الزيتون نبتة الخير..و »أم حنون« تلمّ الشمل


إنه شهر تشرين الاول، موسم قطاف الزيتون في لبنان. في هذا الشهر تكون السماء قد زخت زخات الشتوة الاولى فامتلأت حبات الزيتون بالزيت وحان قطافها لرصها وكبسها في المرطبانات، ولعصرها في معاصر الرحى القديمة، او المعاصر الايطالية الحديثة التي باتت موجودة في معظم المناطق اللبنانية.

سواء كان قطاف الزيتون يهدف الى عصره وبيع زيته، او بيعه حبا او تموينه في المنازل، فإن للقطاف طقساً خاصاً تجتمع فيه العائلات كبيرها وصغيرها. كل يقوم بعمل محدد، فينتشر في حقل الزيتون جو من الألفة والتقارب فقدتهما العائلات منذ تشتت في المدن بحثا عن فرص عمل وتأمين حياة كريمة مرفهة. قطاف الزيتون يجمع العائلات مجددا ويعيد اللحمة اليها، وفيه يجتمعون على الطعام القروي، والغناء والرقص على انغام الدربكة وتداول الذكريات والاحاديث والطرف، وربما يكون فرصة لتلاقي فتاة وشاب متحابين. الموسم الوفير يكون بمثابة إشارة تفاؤل لاصحاب الحقل، فسنة الزيتون الكريمة تعني كرماً في كل شيء بالنسبة للعائلة، ووفرة الانتاج من الزيتون والزيت تساعد العائلات اللبنانية التي ما زالت تعيش في القرى والبلدات على جمع مبلغ لا بأس به من بيع الزيت لتأمين المونة الشتوية وتعليم الاولاد وسداد الديون المتراكمة.

بات هناك شركات كبيرة تعبئ الزيت في قنان ليباع في الدكاكين والسوبرماركت، وليصدر بعضه الى مختلف دول العالم.

في جنوب لبنان تعيش عائلات كثيرة من جني محصول الزيتون .هي تقاوم الفقر والعوز بواسطة الانتاج الذي تقدمه هذه الزراعة، كما تفعل عائلات كثيرة مع التبغ، الذي سمي »نبتة الصمود« لما له من فضل على المزارعين الجنوبيين لجهة تأمين مبالغ من المال تعينهم على العيش موسم كامل في انتظار الموسم المقبل ما ساهم في إبقاء كثر منهم في أرضهم ومنع نزوحهم الى أحزمة البؤس في المدن. كارثة كبيرة ألمت بالجنوبيين خلال العام 2006 عندما نشر الاجرام الاسرائيلي ملايين القنابل العنقودية في حقول الزيتون الكثيرة ما أضطر المزارعين الى انتظار المساعدة من المؤسسات الدولية التي تعمل على ازالة الالغام والتي قامت بتنظيف مساحات واسعة من الاراضي فيما بقي بعضها بلا تنظيف حتى الآن.أصحاب هذه الحقول لم يتمكنوا حتى الان من قطافها ولو ان بعضهم يغامر بحياته من أجل جني محصوله، وقد سجلت إصابات كثيرة بين الجنوبيين بإنفجار القنابل العنقودية أثناء حراثتهم أرضهم او جني محاصيلها.

موسم قطاف الزيتون يكاد يكون عيدا قرويا في القرى والبلدات اللبنانية، انه موسم لإعادة احياء تقاليد وعادات قديمة ولجمع العائلات وللاحتفاء بالارض وكرمها الذي تغدقه على المهتمين بها.

عندما يحين موسم قطاف الزيتون في أوائل تشرين الاول من كل عام، يكون قد مر أسبوع على فتح المدارس أبوابها. يستدعى الطلاب من الصفوف الى قطاف الزيتون. كل تلميذ يملك أهله زيتونا يترك الصفوف ويعود الى الحقول التي يكون قد تركها الى المدرسة قبل أقل من أسبوعين. الأساتذة والنظّار والمدير يعرفون ان عدداً كبيراً من التلامذة سيتخلفون لمدة أسبوع او أسبوعين عن الحضور. هم يعرفون تلامذة مدرستهم لآنهم من أبناء البلدة ويعرفون من منهم يملك أهله بساتين الزيتون. لا مشكلة لهذه الناحية، فقطاف الزيتون جزء من الحياة في القرية. هو عمل موسمي ولن يقطع مسؤولو المدرسة أرزاق الناس بمنع اولادهم من المشاركة في القطاف، خصوصا اولئك الذين يعتمدون في معيشتهم على بيع الزيت والزيتون.

