السياسة.. والحشيش

الأفيون بات فاعلا في العلاقات الدولية ومصدر تمويل التنظيمات المتطرفة
الأفيون بات فاعلا في العلاقات الدولية ومصدر تمويل التنظيمات المتطرفة


أطلق عليه البعض «واهب السعادة» و«مخفف الأحزان» .. ومن أشهر أنواعه «القنب» وهي كلمة لاتينية معناها «ضوضاء»..

الأفيون بات فاعلا في العلاقات الدولية ومصدرا للتوتر بين الدول وتمويل التنظيمات المتطرفة..

واشنطن:

«صداع أسمه الأفيون».. هكذا يشعر العالم. فالمشاكل الملتهبة في العالم باتت مرتبطة بطريقة أو بأخرى بتجارة الأفيون. أفغانستان أبرز مثال. فهذا البلد الذي تزرع غالبية أراضيه بالأفيون، وتذهب عوائد بيعه إلى حركة طالبان، هذا البلد على وشك الانهيار، وإذا انهار، فإن أمن النظام العالمي كله سيصبح مهدداً. أميركا التي تمر في مزاج جيد هذه الأيام بعد انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما تعكر مزاجها مع المكسيك بسبب تزايد تهريب المخدرات على الحدود، ذهبت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى هناك لبحث الأزمة، وأوباما نفسه سيذهب الشهر المقبل. الصومال، الذي تجاوز حالة انهيار الدولة إلى حالة غياب الدولة، شهدت شوارعه مواجهات بين مئات الصوماليين وبين حركة الشباب المؤمن التي قررت منع تجارة الأفيون. أما الأخطر فهو أن بعض الحركات أو التنظيمات السياسية باتت تستخدم تجارة الأفيون لتمويل أنشطتها، وهناك تقارير رددت أن حزب الله اللبناني يستفيد من تجارة المخدرات في أميركا اللاتينية. يطلق على المناطق التي يزرع فيها الحشيش «المناطق المخضرة» وهي تشمل عدة دول في وسط آسيا وتركيا وشمال أفريقيا، وعدداً من دول أميركا اللاتينية خاصة كولومبيا. ويعود تاريخ «النبتة الخضراء» إلى سنوات الحضارات القديمة. ويقول الدكتور مصطفى سويف في كتابه حول المخدرات «في تراث الحضارات القديمة آثار كثيرة تدل على معرفة الإنسان بالمواد المخدرة منذ تلك الأزمنة البعيدة، ووجدت تلك الآثار على شكل نقوش على جدران المعابد أو كتابات على أوراق البردي المصرية القديمة أو كأساطير مروية تناقلتها الأجيال. ونقش الإغريق صوراً لنبات الخشخاش على جدران المقابر والمعابد». عرفت الشعوب القديمة الحشيش وصنعوا من أليافه الحبال والأقمشة، أطلق عليه الصينيون اسم «واهب السعادة» وأطلق عليه الهندوس «مخفف الأحزان». وفي تلك الأزمان الغابرة كان الحكام هم الذين يحمون تجارة المخدرات. ومن أشهر أنواع الحشيش «القنب» وهي كلمة لاتينية معناها «ضوضاء»، وسمي الحشيش بهذا الاسم لأن متعاطيه يحدث ضوضاء بعد أن تصل المادة المخدرة إلى ذروة مفعولها. وعرفت منطقة الشرق الأوسط الحشيش في القرن الحادي عشر الميلادي، حيث استعمله قائد القرامطة في آسيا الوسطى حسن بن صباح، وكان يقدمه مكافأة لأفراد مجموعته البارزين، ومنذ ذلك الوقت عرف باسم الحشيش، وأطلق على هذه الفرقة الحشاشين. وعرفت أوروبا الحشيش في القرن السابع عشر عن طريق حركة الاستشراق التي ركزت في كتاباتها على الهند وفارس والعالم العربي، ونقل نابليون بونابرت وجنوده بعد فشل حملتهم على مصر في القرن التاسع عشر هذا المخدر إلى أوروبا. وكانت معرفة الولايات المتحدة الأميركية به في بدايات القرن العشرين، حيث نقله إليها العمال المكسيكيون الذين وفدوا إلى العمل داخل الولايات المتحدة. وعرف العرب الأفيون منذ القرن الثامن الميلادي، ووصفه ابن سينا لعلاج التهاب غشاء الرئة الذي كان يسمى وقتذاك «داء ذات الجُنب» وبعض أنواع المغص. وفي الهند عرف نبات الخشخاش والأفيون منذ القرن السادس الميلادي، وظلت الهند تستخدمه في مبادلاتها التجارية المحدودة مع الصين إلى أن احتكرت شركة الهند الشرقية التي تسيطر عليها إنجلترا في أوائل القرن التاسع عشر تجارته في أسواق الصين. وقاومت الصين إغراق أسواقها بهذا المخدر، فاندلعت بينها وبين إنجلترا حرب عرفت باسم «حرب الأفيون» انتهت بهزيمة الصين وتوقيع معاهدة نانكين عام 1843 التي استولت فيها بريطانيا على هونغ كونغ، وفتحت الموانئ الصينية أمام البضائع الغربية.

وعرفت أميركا اللاتينية الكوكايين قبل أكثر من ألفي عام ومنها انتشر إلى معظم أنحاء العالم، ولا تزال هذه القارة أكبر منتج له حتى الآن. ويستخرج الكوكايين من نبات الكوكا الذي ينتشر في أميركا الجنوبية منذ أكثر من ألفي عام. وشرع في استعماله في صناعة الأدوية نظراً لتأثيره المنشط على الجهاز العصبي المركزي، ولذا استخدم بكثرة في المشروبات الترويحية وبخاصة الكوكاكولا، لكنه استبعد من تركيبتها عام 1903، وروجت له بقوة شركات صناعة الأدوية وكثرت الدعايات التي كانت تؤكد على أن تأثيره لا يزيد على القهوة والشاي. وانعكس التاريخ الطويل لزراعة الكوكا في أميركا اللاتينية على طرق مكافحته فأصبحت هناك إمبراطوريات ضخمة تنتشر في البيرو وكولومبيا والبرازيل لتهريبه إلى دول العالم، وتمثل السوق الأميركية أكبر مستهلك لهذا المخدر في العالم. وقال جو بايدن نائب الرئيس الأميركي بعد زيارة قام بها إلى أفغانستان في يناير (كانون الثاني) إن القوات الأميركية وقوات حلف الناتو في أفغانستان لن تواجه فقط حركة طالبان وتنظيم القاعدة، بل كذلك تجار وتجارة الأفيون أو «الخشخاش»، وكانت هذه أول مرة يقول فيها الأميركيون إنهم سيستهدفون بالقصف والضرب مزارع الخشخاش وزارعي الخشخاش خلال حربهم على طالبان. ولعل من المفارقات أن أول احتكاك جدي بين القوات الأميركية في عهد الإدارة الديمقراطية الحالية لم يكن مع «إرهابيين» أو مع «أحد الأنظمة المارقة» تبعاً لتصنيف إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، بل مع «عصابات» تهريب المخدرات على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة. هذه الاحتكاكات هي التي أجبرت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون على القيام بزيارة لم تكن مبرمجة إلى المكسيك، بل إن الرئيس الأميركي نفسه سيزور المكسيك في منتصف أبريل (نيسان) المقبل، وسيكون الملف الأول على طاولة المفاوضات هو «المخدرات». وقبل سفر كلينتون إلى المكسيك أعلنت واشنطن أنها سترسل تعزيزات أميركية إلى الحدود المكسيكية لمنع اتساع أعمال العنف التي تثيرها عصابات المخدرات والحد من عمليات تهريب المخدرات. وأوضح البيان أيضاً أن الوكالة الأميركية لمكافحة تهريب المخدرات والمكتب الفيدرالي الأميركي للكحول والتبغ والأسلحة النارية سيكون لهما أيضاً المزيد من العناصر، مشيراً إلى أنه سيتم إنشاء مكتب خاص للشرطة الفيدرالية لتنسيق كل الأنشطة المتعلقة بالمكسيك.

وقد تقاطعت المخدرات دائماً مع السياسة. من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا ومن آسيا إلى أوروبا، إلى الحد الذي اضطرت فيه واشنطن لخطف رئيس دولة من بلاده ونقله إلى سجن في الولايات المتحدة. وتلخص قضية رئيس بنما الأسبق مانويل نورييغا، قصة تقاطع المخدرات مع السياسة. ففي عام 1988 أصدرت محكمة في فلوريدا حكماً ضد نورييغا بتهمة تهريب أطنان من المخدرات من كولومبيا إلى الولايات المتحدة، أضاف إليها البيت الأبيض في حينه تهماً بانتهاك حقوق الإنسان. ومما برر به جورج بوش الأب اجتياح بنما كون حياة الأميركيين هناك في خطر ولأن قناة بنما مياه دولية بالإضافة إلى محاربة المخدرات. أسر نورييغا ونقل إلى الولايات المتحدة حين غزت الأخيرة بنما قبل 17 عاماً. والمفارقة أن نورييغا كان من حلفاء واشنطن المقربين في عهد رونالد ريغان، حيث كان ينظر إليه كحليف مهم في الحرب ضد الشيوعية وتهريب المخدرات في المنطقة. وكان يفترض الإفراج عن نورييغا في صيف العام قبل الماضي من سجنه الأميركي «نظراً لحسن سلوكه» كما قيل. لكن محكمة أميركية حكمت بتعليق تسليمه إلى فرنسا حيث يواجه حكما بالسجن 10 سنوات بتهمة تبييض أموال، وهو يبلغ من العمر حالياً 74 عاماً.

وفي تقرير أخير أصدرته الأمم المتحدة قالت إنه من المتوقع أن تزيد نسبة زراعة نبات الخشخاش الذي ينتج منه مادة الأفيون المخدرة بنسبة 59 في المائة العام الحالي في أفغانستان. وأوضحت المنظمة الدولية أن هذه الزيادة تعني أن أفغانستان ستقدم 92 في المائة من استهلاك العالم من الأفيون. وقال مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة إن محصول الأفيون سيصل إلى 6100 طن. وأضاف أن النسبة الأكبر من الزيادة ستأتي من جنوب البلاد التي تخضع لسيطرة حركة طالبان. وفي الوقت نفسه انطلقت تحذيرات من أن أفغانستان «يمكن أن تنهار بسبب مشكلة المخدرات». وتدر تجارة الأفيون 2.7 مليار دولار على أفغانستان وهو ما يمثل ثلث الاقتصاد الأفغاني. وقال تقرير مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة ومقره فيينا إن محصول الخشخاش في إقليم هلمند والذي يشدد فيه مسلحو طالبان هجماتهم على القوات الدولية ارتفع بنسبة 162 في المائة مقارنة بالعام الماضي. وأوضح التقرير أن ستة أقاليم فقط من أقاليم أفغانستان الـ 34 خالية من الأفيون. وقال أنطونيو ماريا كوستا مدير المكتب عقب تسليمه التقرير إلى الرئيس الأفغاني حميد كرزاي «هذه الأرقام تنذر بالخطر، وأفغانستان مكبلة بالمخدرات». وأضاف أن جنوب أفغانستان يظهر بوادر الانهيار. وأوضح التقرير الدولي أن المشكلة تزيد أيضاً في شمال شرق البلاد حيث يوجه اللوم عادة إلى ضعف السلطات هناك. وقال كوستا إن «الرأي العام يزداد إحباطاً بسبب حقيقة أن زراعة الخشخاش في أفغانستان أصبحت خارج السيطرة». وأضاف أن «الاستثمارات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تقوم بها دول التحالف في أفغانستان ليس لها تأثير ملحوظ على انتشار زراعة الخشخاش». ودعا كوستا الرئيس كرزاي إلى تشديد القوانين الخاصة بمكافحة إنتاج المخدرات، وربما يساعده على ذلك وجود برنامج موسع يهدف إلى تدمير مزارع الخشخاش وتدريب المزارعين على زراعة أنواع أخرى من النباتات يجري حالياً في أفغانستان ويستمر لمدة عامين.

وقد ارتبطت تجارة المخدرات في أميركا اللاتينية وأفريقيا، بتمويل حروب العصابات وفي بعض الأحيان بالانقلابات، حيث تشكل بيئة حرب العصابات والفوضى المسلحة «الملاذ الآمن» لتجار المخدرات، خاصة في أميركا اللاتينية، حين أصبحت هذه العصابات لا تتحكم فقط في الحياة التجارية بل أيضاً في الحياة السياسية، وهو ما جعل كثيرين في أميركا يعتقدون أن الحرب المقبلة ستكون هي «حرب المخدرات» وليس «حرب الإرهاب»، ومؤشراتها الآن بدأت مع احتكاكات الحدود الأميركية المكسيكية.

تعليقات: