لبنان يرتطم بالقعر: لا دولارات في السوق الأسبوع المقبل؟


تقلَّصَ الاهتمام الدولي بتعويم لبنان ومنع سقوطه، على عكس ما كان يجري في السنوات السابقة. وبدأت بوادر تراجع الاهتمام منذ امتناع لبنان عن تنفيذ الاصلاحات المطلوبة للحصول على أموال مؤتمر سيدر. وهو أمر كان متوقَّعاً عند البعض، ومؤكّداً عند البعض الآخر، كأحد الاختصاصيين في البنك الدولي، الذي سُرِّبَ له حديث، قُبَيلَ انعقاد المؤتمر في نيسان 2018، يقول فيه: "توصيتي اليوم، وهي توصية البنك الدولي، لا أعتقد أنه يحق للبنان أن يطلب المساعدة".

تلك النظرة التي تعكس عدم الثقة، وجدت ما يُتَرجِمُها على أرض الواقع. إذ مَن كان يُناط بهم إجراء الإصلاحات، أوصلوا البلاد إلى تخبّط كامل وفوضى اقتصادية واجتماعية ونقدية، تُنذِر بفوضى أمنية. والأسوأ، أن مسار الفوضى يتسارَع بدءاً من انفلات سعر صرف الدولار وصولاً إلى مواجهة نتائج احتمال تجفيف السوق من العملة الصعبة.


سياسة الترغيب

لم يمضِ وقتٌ طويل حتى لاحَظَ المواطنون ارتباط عملية تسعير الدولار برغبة المصارف والصيارفة ومن خلفهم مصرف لبنان، بسحب الدولار من أيدي الأفراد، في محاولة لحصر تداول الدولار، أو تركيزه على الأقل، بيد المصرف المركزي والمصارف التجارية. فحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، سلّط الضوء مراراً على حجم السحوبات الدولارية التي قام بها المودعون في بداية الأزمة. معتبراً أنها الركيزة الأساسية للخلل الحاصل في موضوع الدولار، نافياً أن يكون احتجاز المصارف للودائع وتهريب الجزء الأكبر منها إلى الخارج، هو السبب، أو على الأقل هو ما دفع الناس للتهافت على سحب أكبر قدر من ودائعها.

سحب الدولار تمثَّلَ برفع سعر صرفه رويداً، عبر منصّات التداول والصرّافين، في الفترة الممتدّة بين الأيام الممتدة من 15 إلى 20 من كل شهر، ثم خفْض السعر تدريجياً لحث الناس على بيع دولاراتها، لكسب المزيد من الليرة. وبالتوازي، شجّعت هذه العملية المضارَبة، خصوصاً مع استقالة المركزي من دوره الرقابي. فتحوَّلَ الأمر من عملية سحب للدولارات بصورة هادئة، إلى فوضى عارمة تهدد اليوم بمزيد من الخراب.


امتناع عن البيع

الارتفاع اللحظي للدولار وعدم وضوح الوجهة النهائية للعملة الخضراء، أدى إلى تراجع عرضها في السوق. فحتى الراغبون بالبيع، فقدوا القدرة على تحديد سقف مقبول للربح، فلسان حالهم يقول بما أن الاحتمالات مفتوحة، لما لا ننتظر فنربح المزيد؟ ومن هنا، اختلَّت المعادلة لصالح الطلب على حساب العرض. فالطلب على الدولار ما زال يزداد والعرض يتضاءَل إلى الحد الأدنى.

مع هذه النتيجة "جفاف السوق ليس مستبعداً"، وفق ما يقوله الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي، في حديث لـ"المدن". وما يزيد الوضع تعقيداً بالنسبة إليه، هو "عدم وجود دولارات لدى المصارف والمصرف المركزي، لتأمين السيولة المطلوبة في السوق عبر إعطاء الدولارات للمودعين".

من دون تلبية حاجة اللبنانيين من الدولارات، ستعمّ الفوضى: "ومن الصعب تجاوزها أو السيطرة عليها من دون إحداث صدمة كبيرة في السوق، تبدأ من إقرار قانون يُلزِم إعادة دولارات الاحتياطي الإلزامي إلى المصارف وتوزيعها على المودعين لسد حاجتهم. فتجميد تلك الدولارات في المركزي غير مفيد. بل دمج مفاعيل تسييلها مع المساعدة المقرَّرة من البنك الدولي للعائلات الأكثر فقراً، يمكن أن ينعكس إيجاباً".

أيّاً كان الحل، على المنظومة السياسية أن تجده وأن تبدأ من نقطة ما، عوض الاكتفاء بالتحذير مما هو آتٍ، إمّا العتمة الشاملة كما روَّجَ وزير الطاقة ريمون غجر، وإما بالفوضى الأمنية وعدم قدرة الدولة على حماية الناس كما روَّجَ وزير الداخلية محمد فهمي، بالإضافة إلى التراشق والاتهامات بين مختلف القوى السياسة. فهذا المشهد يزيد شح الدولار واستغلال المضاربين لرفع سعر الصرف ودعم قرار عدم البيع وتقليص حجم العرض في السوق.

وحسب رئيس وحدة الدراسات في بنك بيبلوس، نسيب غبريل، فإن "الامتناع عن اتخاذ القرارات في مرحلةٍ بلا أزمات، سيؤدي إلى تراجع اقتصادي، فكيف سيكون الأمر في ظل أزمة متفاقمة منذ عامٍ ونصف؟". ويضيف غبريل في حديث لـ"المدن"، أن "التوقّف عن دفع سندات اليوروبوند واستقالة الحكومة وتصرّف الأحزاب السياسية وكأنّ لا شيء يحصل في البلاد، والتعامل مع تفجير مرفأ بيروت وكأنه حادث سير عادي، أجَّجَ الخوف وبرَّر الاحتفاظ بالدولار". أما التكهّن بما يمكن أن يصل إليه سعر الصرف في اليوم التالي، فـ"يزيد من احتمال الارتفاع نتيجة المضاربة".


المساعدات الانسانية

مع انفلات الوضع في البلاد، طُرِحَت فرضيات تحوُّل لبنان إلى دولة تعيش على المساعدات الغذائية الدولية. ومع أنَّ غبريل لا يرى أفقاً لهذا السيناريو حالياً، إلاّ أنه ما زال قائماً، والسؤال يبقى حول احتمالية حصوله وتوقيت ذلك. فبعض الدول الأكثر فقراً ومديونية في العالم، تملك موارد نفطية ومناجم، ومع ذلك لا قدرة لديها على استثمار ثرواتها، إما بفعل الضغوط الخارجية ورغبة الدول الكبرى في الاستفادة من الثروات، وإما بفعل الفساد الداخلي الذي أودى بتلك الدول إلى الحضيض. وفي لبنان، تتكامل الرغبة الدولية مع الفساد الذي يعزّز مخاوف كل مَن يرغب في تحويل أمواله إلى لبنان أو استثمارها في بعض المشاريع. وهو ما قلَّصَ نسبة تحويل الأموال وخصوصاً مِن المغتربين، بالإضافة إلى الضغط الخارجي، وتحديداً الأميركي، والذي يستهدف السيطرة على تهريب السلع والدولار باتجاه سوريا.

ومع استحالة منع التهريب، وعدم الرغبة في تغيير أسلوب التفكير في معالجة الأزمة، ورفض أركان المنظومة الحاكمة التنازل عن عنادها السياسي، لا شيء يمنع ارتطام لبنان بالقعر، خصوصاً وأن معدّل الزيادة اليومية في سعر صرف الدولار أصبحت تتراوح بين 500 ليرة إلى نحو 1000 ليرة. ويترافق ذلك مع الاقتتال على السلع الغذائية المدعومة وإقفال بعض المحال التجارية أبوابها لعدم قدرتها على البيع، وسط التخبّط في سعر الصرف وأحياناً بهدف تكديس السلع ورفع أسعارها لاحقاً. وعلى هذا المنوال، مِن المتوقّع أن يجف السوق في غضون الأسبوع المقبل. وحينها، تُفتَح كافة الاحتمالات، وبشكل أساسي انفلات أسعار السلع على شاكلة أسعار الدولار، بصورة تتغيّر معها سعر السلعة بين دقيقة وأخرى.

وبالتالي، سيناريو العيش على المساعدات الغذائية الدولية ليس مستحيلاً، فأغلب شروطه متوفّرة، والوقت كفيل بتوفير المزيد. والمجتمع الدولي الذي انكبَّ على تأمين المساعدات والقروض للبنان في المؤتمرات الاقتصادية السابقة، أقصى ما يمكنه توفيره اليوم هو مساعدات غذائية تشبه ما قُدِّمَ في اعقاب تفجير مرفأ بيروت... ولا شيء أكثر مِن ذلك.

تعليقات: