عصام العبدالله: البستانيّ الذي تحدّى إبنة الملكة

عصام العبدالله  ( تصوير بلال جاويش)
عصام العبدالله ( تصوير بلال جاويش)


هو من آل العبدالله في الخيام، لكنَّه ولد في أنطلياس لأنَّ والده العسكري كان مضطراً للتنقل. الميل إلى الأدب جاءه من الوالد البارع في كتابة «الرديَّات». عاش طفولته في صيدا، ثم في بيروت بعد استقرار العائلة في منطقة برج أبي حيدر عام 1948. يتذكَّر عصام أنّه اضطر لتعلُّم اللهجة البيروتية بسرعة «لأن لهجتنا الريفية كانت مثار تندُّر. كنا مهابين ومحميين بسبب عمل الوالد في الشرطة، وكان بيتنا ينتقل إلى الخيام في اللحظة التي نغلق فيها بابه».

الشعر والسياسة تقاسما طموحاته. الشاب المتحمس للعروبة وجد نفسه في «حزب البعث» عام 1958. راح يكتب بالفصحى قصائد مقاتلة وملتزمة، موزونة ومقفّاة، متأثراً بسليمان العيسى ويوسف الخطيب وهارون هاشم رشيد، ويلقي بعضها في ذكرى تأسيس البعث. ترك البعث عام 1963. أعادته هزيمة حزيران إلى السياسة، إنما من باب الماركسيّة هذه المرة. «خسر الفكر العروبي وربح الفكر الأممي»، يقول ضاحكاً. ويضيف: «وجدت نفسي في «منظمة العمل الشيوعي» مثل كل أصدقائي البعثيين». كان بارعاً في تأليف الهتافات وقيادة التظاهرات: «لم أمشِ على قدميّ في تظاهرة، كنت دوماً محمولاً على الأكتاف». ترك العمل الحزبي وهجر الشعر عشرين عاماً، وحين عاد، كتب بالمحكيّة. يعزو صاحب «قهوة مرة» ذلك إلى إصابته بنزعة هيام قوية بلبنان: «المحكية أتت من شعوري بأن أحداً ما يريد سحب لبنان من تحت قدميّ، كانت انتقاماً من موقفي العروبي والأممي الذي كان يعني تجاهل الانتماء الوطني».

يدرك عصام العبد الله أنَّ شعراء المحكية قلة، وجمهورها أقل من الفصحى، لكنَّه لا يرى وجاهةً في التفريق بين الشعرين. المحكية، في رأيه، أصعب من الفصحى: «أنا أتحدَّى ابنة الملك بابنة البواب، وأدخل بها إلى الحفلة الملكية وأجد لنا مكاناً في صدر القاعة، لأن رفيقتي أحلى وأكثر أناقة، بينما ابنة الملك لها مكانها المحجوز مسبقاً». إذا قلت له إنَّ المحكية لا يوجد فيها أجيال بل تجارب متفرقة، فسوف يجد في ذلك صفة إيجابية: «أنا أفضِّل أن أدبَّ في الفراغ وأدعس في الأرض البور. هناك أُقيم بستاني. المحكية هي بستاني الذي زرعته وسقيته وقلَّمته فشعشع بين يدي».

رغم أهمية الشعر في حياته، إلا أنه ينظر إلى نفسه كساخر كبير يتغذّى من مخيّلته وسرعة بديهته في الحياة اليومية: «عندما دفنتُ المناضل السياسي والحزبي، صارت الدنيا أمامي حقلاً رائعاً من السخرية المجلجلة. لا يهمني أن أمشي كشاعر أو أضحك كشاعر. يهمُّني أن يُقال إنَّ الشعر هو جزء من شخصيتي». مع ذلك، يواصل دفاعه عن المحكية، ويذكّرنا بأن ديوان «جلنار» لميشال طراد صدر عام 1951، أي بالتزامن مع بداية الحداثة في الشعر العربي الفصيح، وأنَّ النوعين قاما على الطبيعة والغنائية، ثم خرجا من هذه الدائرة. «الرحابنة منحوا المحكية غلالة شفافة من الأفكار، ثمَّ انحرفت نحو العميق في النفس الإنسانية مع طلال حيدر».

في هذا السياق، لا يقرُّ عصام العبد الله بالقصيدة اللبنانية كأصلٍ وحيد لتجربته: «أصل قصيدتي هو القصيدة العربية الفصيحة، فضلاً عن الشعر العالمي الذي قرأته مترجماً وبالفرنسية. هذا أعطاني انزياحاً وفتح القصيدة على دلالات واسعة».

يُرفق العبد الله دواوينه بكاسيتات تضمُّ القصائد مسجَّلة بصوته مع موسيقى لزياد الرحباني. علاقته بزياد تعود إلى عام 1979، حين عملا معاً، زياد وجان شمعون وهو، في الإذاعة اللبنانية. «زياد وضع موسيقى ديواني الأول «قهوة مرَّة» عام 1982. كنت أقرأ وأسجل بصوتي، ويشتغل هو على الموسيقى، واستمرَّ ذلك لاحقاً».

نشر العبد الله ثلاثة دواوين فقط، لكنه يشعر بأنه أسرفَ في الشعر: «عدد الكلمات في دواويني الثلاثة لا يتجاوز الألف، لكنِّي رميتُ من رأسي مئات آلاف الكلمات لأحصل على زبدة القول». القريبون من عصام العبد الله يعرفون أنه حكَّاءٌ بارع. كأنه خارج من تراثٍ شفوي ضخم. لعلَّ تفضيله للمحكية موجود هنا. الجلوس في المقهى تحوَّل إلى ميدانٍ لاستعراض فنِّه الشخصي في المسامرة. لذلك يسمِّي الجلسة الشهيرة التي واظب عليها سنوات طويلة في «كافيه دو باري» «ساحة الضيعة التي يجتمع فيها الأصدقاء والأقل صداقة، اللطفاء والثقلاء، الأسخياء والبخلاء... وعلى كل واحد أن يجد لنفسه مكاناً».

لا يزور عصام العبد الله البيوت إلا لأداء واجب اضطراري: «المقهى هو المكان الوحيد الذي تكون فيه حراً. تسكت أو تحكي. تسمع أو لا تسمع. أنا مقيم في المقهى لأني مقيم في حريتي». بعد إقفال «كافيه دو باري»، افتقد المارُّون على رصيف الحمراء ذلك المشهد اليومي المتكرر كل ظهيرة. العبد الله نفسه بدا أشبه بملك أُزيح عن عرشه وطُرد من مملكته، وغالباً ما كان يُشاهد، قلقاً ومتعكر المزاج، في المقاهي التي استُجدَّت أخيراً في الحمراء، إلى أن استقر في مقهى «الروضة» البحري: «تشرَّدت كثيراً. جرَّبتُ عدة مقاهٍ، بل جرَّبنا أنا وقبيلتي. لستُ شيخها لكني أحد ثوابتها». يتواضع العبد الله في تحديد مكانته في الجلسة، لكنّ الجميع يعلم أنّه حجر الزاوية فيها. أحياناً كان يغيب مضطراً، فتفقد الجلسة روحها، حتى إنّ بعض رواد الجلسة كانوا يتابعون طريقهم حين لا يجدونه في مكانه المعتاد.

رغم اقترابه من السبعين، يُبدي عصام العبد الله فتوّةً وحماسة تظهران في إقباله على الحياة وتفنّنه في السخرية والنكتة وإشعال النمائم المحببة في المقهى. وضع الأطباء «راسّورين» في قلبه، إلا أنه لم يغير عاداته اليومية. يدخن ويشرب ويسهر كشابّ في ريعانه. يقول إنّه يثق بجسده: «لا أخاف الموت، لكنَّ الموت سكوت... أنا أخاف من السكوت».

5 تواريخ

1941

الولادة في أنطلياس، شمالي بيروت

1958

انتسب إلى «حزب البعث»، وتركه بعد خمس سنوات

1967

انتمى إلى «منظمة العمل الشيوعي»، وتركها بعد أربع سنوات

1982

صدور ديوانه الأول باللغة المحكيّة بعنوان «قهوة مرة»

2009

صدور ديوان «مقام الصوت» (دار النهضة)، مرفقاً بكاسيت تضمّ قصائد مسجلة بصوته، وموسيقى لزياد الرحباني

تعليقات: