المهندس حـسـين خنجر الـعـبدالله: فارس الليطاني.. 6 أعوام على رحيله

الوزير والنائب والسفير السابق  المهندس حـسـين خنجر الـعـبدالله
الوزير والنائب والسفير السابق المهندس حـسـين خنجر الـعـبدالله


تمر علينا هذه الأيام (3 آذار) الذكرى السنوية السادسة لعلم من أعلام لبنان كان من طليعة الرعيل التالي لما بعد رجال الاستقلال، رجل أقل ما يوصف به أنه كان من طراز فريد في العصامية والشفافية، حمل رسالة وطنه وأمته عاليا في مختلف الميادين.

لقد مر علينا 6 أعوام على رحيل الوزير والنائب والسفير السابق المهندس حسين العبدالله، ذلك الفارس الذي أفنى عمره متنقلا بين مختلف مؤسسات الدولة سواء في داخل وطنه أو خارجه، تارة مهندس لمشروع الليطاني العظيم، وطورا مدير في الأشغال العامة، يدخل النيابة لكفائته قبل أرثه العائلي فيمتطي كرسي الوزارة من أوسع أبوابها. وبعدها الى رئيس لمجلس إدارة مصلحة للكهرباء والماء في أحدى المحافظات، ومنها الى عضوية المجلس الأعلى للجمارك، فمديرا عام لوزرة الزراعة. وعندما يضيق به الوطن على إتساعه يتجه الى السلك الدبلوماسي سفيرا بين قارتي أسيا وأفريقيا ممنوعا عليه العواصم الكبرى لأن العصبية الطائفية لم تكن قد تحررت من عقالها حينذاك.

ولد حسين خنجر الحاج حسين العبدالله في الثاني عشر من شهر تموز 1917 في بلدة الخيام – مرجعيون، وكان جده لأمه المرجع المرحوم الشيخ/ عبدالحسين ابراهيم صادق (1862- 1942 ).

المرحوم الوزير والنائب والسفير السابق حسين العبدالله هو سليل آل عبدالله التنوخيين، إحدى عشائر الدوحة التنوخية الاثنتي عشرة التي دخلت الى لبنان بعيد الفتح الاسلامي لبلاد الشام، واستطونت لاحقا في بلدة الخيام – مرجعيون منذ مطلع القرن الثامن عشر.

لقد كان مقدرا للمرحوم حسين العبدالله أن تمر مراحل تعليمه الثلاث عبر مختلف مدارس الوطن بدءاً من المرحلة الابتدائية في جديدة مرجعيون مركز القضاء، ومرورا بالمرحلة المتوسطة في مدارس الفرير بمدينة صيدا، وانتهاء بمدارس الحكمة في بيروت عاصمة الوطن.

بعد إنهاء المرحلة الثانوية، يمم المرحوم حسين العبدالله وجهه شطر باريس العاصمة الفرنسية لإكمال دراساته العليا (1937 - 1942) حيث نال إجازة في الهندسة من معهد الالكتروتكنيك في غرونوبل، ومن ثم أكمل دراساته التخصصية في معهد الدراسة المائية في باريس، وقد اندلعت الحرب الكونية الثانية أثناء وجوده في فرنسا.

تم تعيين المرحوم حسين العبدالله في أوخر عام 1942 مهندسا في المفوضية العليا لفرنسا الحرة في الشرق، وألحق بمشروع مياه الليطاني الذي بوشر بتنفيذه إستنادا الى الدراسات التي كان وضعها المهندس ابراهيم عبدالعال سنة 1933، وأن كان إبراهيم عبدالعال أخذ لقب "أبو الليطاني"، فأن المرحوم حسين العبدالله أستحق بجدارة لقب "حارس الليطاني". فمنذ تلك الأونة عاش والليطاني هاجسه، خوفا على النهر العظيم مما يحيق به من مخططات صهيونية خبيثة، حاثاً مسؤولي الادارات اللبنانية تباعا على تنفيذ المخططات والدراسات الموضوعة للاستفادة القصوى من هذه الثروة المائية سواء لمياه الشفة لسكان القرى والبلدات الواقعة على ضفتيه أو لري مزروعات الأراضي المنتشرة على جانبيه بالاضافة لتوليد الطاقة الكهربائية التي ما زال لبنان يعاني الى وقتنا الحاضر من الخلل في إنتاجها، وحيث ما برح العدو الصهيوني مروجا بأن مياه نهر الليطاني يقذف بها هدرا في غياهب البحر المتوسط، ولا يتم الاستفادة منها.

بين عامي 1946 و 1947 تم انتداب المرحوم حسين العبدالله بمهمة رسمية ولمدة سنة كمستشار للشئون الهندسية لدى الإمام يحي المتوكل ملك المملكة اليمنية حينذاك. حيث وضع العديد من الدراسات والمخططات لتعزيز عمل السدود والقنوات المائية بهدف الاستفادة القصوى من مياه الأمطار المهدورة حينذاك.

وبعد عودته من اليمن تم تعيين المرحوم حسين العبدالله مديرا بوزارة الأشغال مكلفا بمنطقة الجنوب، فأنجز دراسات وافية عن المياه: بحيرات، ضبط المياه، جر المياه، وكيفية تغذية المياه الجوفية. كما تم في عهده تنفيذ مشروع جر مياه نهر الليطاني من تحت جسر الخردلي بإتجاه بلدة الطيبة.

دخل المرحوم حسين العبدالله الى مجلس النواب اللبناني نائب عن محافظة الجنوب في نيسان 1951 الى تموز 1953 منتخبا على القائمة المشتركة لبطل الاستقلال رياض الصلح وزعيم الجنوب حينذاك أحمد عبد اللطيف بك الأسعد.

كما وحدث في عام 1951 أيضا، أن دخلت الى لبنان ما كان يسمى النقطة الرابعة الأميركية من باب المساعدات الأميركية. وكان أن تولى المرحوم حسين العبدالله رئاسة اللجنة النيابية للأشغال العامة. فتقدم بالتعاون مع المهندس إبراهيم عبدالعال بـ "مشروع التوليد الكهربائي المعروف بمشروع الطيبة"، وبعد أن أشبع المشروع درسا وتمحيصا في وزارتي الأشغال والمالية مرورا باللجان النيابية المختلفة تم إدراجه على جدول أعمال الجلسة العامة للمجلس النيابي. وفي صبيحة اليوم الموعود للجلسة يفاجأ المرحوم العبدالله كما فوجىء الكثيرين بأن المشروع تم سحبه نزولا عند رغبة طاقم النقطة الرابعة الأميركية، وكأن حدود لبنان الدولية تنتهي عند الضفة الشمالية للنهر.

في شباط 1952 تم تعيينه وزيرا بحكومة الرئيس الراحل سامي بك الصلح، وهي أخر حكومة في عهد الرئيس الراحل الشيخ بشارة خليل الخوري، فكان أول وزيرا من قضاء مرجعيون يتولى الوزارة من خارج عائلة الأسعد. فتولى وزارتي الأنباء (الأعلام) والبريد والبرق والهاتف (المواصلات). و في شهر أيلول من نفس العام سارع للاستجابة الى هدير الجماهير مقدما استقالته.

بعد حل المجلس النيابي في شهر تموز من عام 1953، أسند الرئيس كميل شمعون للمرحوم حسين العبدالله رئاسة مجلس إدارة مياه وكهرباء كسروان والفتوح، حيث استمر رئيسا للمصلحة الى نهاية العهد الشمعوني.

في مطلع عهد رئيس الجمهورية اللواء فؤاد شهاب (1958 - 1964) عُـين المرحوم حسين العبدالله عضوا في المجلس الأعلى للجمارك. وقبيل انقضاء العهد الشهابي، تم تعيين المرحوم حسين العبدالله مدير عاما بالوكالة لوزارة الزراعة، فأعاد قضية مياه نهر الليطاني الى الواجهة مجددا، وخاصة أن النقطة الرابعة الأميركية كانت رحلت عن لبنان منذ سنة 1961، فأنتهز المرحوم العبدالله فرصة تبني الرئيس كامل الأسعد رئيس المجلس النيابي حينذاك، لقضية مياه نهر الليطاني، مزودا أياه بكل الوثائق والدراسات والأبحاث التي تم إنجازها عن كيفية الاستفادة من مياه النهر العظيم، وبادر الرئيس الأسعد بالطلب من الرئيس شارل الحلو للبدء بتنفيذ المشروع، ولكن رغم كل ذلك فقد ذهبت محاولاته تلك أدراج الرياح كغيرها.

في عام 1966 تم نقل المرحوم حسين العبدالله الى السلك الدبلوماسي كسفيرا من خارج الملاك وعين سفيرا في الجمهورية التونسية (1966 – 1967)، والتي سيعود إليها لاحقا بعد نقل الجامعة العربية الى هناك.

في عام 1967 قرر شاه ايران إعادة العلاقات الدبلوماسية مع لبنان بعد فترة انقطاع طويلة، فأنتهز رئيس الوزراء الراحل رشيد كرامي حينذاك الفرصة واستدعى السفير حسين العبدالله من تونس وطلب منه التوجه فورا الى ايران سفير فوق العادة (1967 – 1970)، بالاضافة الى تكليفه سفيرا غير مقيم لدى مملكة أفغانستان.

في عام 1970 عاد السفير حسين العبدالله الى الادارة المركزية بوزارة الخارجية بعد أن قطع شاه ايران العلاقات الدبلوماسية ثانية مع لبنان نتيجة لإعتقال لبنان للجنرال المعارض تيمور بختيار ورفض لبنان القاطع تسليمه لإيران.

وفي خريف عام 1972، تم تعيين السفير حسين العبدالله سفيرا لدى نيجيريا، كما كلف بمهام سفيرا غير مقيم في كل من الكاميرون وغينيا الاستوائية وأفريقيا الوسطى وغيرها من دول الجوار الأفريقية.

وتصادف مطلع وصول السفير العبدالله الى نيجيريا، مع بدأ حملة ترشيح اللبناني ادورد صوما لرئاسة منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة الدولية (الفاو) وكان المرشح النيجيري هو المنافس الرئيس له، فطلب رئيس الجمهورية سليمان فرنجية من السفير العبدالله بذل قصارى جهده في هذا الأمر، فكان ذلك أبلغ اختبار لمدى كفاءته الدبلوماسية عندما أستطاع أقناع السلطة الحاكمة في نيجريا بسحب مرشحها وتحقق حينذاك الفوز للسيد ادورد صوما برئاسة (الفاو).

في مساء يوم الجمعة 28 نيسان 1978 أمتدت يد الغدر والخيانة لتخطف غيلة حياة شقيقه الأكبر وتوأم روحه شهيد السلك الدبلوماسي اللبناني السفير الراحل المرحوم حسيب خنجر العبدالله (1915 – 1978)، حيث كان لاستشهاد شقيقه أمام منزله في بيروت الأثر الأليم في نفس المرحوم حسين العبدالله والتي ما برح يذكره بأسى ولوعة طيلة البقية الباقية من حياته.

في صيف عام 1978 تم تعيين السفير حسين العبدالله سفيرا لدى مصر ومندوبا دائما لدى جامعة الدول العربية، وقد عاصر السفير العبدالله في تلك الفترة العصيبة التداعيات التي أعقبت اتفاقية السلام المصرية مع الكيان الصهيوني، مما حدا بالدول العربية الى قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر والانتقال بالجامعة العربية الى تونس فأنتقل معها السفير العبدالله كونه مندوب لبنان الدائم لدى الجامعة العربية، ثم تم تثبيته لاحقا سفيرا في تونس بعد شغور المنصب بالاضافة الى كونه مندوبا لدى الجامعة العربية، وكانت هذه المرة الثانية التي يُـعتمد بها سفير للبنان لدى تونس بعد المرة الأولى (1966 – 1967).

في صيف عام 1983 أحيل السفير حسين العبدالله الى التقاعد لدى بلوغه السن القانونية فأنتقل الى العيش في فرنسا، حيث تقيم عائلته، بعد عطاء حافل في مختلف الميادين سواء على المستوى الاجرائي مهندساً منفذا او على مستوى السلطة التنفيذية وزيراً للخدمات، أو برلمانياً مشرعا ومراقبا بالسلطة التشريعية، او رئيسا للبعثة الدبلوماسية بين قارتي آسيا وأفريقيا، فلم يتوانى أو يتقاعس قيد أنملة عن القيام بواجبه، محافظا على المناقبية التي درج عليها وحملها عاليا.

وفي العشرين سنة الأخيرة، لم يشغل بال المرحوم حسين العبدالله إلا همّ نهر لبنان العظيم "الليطاني"، فكرس له جلّ وقته، فتارة نراه ضيف في حلقة حوار تلفزيونية، وطورا نشاهده مشاركا بندوة مياه تخصصية، وحينا يكون منظما لمؤتمرا صحفيا في نقابة المحررين، وأحيانا مدليا بتصريح صحفي لإحدى وسائل الأعلام. هذا بالاضافة الى نشره كتابه بعنوان "من ذكرياتي" بتاريخ 25 كانون الثاني 1995، يشرح فيه وجهة نظره بمشروع الليطاني بأكمله بدءاً من عهد الانتداب وانتهاءا بالمرحلة الراهنة.

المرحوم حسين العبدالله تزوج من السيدة زينات قباني وأنجب منها ولدين/ الدكتور خنجر وابل ويعمل حاليا مستشار لدى صندوق النقد الدولي في باريس، وكان قد عمل في مطلع التسعينات مستشارا لدى المصرف المركزي في لبنان، والابن الأخر طـلال ويعمل في مجال إدارة الفنادق في فرنسا، وكان قد عمل مديرا لفندق ومنتجع شيراتون أبوظبي في فترة الثمانينات.

عاد المرحوم حسين العبدالله الى لبنان في بداية التسعينات بعد أفول نجم الحرب الأهلية المجنونة، وأكمل البقية الباقية من حياته متنقلا بين باريس وبيروت الى أن وافاه الأجل المحتوم في باريس صباح يوم الاثنين 3 آذار 2003.

إعداد: الحاج/ أحمد مالك عبدالله

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.