
الدكتور خليل كاعين: التغيير ليس سهلاً، فهو يحتاج إلى الصبر، المثابرة، والتخطيط طويل الأمد، لكنه ممكن
لم تعد الأزمات المتكررة في لبنان والمنطقة مجرد أحداث منفصلة، بل أصبحت بنية متكررة تعيد إنتاج نفسها، حيث تبدأ كل مرحلة جديدة من الصراعات لتفتح الباب لفصل أسوأ. من هنا يظهر السؤال المركزي: كيف يمكن تربية جيل جديد قادر على تجاوز الانقسامات الطائفية والمناطقية، وكسر الحلقة التاريخية التي دفعت المجتمعات إلى الاحتراب الداخلي مرارًا؟
الإجابة لا تكمن في مجرد سرد الوقائع، بل في فهم البنى العميقة التي صنعت الأزمات، وكشف العوامل الداخلية والخارجية التي تتفاعل لتشكيل مسار المجتمع.
التعليم وبناء العقل النقدي:
التعليم التقليدي لم يعد كافيًا، إذ لا يكفي أن يُعلَّم الأبناء ما حدث، بل يجب أن يُعلَّموا لماذا حدث. بناء وعي حقيقي يتطلب:
- تطوير عقول نقدية قادرة على تحليل الأحداث، وليس مجرد تقليد أو حفظ الحقائق
- تعليم الأجيال الجديدة التعرف على الديناميات الداخلية والخارجية التي تؤثر في مصائر المجتمعات
- ربط المعرفة بالقيم الوطنية، لتصبح جزءًا من ثقافة الانتماء والمسؤولية
المؤسسات التعليمية، إلى جانب الأسرة، هي الركيزة الأولى لهذا البناء. فعندما يُنشأ جيل واعٍ داخل الأسرة ويكتسب مهارات التفكير النقدي، فإن هذا الوعي يتسرب تدريجيًا إلى المحيط الاجتماعي، ممهّدًا الطريق لتأثير أوسع على المجتمع.
الفهم المتوازن للعوامل الداخلية والخارجية:
ليس العامل الخارجي وحده ما يُنتج الأزمات، بل تفاعله مع عوامل محلية مستفيدة من الفساد والمحسوبيات. الزعامات الطائفية والسياسية، وبعض رجال الدين الذين يسعون لحماية امتيازاتهم، غالبًا ما يستثمرون التدخلات الخارجية للحفاظ على نفوذهم.
وعليه، فإن بناء وعي الجيل الجديد يتطلب:
- إدراك العلاقة بين الفساد الداخلي والدعم الخارجي.
- فهم استراتيجيات القوى العالمية ومخططاتها، بحيث يتمكن المواطن من تمييز من يعمل فعلاً لمصلحة الناس ومن يسعى لصالح جهات خارجية.
- تعزيز الثقة بالمؤسسات الوطنية بدل الاعتماد على زعماء انتهازيين أو طائفيين
فشل الأحزاب وتأثيره على المجتمع:
بالإضافة إلى الدور الفردي والأسري، يظهر الواقع أن الأحزاب السياسية المحلية غالبًا فشلت في تقديم بديل حضاري لإصلاح الدولة والمجتمع. فبدل أن تكون منابر لبناء دولة مستقرة، تحولت إلى أدوات لحماية مصالحها، مستغلة الفساد القائم، مما ساهم في:
- ترسيخ زعامات طائفية ومحاصصة داخل بنية السلطة
- تدخلات غير صحية في القضاء، التعليم، والتوظيفات العامة
- خلق صورة سلبية عن الأحزاب كمؤسسات سياسية، بحيث لم تعد تُنظر إليها كواجه حضارية، بل كمؤسسات تتقاسم السلطة بين المعارضة والموالاة على حساب مصالح المواطن
هذا الواقع يبرز أهمية الوعي الجماعي والمبادرات المستقلة، ويؤكد أن بناء جيل واعٍ لا يمكن أن يعتمد على الأحزاب التقليدية وحدها، بل يحتاج إلى قاعدة تعليمية ومجتمعية قوية ومستقلة، تعزز القدرة على التغيير التدريجي والفاعل.
دور الأسرة والمجتمع في التغيير التدريجي:
الإصلاح المجتمعي الشامل غالبًا ما يواجه انتكاسات، ويحتاج إلى زمن طويل وجهد مستمر. لذلك، يبدأ العمل دائمًا من القاعدة الأصغر: الأسرة.
- بناء جيل واعٍ داخل الأسرة هو الركيزة الأولى لأي إصلاح اجتماعي حقيقي
- نجاح هذه العملية داخل الأسرة يتيح للأجيال الجديدة أن تُظهر للآخرين رؤية واضحة للواقع، فتنتشر دائرة الوعي تدريجيًا في المجتمع
- هذا النهج لا يحقق التغيير الفوري، لكنه يضع الأساس لمجتمع سليم عبر الأجيال القادمة
دور الدولة، المؤسسات والمثقفين:
التغيير لا يكتمل إلا بوجود دولة قانون ومؤسسات قوية. الطائفية المستشرية والفساد المزمن يقوضان الانتماء الوطني، ويصعب على الأفراد بناء مجتمع متوازن دون:
- مؤسسات مستقلة تعمل على حماية الحقوق والمواطنة
- مثقفين ومربين ملتزمين بالوطن، قادرين على إنتاج المعرفة ونشر الوعي
- إعلام مسؤول يوضح الحقائق ويفضح التضليل
كما يجب الانتباه إلى الدعم الخارجي والمساعدات الدولية، فهي غالبًا مرتبطة بمصالح خاصة. الوعي الكامل بهذه العلاقات يمكّن المجتمع من الاستفادة من المعرفة دون الوقوع في فخ التبعية أو الفساد.
الخلاصة:
نحو جيل واعٍ ومجتمع متماسك
إن بناء عقد اجتماعي جديد يبدأ بـ جيل واعٍ يدرك جذور الصراعات، لا مظاهرها فقط. الوعي هو الأداة التي تمكن الأفراد من اختيار قيادات محلية مسؤولة، وتمكّن المجتمع من مواجهة المؤامرات الخارجية والداخلية معًا.
التغيير ليس سهلاً، فهو يحتاج إلى الصبر، المثابرة، والتخطيط طويل الأمد، لكنه ممكن. عندما تتضافر جهود الأسرة، المؤسسات التعليمية، المثقفين، والمواطنين الملتزمين، يمكننا وضع حجر الأساس لمجتمع متوازن، مستقل، وواعٍ، قادر على كسر حلقة الماضي وبناء مستقبل قائم على المعرفة، السيادة، والمسؤولية الوطنية.
* الدكتور خليل كاعين (أستاذ جامعي وباحث، ناشط تنموي و نقابي وبيئي واجتماعي)
كانون الثاني 2026
الخيام | khiyam.com
تعليقات: