المطبخ الخيامي عاد لأصالته مع عودة موسم التسليق

عادت الأمطار الى الهطول في المدة الأخيرة، حاملة معها الأمل والبسمة الى قلوب المزارعين ومحبّي الطبيعة على حدٍ سواء، بعدما كانت قد انحبست طويلاً وجفّت الأراضي الزراعية مخلفة كآبة في النفوس..

لقد عادت فجأةً، وبقدرة قادر، للهطول غزيرة وبشكل مطوّل، فصحّ القول "بيّضها شهر شباط!".

لكل نبتة بريّة خصائصها:

إرتوت الأرض ونمت الحشائش البريّة في حقولنا وارتدت المروج رداءها الأخضر، فصار كلما صحا الجو قليلاً يتداعى الكثيرون للخروج على شكل مجموعات إلى الحقول وتمضية ساعات في أحضان الطبيعة للتسليق وجني الخيرات الطبيعية الخالية من أي مواد كيميائية.. وفي السهرات واللقاءات يتباهى هؤلاء بما جنت أيديهم ويتبادلون أطراف الحديث حول ما شاهدوه في البريّة وما واجهوه.

النباتات البرية المفيدة التي نسلقها في هذه الأيام كثيرة، وهي التي تعيد المطبخ الخيامي لأصالته، ولكل نبتة خصائص غذائية وصحية ومذاق يميّزها عن غيرها..

وأهمها:

العلت (أو الهندباء البرّية)، الدردار، قرص العنّة، الصيفي، كف العريس، العكّوب (أو شوك النصارى)، الكراث، الخبيّزة، المسيّكة، الحمّيضة ، الشومر ، كعب الغزال، الحشي مشي، الفرفحين البرّي، الزعتر، الرشد البرّي إضافة إلى الهليون والفطر... وعلى ضفاف السواقي ينبت الجرجير والقرّة وحبق المياه.

أكثر ما أحببت بين هذه النباتات هي الدردار، شكلها جميل جداً ويمجّد الخالق (كأنها مرسومة هندسياً بدقة) بعد اكتمال المرحلة الأولى من نموها تنبت شوكة "بشكل نجمة" في وسطها فتزيدها جمالاً، مذاقها رائع خاصة في "العصورة" وهي غنية بالألياف.

أما أكثر ما أكره فهو العكّوب، لا نسلم من وغز أشواكه عند اقتلاعه أو حمله أو تنظيفه، يأخذ حجماً ووزناً عند نقله ولا يبقى منه إلا القليل بعد تنظيفه! لم أجد شيئاً مميزاً في مذاقه.. ولا أعلم لماذا يرغبه الكثيرون!

هواية رياضية وتعارف:

عملية التسليق أصبحت هواية رياضية لدى الكثيرين لأنها تجعل المشاركين فيها يمشون ساعات في الطبيعة، دون أن يغلبهم إحساس التعب ودون أن يشعروا بمرور الوقت، إذ تكون عملية البحث عن النباتات قد امتلكت كامل تفكيرهم وتركيزهم.

وقد أتاحت لنا عمليات التسليق في سهل المرج اللقاء مع الكثير من أبناء بلدات جديدة مرجعيون والقليعة وبرج الملوك ودبين، والتعارف من خلال تبادل الخبرات والمعلومات.. كما أن عمليات التسليق في مناطق سرده والعمرة والوطى والميسات والوزاني وغيرها أتاحت لنا فرصة التعارف على أناس آخرين..

سياحة بيئية:

بعض الخياميين صاروا يتعمدون المجيئ من بيروت في عطلة نهاية الأسبوع وأيام الأعياد من أجل التسليق.. بالنسبة لهؤلاء غدت عملية التسليق "سياحة بيئية" لأنها مبنية على نشاط السفر بهدف الترفيه، والخدمات المتعلقة بهذا النشاط متوفرة وهي لا تتطلب اإلا القليل من العناء والإحتياجات (حمل كيس وسكين واستبدال الأحذية والثياب بملابس قديمة). والسائح هو ذلك الشخص الذي يقوم بالإنتقال لغرض السياحة لمسافة ثمانين كيلومترا على الأقل من منزله وتوفير الخدمات العائدة لهذا النشاط (حسب تعريف منظمة السياحة العالمية التابعة لهيئة الأمم المتحدة).

والسياحة البيئية ما هى إلا متعة طبيعية.. إنها متعة بكل شىء طبيعى نراه حولنا فى البيئة البرية. وهي الإنتقال إلى مناطق طبيعية لم يطالها التلوث ولم يتعرض توازنها الطبيعى إلى الخلل، مما يزيد من قيمة اللاستمتاع بمناظرها ونباتاتها وطيورها، وهي أنشطة تعتمد على الطبيعة فى المقام الأول بمناظرها الخلابة.

الذين يتعذر عليهم التسليق:

بعض أبناء المنطقة، بمن فيهم المقيمون خارجها، إذا تعذر عليهم التسليق لسبب أو لآخر، لا يتوانون عن شراء النباتات البريّة سواء من داخل البلدة أو عند عودتهم خلال مرورهم بمنطقة الخردلي حيث تنتشر البسطات على امتداد الطريق وصولاً إلى الزهراني.

وبعض المحظوظين تصلهم النباتات هدية مجانية أو هبات من أقاربهم ومن أصدقائهم أو جيرانهم الذين يهوون التسليق ويمارسونها بشكل شبه يومي، كما هي الحال مع أبو فؤاد ابراهيم عواضة (أبونا)، إذ أن جيرانه ومعارفه فعلاً محظوظون..

المشكلة مع الجيل الجديد

ما يحزّ في النفس أن كميّات النباتات التي نسلّقها لا تجد من يأكلها إلا كبار السّن، الذين يقدّرون لذتها وقيمتها الغذائية، بينما يعزف الشبان والأطفال عن تناولها (إنهم جيل الهمبرغر والكاتشاب والمايونيز)..

فالطعام المطبوخ في المنزل لا يعني الجيل الجديد بشيئ، بالأخص الطبخات المرتكزة في مكوناتها على النباتات البريّة الموسمية التي يشتهر بها المطبخ الجنوبي والتي درج أهلنا على إعدادها، مما يدعو إلى ضرورة تغيير النمط الغذائي المتبع لدى شبابنا وترويضهم على الغذاء الصحّي، أو ما يسمى بالحمية الغذائية، والذي طالما اعتدنا عليه في المنطقة وتمتعنا بمذاقه وفوائده الصحيّة، وكلفته المتدنية.

* رئيس منتدى المرج للتنمية وحماية البيئة

ألبوم صور النباتات البريّة في منطقتنا

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.