الجدة كانت »زعيمة« قطاف. تأمر المشاركين فيه بارتداء ملابس العمل، وهي أقدم الملابس التي يملكونها والتي لم تعد صالحة للبس في الاماكن العامة، ثم تعطي كل واحد منهم شيئا يحمله في سبيله الى الحقل لقطاف الزيتون. بعضهم يحمل ماء الشرب، وآخرون يحملون كميات الطعام المختلفة واكياس الخيش الكبيرة التي ستملأ بالزيتون وتنقل بالشاحنات الصغيرة الى المنزل كل يوم بيومه. في الطريق الى »الزيتونات« تلتقي أفواج من مزارعي البلدة في طريقها الى القطاف، فتشكل مجتمعة ما يشبه تظاهرة صغيرة ما تلبث أن تنفرط بعدما تدخل كل جماعة الى حقلها.

يصل الجميع الى البستان البعيد في أيام خريفية تهب فيها نسمات باردة، وترسل الشمس أشعتها الخفيفة، وتنبعث من التراب رائحته التي تخلفها فيه الشتوة الاولى بعد جفاف الصيف وقسوة شمسه، فيما اوراق التين الصفراء تملأ الارض بعدما يكون موسم التين قد مضى .

تنتقي الجدة الزيتونة الاولى التي يجب البدء بقطافها، وتوزع المهمات. الشبان يصعدون الى الشجرة يقطفون الحبوب عن أغصانها العالية، النساء والفتيات والاطفال يقطفون حبوبها واقفين على الارض، والمسنات ينقين الزيتون من الشوائب.

تفرش الجدة الحرامات واحداً بجانب الآخر حتى تغطي محيط الشجرة فلا تقع حبة زيتون الى الارض وتضيع هباء. على الحرامات يرمي الشبان الحبوب التي يفرطونها من الاعلى ويرمي الاطفال والفتيات حبات جمعوها من أغصان شجرة الزيتون الكثيرة والمتشابكة. الجدة ونسوة العائلة يجلسن تحت الشجرة ينظفن الحبات من الاوراق والاغصان العالقة فيها ومن التراب الذي قد يخالطها ويرحن يعبئنها في أكياس الخيش البيضاء فتمتلئ كيسا بعد كيس، وترصف الى جانب بعضها البعض، حتى اذا ما قطفت الشجرة عن بكرة أبيها، تنقل الاكياس الى شاحنة "البيك آب" المنتظرة، لتنقل الى البيت. وتنقل الحرامات الى أسفل الشجرة التالية لتنظف من زيتونها الذي سيتحول زيتا او حبوبا خضراء مكبوسة في ما بعد.

تمنع الجدة استخدام العصا في قطاف الزيتون. تقول ان العصا يكسر الاغصان الجديدة التي يجب ان تنمو لتحمل الزيتون في السنة المقبلة. هي تعاقب من يكسر غصناً من أغصان الشجرة بمنعه من اكمال رحلة القطاف، او بإرساله باكياً الى المنزل بعد توبيخه. الزيتونة مقدسة لديها، يمنع كسر أغصانها او ضربها بالعصا، ليس لأنها مذكورة في كتاب الله فقط، بل وأيضا لأنها »أمنا الحنون« كما تقول.

الزيتونة الأم

الزيتونة كالأم تقول الجدة. هي تعطي بلا مقابل، ربما بمقابل ضئيل. نكش الارض حولها، تقليمها، وضع بعض زبل البقر والماعز قرب جذعها، وينتهي الأمر. في المدة المتبقية من السنة يمكنك النظر اليها وتأملها وتأمل ألوانها الرمادية والفضية التي تشبة ألوان الصخور في تلك المناطق من جبل عامل.

تقول الجدة ان الزيتونة معطاءة مثلها هي التي انجبت 14 ولدا، ومثل الأمهات اللواتي يفنين عمرهن في تربية الاولاد وتنميتهم وتعليمهم. الزيتونة كذلك ايضا. تحمل الزيتون فتعطي مؤونة السنة منه ومؤونة الزيت ومكسبا ماليا مقابل بيع الزيت المتبقي. انه عطاء كبير من شجرة في الحديقة، من عدد من الشجرات، فكيف اذا ما أضفنا اليه عطاء من نوع آخر، هو عطاء نفسي يتعلق بتقارب أفراد العائلة من بعضهم البعض وتآلفهم اثناء ممارستهم طقوس قطف الزيتون، فيتخلون عن عصرية ومدنية وحداثة ما تخالط حياتهم خارج الحقل، ليعودوا وكأنهم أبناء الطبيعة والارض والتراب وشجر الزيتون. تراهم في هذه الطقوس مفترين عن ابتسامات لا تفارق وجوههم ويبرز في سحناتهم استرخاء يفقدونه في اوقات السنة الاخرى، وكأن الارتباط بالارض والعودة اليها يخففان من أثقال الحياة العصرية ومتطلبات العمل وتأمين العيش والرفاه.

كانت الجدة تسمي الزيتونة بإسم أحد أولادها، فتقول ان تلك المطلة على حقل الجار إسمها فلان، على اسم ابنها البكر الحشري كالشجرة التي تبدو وكأنها تتحرش بشجرات الجيران، وتلك التي تحمل حبات كثيرة مليئة بالزيت تسميها على اسم ابنتها الكريمة والمحبة والمعطاءة. الشجرة التي لم ترتفع كثيرا وانتشرت اغصانها في كل الاتجاهات، كأنها تكره كونها شجرة، تسميها على اسم ابنتها المكتئبة... وهكذا دواليك.تأخذ من اولادها صفات فيهم لتمنحها للزيتونة، فتصير الشجرة مرتبطة بإسم صاحبها وكأنها هو. لما سافر العم الى الخليج مغتربا ومهاجرا، كانت الجدة تأتي الى الزيتونة التي تحمل اسمه عند كل مغيب وتلامسها وتتحدث اليها وكأنها تكلم العم المهاجر، فيما الاطفال يدورون حولها في حزنها وسكينتها هذين من دون ان يعرفوا كنههما الا في ما بعد، بعدما كبروا وهاجر اقارب واصحاب لهم فصاروا يشعرون بالأسى الذي يتركه فقدان عزيز وابتعاده عنهم.

يصل القطافون الى الحقل. تضع الجدة الطعام والماء في مكان ظليل، وتنتقي الشجرة التي سيبدأ قطفها. الاطفال يمكن استثناؤهم من جدية طقس القطاف، فيلعبون بين الشجرات وربما يختارون شجرة أخرى يبدأون بقطفها، تلك "الطليانية" بحبوبها السوداء الصغيرة والتي ما ان تضغطها قليلا حتى ينفر منها الزيت الاسود. او ربما البلدية التي تستخدم الجدة جل حباتها للرص. تقول ان حبات الشجرة البلدية الكبيرة والخضراء والقاسية يجب ان ترص في الملح والخل وبعضها في زيت الزيتون. فحبات كبيرة وناضجة كحباتها لن تذهب الى المعصرة لتعجن في المعجن مع الحبات الصغيرة.

كان الاولاد يعرفون اي حبات تذهب للزيت وأيها للرص. الحبة الصغيرة و"المضروبة" بدبغ او جرح تذهب الى اكياس الخيش المخصصة للمعصرة، والكبيرة والخضراء والناضجة تذهب الى الاكياس العائدة الى المنزل، أي أكياس الرصّ. هم يقومون بهذا التقسيم في الحقل او في المنزل، ثم ينصرف بعضهم للمساعدة في الرص والبعض الآخر للمساعدة في عصر الزيتون في المعصرة.

كان من اجمل لحظات قطف الزيتون موعد الغداء، فعند الغداء أي بعد مرور ما يقارب الاربع ساعات من العمل في قطف وجمع الزيتون، كانت تقرر الجدة ان تفرش الطعام على شرشف يوضع جانبا تحت واحدة من الزيتونات التي تمنح مساحة كبيرة من الظل.

كانت المشاطيح والخبز المرقوق او خبز الصاج من اول ما يخرج من صرة الجدة التي تكون قد حضرتها عند الصباح الباكر. اللبنة البلدية والبيض المقلي والمجدرة الجنوبية والبرغل على بندورة والزيتون المرصوص حديثا والمنقوع بالملح، او زيتون السنة الماضية والبصل والبندورة ومناقيش الصعتر والكشك، وأحيانا يخنات مع شراب البندورة والارز الى جانبها. كانت الجلسة تفتتح بقرار من الجدة. ترصف كل شيء في مكانه، توزع الخبز على الاولاد والكبار، تأكل اللقمة الاولى ويبدأ الجميع بالأكل. تقول الجدة ان الطعام الخارج من أرضنا وحده يفيد الأبدان والأجساد، اما تلك الاشياء التي تؤكل في المطاعم القديمة والجديدة فهي مضرة بالصحة وتسبب الامراض. الاجسام التي خلقت من التراب تأكل ما يقدمه لها ترابها. كانت تلك الوجبات النهارية أثناء قطاف الزيتون من الاشهى والاطيب، كان الجميع ياكلون وكأن جوعا قديما يحتل أمعاءهم. »اكل بعد تعب أفيَد أكل" كانت تردد الامهات.

يتبارى الاولاد من سيجمع من الزيتون أكثر من الآخر. في بعض الاحيان يعدون الحبات التي يجمعها كل واحد منهم، لكن سرعان ما يتراجعون عن الامر بعدما يصابون بالضجر، فالزيتون كثير وعد حباته قد يأخذ اياما. يجمعون الزيتون في الاكياس ويحاولون حمل أكياسه الى السيارات ومنها الى منزل الجدة الذي يتوسط منازل الجميع. يفرش الزيتون على الارض وتبدأ عملية تنقيته. كثيرات يشتركن في هذه العملية. كل واحدة من النسوة الواقفات على ضفة "بركة الزيتون« عليها ان تنتقي منه ما ستستخدمه للاستعمال المنزلي. بالتساوي تأخذ كل واحدة من النسوة حصتها. قد تزيد الحصة بحسب ارتفاع عدد الاولاد، العائلة الاكبر تحصل على كمية أكبر من الزيتون، وكذا الحال بالنسبة للزيت. الجدة تعرف تماما كيف توزع الزيتون والزيت على زوجات ابنائها وعلى بناتها. وكل منهن ترضى بحصتها ونصيبها من دون ادنى تردد.

مرصوص أم معصور؟

بعد فصل حبات الزيتون المعدة للأكل عن تلك المعدة للعصير،تغسل الحبات التي تعد للأكل في الماء ثم يبدأ رصها. تضرب حبة الزيتون بمطرقة خشبية حتى تتفسخ قليلا، ثم توضع في مرطبانات من الزجاج مع الحامض والماء والملح والحرّ، او مع زيت الزيتون. جزء كبير من حبات الزيتون المرصوص ينقع بالملح فقط ويترك معرض للهواء لعدة أيام ليصبح صالحا للأكل. الزيتون المكبوس في المرطبانات يحتاج الى عدة أسابيع حتى يصير صالحا للاكل.

زيت الزيتون هو بيت القصيد من القضية كلها. فالزيت غالي الثمن ومن ينتج زيتونه زيتا كافيا يمكنه ان يبيع بعضه ويؤمن بعض مصاريفه السنوية. بعض الأهالي كانوا ينتظرون موسم الزيت حتى يدفعوا اقساط اولادهم المدرسية عن السنة السابقة. كان بعضهم يدفع زيتا لمدير المدرسة الخاصة بدل تعليم اولادهم، كما كان عدد كبير منهم ينتظر موسم التبغ. الزيتون والتبغ موسمان يؤمنان مبالغ مالية معقولة لعائلة صغيرة في قرية، لكن العمل في الزيتون يحتاج الى جهد أقل من ذلك الذي في التبغ.

كان على اصحاب الزيتون ان يحجزوا لهم مكانا في المعصرة التي تعمل على مدى اسابيع لتعصر زيتونا مقطوفا من سائر حقول القرى القريبة والبعيدة. كانت معصرة واحدة وحيدة .

رائحة المعصرة مصنوعة من خلاصة روائح الزيت والجفت. كثيفة هي رائحة الزيتون فيها. تتداخل في كل شيء، في أرضها الاسمنتية وآلاتها وجدرانها وأجساد العمال فيها، كذا رائحة الجفت الذي سيتحول الى صناعة الصابون او الى وقود في الشتاء.

من يأخذ دوره في المعصرة، كان عليه ان ينتظر انتهاء عدد كبير من الناس من عصر زيتونهم حتى يتمكن من عصر زيتونه. كان يرمى الزيتون في الجرن الكبير الذي يدور فيه حجران رخاميان كبيران. ينظراصحابه الى الزيتون الذي جمعوه على مدى أسبوعين فيما هو يتوجه الى أسفل الحجرين الرخاميين الضخمين، اللذين يدوران ويدوارن فوقه حتى يصير شبه سائل بعد ساعة او ساعة ونصف من الهرس وذلك حسب نوع الزيتون ومدى نضجه. ينظرون الى الزيتون المعجون ويشعرون ان الزيت الذي سيرشح منه هو عرقهم وعرق أهلهم الذي انسكب منهم طوال السنوات الماضية.

يستخرج مسحوق الزيتون من الجرن ليوضع على القفف لعصره. توضع القفة المصنوعة من القش او من شعر الابل، المليئة بمسحوق الزيتون فوق آلة الكبس، وتوضع فوقها قفة ثانية مليئة أيضا بالمسحوق الزيتي، ثم توضع قفف أخرى، حين تتراص فوق بعضها يرشح الزيت منها ليسقط في جرن توضع فوقه. ثم حين تضغط في المكبس الهيدروليكي تنز الزيت نزاً، فيمتلئ الجرن بالزيت المخلوط بالماء، بعدها يتم وضع السائل في جرن كبير، يفصل فيه الزيت عن الماء. ينزل الزيت الاخضر من جهة، والخليط الاحمر المتبقي من جهة ثانية. الزيت يعبأ في غالونات بلاستيكية تسمى تنكات، حملت هذا الاسم منذ كانت تنكات الزيت تصنع من التنك، ولكنها اليوم مقياس للكمية، فيقال ان تنكة الزيت سعرها كذا، ويبلغ حجمها 16 ليتراً.

تنكة تلو التنكة كان ينهمر الزيت في الغالونات. يقف الجد والجدة ليحسبان كم منها سيوزع وكم منها سيباع. تنظر الجدة بعينين ملؤهما الغبطة الى تنكات الزيت وتحسب في رأسها، واحدة لفلان ابنها وأخرى لابنها الثاني، نصف تنكة لابنها الاصغر الذي يعيش وحيدا في المنزل البيروتي، نصف واحدة لابنتها المتزوجة حديثا... يبقى منها اربع او خمس للبيع، وتكون مباعة سلفا بعدما يحجزها أقارب يسكنون في بيروت ولا يملكون شجر زيتون في البلدة. مبلغ من المال لا يتجاوز المليون ليرة او يتجاوزه بقليل لا ضير به البتة بالنسبة الى الجد والجدة. والمبلغ شبه ثابت سنويا لان سعر تنكة الزيت بقي ثابتا مدة طويلة من الزمن. مليون ليرة تكفي لتأمين المونة الشتوية: برغل، صعتر، رب البندورة، رب الرمان، مربى اليقطين، بصل، ثوم، قاورما، كشك، بهارات على انواعها، فحم ومازوت... المتبقي منه تشرى به ملابس شتوية جديدة او خيوط صوف تحيك منها الجدة جوارب وكنزات للجد وللاحفاد.

رضى تام يبرق في عيني الجد والجدة في المعصرة. يشعران ان جهدهما يعطي النتائج المرجوة. مع الطبيعة لا جهد يذهب هباء. اعطها تعطيك، مقولة كانت ترددها الجدة دائما".



تعليقات: