحقيق التواصل، وهي جمعيات ذات طابع طائفي بمعظمها، وترتبط بالأحزاب السياسية في بعض الأحيان وتهدف لمساعدة «أبناء الطائفة» في إيجاد الشريك المناسب، ويتركز عمل هذه المؤسسات في مواسم الاصطياف وهي على أنواع، منها ما يكتفي بتنظيم اللقاءات لطالبي الزواج (تجارية) وفق آلية محددة سابقاً عبر تعبئة استمارة واستيفاء شروط معينة لطالب أو طالبة الزواج، كالعمر والحالة الاجتماعية، إضافة إلى المذهب والوضع القانوني. وبعض الجمعيات تساعد في إقامة حفلات الأعراس الجماعية وتتكفل المساعدة في «جهاز البيت».

■ التأشيرة وصلت

تعرّف رامي إلى شريكة حياته ميرا قبل ثلاث سنوات. الفتاة المغتربة مع عائلتها في ألمانيا جاءت إلى وطنها الأم لتمضية عطلة الصيف، وكانت التحضيرات تتم لتزويجها من ابن عمها رضا، لكن الأخير رفض التخلي عن حبيبته وهي زميلة له في الجامعة.

ميرا لم تعد أدراجها إلى ألمانيا «خالية الوفاض»، ذاعت قصة وجودها في لبنان بين صديقات والدتها، تلقّفتها إحداهنّ ودعتها لزيارتها لتعرّفها برامي. العريس كان قد أنهى دراسته الجامعية ولم يتمكن من الحصول على منحة للدراسة أو العمل خارج لبنان.

اللقاء على الغداء في منزل «العمة» الخبيرة في «جمع الرؤوس تحت سقف واحد» كان فرصة بالنسبة لرضا، فالفيزا التي انتظرها باتت في متناول اليد ولن يتخلى عنها «أما حبيبته التي كانت معه منذ السنة الأولى في كلية الحقوق فتخلى عن الأحلام المشتركة معها لأن الواقع أقوى من الحب» كما ردد أمام أصدقائه.

لا تتكلّل كل «الزيجات المركّبة» بالنهاية السعيدة، هنا أيضاً يسهل الوقوع على عشرات بل مئات الحالات، وفي المقابل يصعب الوقوع على دراسات تتابع بشكل علمي تنامي هذه الظاهرة.

بعض هذه الزيجات انتهت فصولها في المحاكم، كما هي حال يوسف الذي تزوّج من ابنة عمه، ولما وصل معها إلى البلد الأوروبي اختفى عن أنظارها، ووجد أشقاؤه أنفسهم محاطين بأسئلة أفراد عائلتهم، فراحوا يرددون أن تصرفات زوجته «لا تتماشى مع عاداتنا وتقاليدنا، وليس فيها أي احترام للدين». ويضيفون «من حق شقيقنا أن يبحث عن مستقبله، وخاصة أن الزواج كان على الورق فقط، ولم يقم علاقة جنسية مع عروسه».

يرى الباحث والدكتور في علم الإسكان والاجتماع أسعد الأتات أن الظاهرة الجديدة «تعكس الأزمة البنيوية المتفاقمة على فترات للوضع الاقتصادي والمعيشي في لبنان».

كما يربط الأتات بين الحالة الاقتصادية والدلالة الاجتماعية لهذا النوع من الزواج «هناك الكثير من الناس المرتبطين بالتزامات تجاه عائلاتهم ويضطرون للمغادرة من أجل إعانة الأسرة سواء بالزواج أو بطريقة أخرى»

لا يربط الأتات بين المشاكل التي تحصل بين الزوجين وبين طبيعة الزواج «فحدوث مشاكل بين ثنائي ما لا ينتج عن الاختلاف في عادات البلدين اللذين يعيش فيه كل منهما، بل يأتي من العلاقة الشخصية بين فردين». ويؤكد الباحث في منظمة الأونيسكو على أن العلاقة الفردية هي التي تسيطر في الغرب (الفردنية) «مختلفة عن طبيعة العلاقة الموجودة في مجتمعنا، ولكن اللبناني يمكنه أن يتأقلم مع المجتمعات المختلفة لأنه يأتي من بلد يتّكل على قطاع سياحي وخدماتي».

يتحدث الأتات عن التغيّر في المفاهيم والعادات والقيم في المجتمع اللبناني ويربطها بشكل رئيسي بالحالة الاقتصادية «حيث أصبحت الفتيات يغادرن لبنان للعمل أو للزواج، ولم يعد الأمر محصوراً بالذكور»، وهذه الظاهرة لها دلالة على أن الظروف تغيّر في الحالة الذهنية «وهو أمر له وجه إيجابي لناحية المساواة بين الرجل والمرأة، ولكن وجهه السلبي ينعكس على المدى الطويل، فلبنان يخسر قدراته الشابة من الجنسين».

تعليقات: