حرب الوقف الدرزي


عاد الخلاف المزمن على إدارة المؤسسات الدرزية إلى الاشتعال أخيراً، بين المجلس المذهبي الدرزي مدعوماً من الحزب التقدمي الاشتراكي، وبين معارضين لطريقة إدارة هذه المؤسسات، وسيطرة المختارة عليها، ممن يتّهمون المجلس بهدر أكثر من مليون ونصف مليون دولار. المعركة المفتوحة منذ سنوات تجدّدت أخيراً في جولةٍ هي الأشد، يلجأ فيها المجلس إلى «إسكات» الأصوات المعارضة بتقديم شكاوى أمام مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية، إضافة إلى مزاعم للمعارضين عن تهديدات دفعت ببعضهم إلى التواري خوفاً على حياتهم

في المجالس الدرزية، الدينية والمدنية، همس لم يتوقّف منذ سنوات حول قضايا تحوم حولها شبهات، أبرزها ما يُعرف بـ«عقود إيجارات المحال العشرة» الواقعة في الطبقة الأرضية من مبنى دار الطائفة الدرزية في فردان. وقبل فترة، أضيفت إلى اللائحة تساؤلات حول صفقة شراء معمل رخام، خسرت فيها مالية المجلس حوالي 150 ألف دولار، وكذلك حول مصير 130 ألف دولار من تبرعات مغتربين بعد أحداث 7 أيار 2008. ويبدو أن ما تخسره عائلات الطائفة المتعفّفة التي يُفترض أن تستفيد من إيرادات الأوقاف، سببه في معظم الأحيان سلوك كيدي ناتج عن صراع نفوذٍ تاريخي اشتعل منذ عام 1962 واشتد في عام 2006، بين جمعية «التضامن الدرزي البيروتي» من جهة والمجلس المذهبي ومشيخة العقل من جهة ثانية، حول ملكية الأوقاف الدرزية في بيروت ومن يتولى إدارتها واستثمارها، نظراً إلى ما للمؤسسات الدينية من قوة تأثيرٍ كونها جزءاً من العدّة السياسية المستخدمة للسيطرة مالياً واجتماعياً وسياسياً. صراع لم يعد على مصلحة الدروز بقدر ما يلحق الضرر بهم وبأموالهم.


لدروز بيروت أم لدروز لبنان؟

أنشأ دروز بيروت جمعية «التضامن الدرزي البيروتي» عام 1930 لإدارة الوقف (العقار 2046) الواقع على تلّة فردان، ويشمل إلى جانب مدافن دروز بيروت، دار الطائفة الدرزية، ومجلساً دينياً، ومقام الشيخ محمد زاكي. ومنذ إنشاء المجلس المذهبي عام 1962 اندلع نزاع قضائي مع الجمعية على ما إذا كان العقار وقفاً عاماً لكلّ الدروز، وهو رأي المجلس المذهبي، أو محلياً خاصاً بدروز بيروت وتوزّع إيراداته عليهم، كما تصرّ الجمعية التي أشرفت عليه منذ عام 1930، وكرّست ولايتها عليه من خلال مستندات قانونية.

تنطلق الجمعية من النظام الداخلي للمجلس المذهبي القائل إنّ الأوقاف المحلّية التي تُديرها هيئة تكون مستقلّة إدارياً ومالياً، وتخضع لإشراف المجلس المذهبي. وتستدل في دفاعها عن شرعية صفتها في إدارة الأوقاف، بأنّها تقدّمت باسمها برخصة بناء دار الطائفة عام 1954، وأبرمت عشرات عقود الإيجارات للمحالّ والعقارات التابعة للأوقاف، أهمّها عقد امتدّ 36 عاماً من نيسان 1973 إلى آذار 2009، كان يُجدّد كل عام، أجّرت بموجبه الجمعية (الجهة المالكة) المجلس المذهبي مبنى ضمن العقار (2046) ليكون مقراً له.

في المقابل، جَهِدَ المجلس ذو الأغلبية «الاشتراكية» لإثبات قانونية إدارته للعقار، وأحكم قبضته تدريجياً، قبل أن يتخلّص من أي صفة قانونية لولاية الجمعية على العقار بموجب حكم قضائي صدر لمصلحته عن محكمة التمييز العقارية في بيروت، عام 2021. فكيف انعكس الصراع تبديداً لأموال الطائفة؟ وهل أثبت المجلس المذهبي حُسنَ إدارته لأملاك الرعية؟


من مالكٍ إلى مديون

أشهر عقود المجلس المذهبي هو ما يُعرف بـ«عقد إيجار المحال العشرة» الذي دخلت جمعية التضامن الخيري الدرزي، في عام 2007، نزاعاً قضائياً لاسترداده من شركة «أجيكو» للسيارات، متحصّنة بقانون الإيجارات الذي يسقط حق المستأجر بالتمديد بعد ثلاث سنوات من إقفال المأجور والتخلّف عن دفع المستحقات، وهي حالة «أجيكو». ولكن، قبل أن يصدر قرار المحكمة بأشهر، سارع رئيس لجنة الأوقاف في المجلس المذهبي حينها عباس الحلبي (وزير التربية الحالي)، بتفويض خاص من شيخ العقل آنذاك نعيم حسن، كما يظهر في المستندات، إلى إبرام عقد ثلاثي، بتاريخ 14 تشرين الأول 2009، بين المجلس و«أجيكو» وبنك «البحر المتوسط» (ميد)، تنازلت بموجبه «أجيكو» عن الإيجار لـ«ميد» بعقد بلغت قيمته 110 آلاف دولار سنوياً، علماً أن مساحة المحالّ البالغة 547 متراً وموقعها التجاري يطرحان تساؤلاً حول جدية قيمة العقد.

الأخطر أنه بتلك الخطوة، اعترف المجلس لـ«أجيكو» بحقها في الخلوّ، على عكس ما كان متوقعاً أن تبتّ به المحكمة لجهة حرمان «أجيكو» من الخلو تطبيقاً لقانون الإيجارات.

قضائياً، طلب المجلس المذهبي التدخّل في الدعوى كـ«صاحب صفة»، وصدر حكم لمصلحته يفيد بأنّ صفة الجمعية كمسؤولة عن الأوقاف غير ثابتة، ما أسقط دعواها ضد «أجيكو». أما مالياً، فتقاطعت المصالح، إذ تشير معلومات إلى أن لبنك «ميد» ديناً متعثّراً على «أجيكو»، اتُّفق على أن يحصّله من خلال تنازل الشركة له عن عقد الإيجار والخلو. أما المجلس المذهبي فسجّل هدفه الأول في مرمى الجمعية نازعاً عنها صفتها كجهة مؤجّرة للمحالّ. وما سهّل الاتفاق، برأي عضو في الجمعية، هو «علاقة الصداقة» المصرفية القديمة بين الحلبي والمصرفي سمير حمود ممثل «ميد» في الـ«ديل».

إلا أن المجلس لم يستطع تسليم المحالّ العشرة لـ«ميد» بسبب اعتصامات شعبية احتجاجاً على «شروط العقد المجحفة»، و«مخالفته لقانون المجلس المذهبي الذي يشترط لإبرام عقود التأجير التي تزيد مدتها على 5 سنوات، أكثرية ثلثي الهيئة العامة في الدورة الأولى والأكثرية المطلقة في الدورات السابقة»، فيما العقد «مرّ بتفويض خاص».

أمام كل هذه الإشكاليات تراجع «ميد» عن فكرة إشغال المحالّ، فدخلت شركة «رسامني يونس للسيارات» («ريمكو») على الخط كمستأجر جديد لها. وفي مقابل تنازل «ميد» عن عقد الإيجار لمصلحة «ريمكو»، اقترض المجلس المذهبي مليون ونصف مليون دولار من بنك بيروت والبلاد العربية «BBAC»، وهو المبلغ نفسه الذي تدين به «أجيكو» لبنك «ميد»، واعتبره المجلس المذهبي خلواً يدفعه لـ«ميد»، عوضاً عن دفعه لـ«أجيكو».

دخلت «ريمكو» الى المحالّ العشرة عام 2013، بعقد إيجار لمدة 12 عاماً، على أن يستوفي «BBAC» القرض عبر نسب معيّنة من قيمة الإيجار. لكن، في السنة الثامنة، وبعد بدء الانهيار المالي وتردّي الأوضاع، طلبت «ريمكو» فسخ العقد، فيما كان مبلغ 655 ألف دولار من أصل القرض لا يزال مستحقّاً لـ «BBAC» على المجلس المذهبي. سدّد الأخير منه 155 ألف دولار «كاش»، وأبرم في عام 2021 عقد إيجار مع «BBAC» لمدة 10 سنوات، خمس منها بلا مقابل كتسديد لدين البنك على المجلس.

يؤكد رئيس لجنة الأوقاف المحامي حمادة حمادة أن «كل العقود تمّت بموجب القانون، وبموافقة المجلس والهيئة العامة عليها»، وأنّها «تخضع لرقابة مدقّق حسابات داخلي وخارجي»، رافضاً الحديث عن «صفقات». وشدّد حمادة على أن «عمل المجلس مؤسساتي، ومستندات كلّ العقود محفوظة». وفي إشارة إلى جمعية «التضامن الدرزي البيروتي»، حذّر من «الذين يلتهون بأعمال المجلس للتنقير».


شراء «تفليسة»

على أرضٍ ضمن العقار 2046، لجهة شارع رينيه معوّض، خلف دار الطائفة الدرزية، يوجد معمل بلاط أجّرته جمعية التضامن منذ ستينيات القرن الماضي، بعقدٍ يُجدد سنوياً، لشركة «رخام الشرق الأوسط» لصاحبها غازي أبو زين. بقي المعمل مقفلاً لسنوات، قبل أن تبدأ الجمعية التفاوض معه على إخلاء المبنى. «طلب أبو زين 180 ألف دولار، إلا أنّ الجمعية استمرت بالتفاوض علّها تخفّض المبلغ»، وفق ما أكّد المهندس مروان الزهيري أمام الهيئة العامة للمجلس المذهبي في عام 2009. والزهيري كان آنذاك عضواً في جمعية التضامن، وفي لجنة الأوقاف في المجلس المذهبي في الوقت نفسه. في العام نفسه، دخل المجلس المذهبي على الخط، بحسب أحد أعضاء الجمعية، وعرض على أبو زين التوصّل إلى مخالصة، لـ«القوطبة» على الجمعية و«عرقلة» إثبات صفتها في إدارة العقارات، وتالياً في التفاوض، إذ إن نجاحها في فسخ العقد قانونياً مع أبو زين، واسترداد أرض المعمل، كان سيؤكّد صفتها. مع العلم أن القضاء لم يكن بعد قد بتّ في قانونية ولاية الجمعية على الأوقاف ولم يصدر حكمه السلبي تجاهها.

اتّضح أمام أبو زين أنّ مزاحمةً تحصل، فأعلن إفلاسه، وعرض بيع المعمل في مزادٍ علني، دفع فيه المجلس المذهبي 380 ألف دولار، أي أنه كبّد مالية المجلس، 200 ألف دولار إضافية عن الرقم الذي طلبه أبو زين بداية، وأتمّ العملية «الكيدية» على حدّ وصف خصمه، بالتكافل بين لجنة الأوقاف برئاسة الحلبي والمنوط بها إدارة الأوقاف واستثمارها، ومجلس إدارة المجلس المذهبي، والهيئة العامة للمجلس.


أين التبرعات؟

عندما تحمّس وليد جنبلاط ووزير اتصالاته مروان حمادة، في 5 أيار 2008، وتسبّبا في اندلاع أحداث 7 أيار في بيروت وقرى الجبل، استُنفر مغتربو الطائفة تحت ضغط بروباغندا «استهداف» الدروز وتعويض أهالي الضحايا والمتضررين. ونظّمت اللجنة الاجتماعية ولجنة الاغتراب التابعتان للمجلس المذهبي جولات في الخارج حاملة جداول بأسماء «الشهداء والجرحى والمتضررين»، جُمعت على أساسها تبرّعات.

بمراجعة، حسابات اللجنة الاجتماعية، يرد في المستندات أن «مجموع التبرّعات الوارِدة من الجاليات الدرزية في الخارج والمخصّصة لذوي شهداء وجرحى أحداث 2008، هو 300.341 ألف دولار، وأن مجموع المبالغ الموزّعة على متضرري أحداث 2008، هو 139.100 ألف دولار و118 مليون ليرة»، أي ما يعادل 217 ألف دولار. بالنتيجة، هناك 83.241 ألف دولار، مجهولة المصير. آنذاك، كان العميد المتقاعد عصام أبو زكي على رأس اللجنة الاجتماعية، وخلفته بعد وفاته المحامية غادة جنبلاط التي لم تردّ على اتصالات «الأخبار» للاستيضاح.


دار الطائفة ليست على الصحيفة العقارية

قبل 90 عاماً، سنة 1933، قضت محكمة انتدابية استئنافية باقتطاع جزءٍ من وقفية الدروز في فردان (العقار 2046)، لمصلحة مستشار قنصل ألمانيا في لبنان أنطوان سيّور. يومها فرض الدروز واقعاً مختلفاً، بعد أن هبّوا لـ«نصرة» أوقافهم، فتقاطروا من سوريا وفلسطين وجبل لبنان لمؤازرة دروز بيروت في اعتصامٍ دام 10 أيامٍ بلياليها. رضخ المفوّض السامي الفرنسي آنذاك، دو مارتيل، وأبرق أن الأرض ستبقى ملكاً للدروز. وفيما اعتبر الدروز أن القضية منتهية بحكم الأمر الواقع، وبنوا دار طائفتهم على الرقعة التي حكم القضاء بملكيّتها لسيّور، اعتبر ورثته أن ما حصل كان تجميداً للحكم القضائي، فعادوا وأحيوه بعد عشرات السنين. في عام 1984، ربح الورثة دعوى في محكمة الاستئناف، وأكّدت محكمة التمييز سنة 2004 ملكيّتهم. إلى تاريخه، لا يزال ورثة سيّور يطالبون بتنفيذ الحكم، عبر إجراءاتٍ قانونية يتّخذونها كل فترة للتأكيد على استمرار الحكم، ما يعيق تسجيل دار الطائفة الدرزية على الصحيفة العقارية.


تعليقات: