الاسلام وثقافة الحياة


ليس غريبا أن تلتبس الأحكام وتتعدد الاتجاهات النقدية عند قراءة المفاهيم والنظريات والإيديولوجيات، خصوصا إذا كانت القراءة سطحية اولية لا تنفذ إلى العمق وتفتقر الى كثير من التحليل والتأمل والمقارنة. ولبالغ الأسف فإن ما يعزز النظرة المغلوطة تلك هو الفهم العام والممارسة الجماعية والتي تنحرف عن جوهر النظرية ومنطلقاتها ومقاصدها وتتجه بها في منحى مغاير وممارسة غريبة عنها من حيث الحقائق والأبعاد والغايات.

وهذا بالفعل ما مني به الاسلام على يد بعض التيارات والمذاهب التي ذهبت به في غير اتجاهه الصحيح وأضفت عليه شروحات وتفسيرات وتأويلات لا تنسجم مع روحه وحقيقته، وقد ساهم المروجون لهذه التيارات والمذاهب في إسقاط تفسيراتهم وآرائهم على العامة التي تلقفتها تلقف المسلمات، فتحولت إلى سلوك وممارسة رسخت صورة التشوه وحولتها إلى حقيقة يحاكم الإسلام على أساسها.

ولعل من المسائل التي تعددت فيها الإجتهادات والآراء و كثرت حولها الأقاويل والتأويلات هي مسألة الإسلام ونظرته الى الحياة الدنيا، وأي موقف أراد الاسلام للإنسان المسلم أن يتخذه حيال علاقته وارتباطه بالدنيا وشؤونها ومتعلقاتها وملذاتها.

وبعيدا عن سرد الآراء المتباينة وحجج أصحابها وبراهينهم، وفي نظرة جلية وواضحة لظاهر الآيات القرآنية الكريمة وللسنة النبوية الشريفة التي تبتني على قول المعصوم وفعله وتقريره، فإن المستفاد بما لا يقبل الشك والتأويل أن الإسلام لم ينظر الى الدنيا نظرة سلبية مطلقة، ولم يدع معتنقيه واتباعه الى البراءة من الدنيا والزهد فيها بمعنى تركها والتخلي عنها، ولم ينظر الى من حاز على شيء من زينتها أو متاعها نظرة ريب أو جحود.

نعم قد يعترض البعض على هذه النتيجة مستدلا بما لا بأس به من الآيات التي تذم الدنيا وتحذر منها وتدعو الى التخلي عنها والبراءة منها، أذكر على سبيل المثال قوله تعالى : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ / ال عمران 14 } وقوله تعالى : {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ / الأنعام32 } وقوله تعالى : {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً / الكهف45 } وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ/ فاطر5 } أضف إلى الآيات الكريمة ما ورد من النصوص الشريفة عن النبي الأكرم (ص) والعترة من آل بيته عليهم السلام في ذم الدنيا والتخلي عنها والرغبة في طلب الآخرة فعلى سبيل المثال ما ورد عن رسول الله (ص) أنه قال :" الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. "

وعنه (ص) : إن في طلب الدنيا إضرارا بالاخرة و في طلب الآخرة إضرارا بالدنيا، فأضروا بالدنيا فإنها أولى بالاضرار. وعن الإمام علي بن أبي طالب (ع) :"إن من أعون الاخلاق على الدين الزهد في الدنيا."

وبالجمع بين ظواهر الآيات والنصوص فإن المعترض يدعي امتلاك الحجة على مدعاه في ضرورة التخلي عن الدنيا كشرط لنيل الآخرة. وإن الانتماء الحقيقي للإسلام لا يتأتى الا بالتخلي التام عن مباهج الدنيا وزينتها.

ومما لا شك فيه فإن الالتباس الذي وقع به المعترض ومن ذهب مذهبه في فهم الآيات والنصوص واضح وجلي لان هذه الآيات والنصوص لو أخذت على ظاهرها واطلاقها لكان المستفاد منها أن على الإنسان المسلم الذي يطلب الآخرة أن لا يقرب أي نعمة من نعم هذه الدنيا، سواء أكان ذلك بالوجه المحلل أو المحرم وأن عليه أن يلتزم ظاهر الحديث الشريف :"في حلالها حساب وفي حرامها عقاب. " وهذا متعارض مع صريح الآيات والروايات التي دعت المؤمن بالله أن يأخذ نصيبه من الدنيا وأن يعيش فيها ويتنعم بنعمها.

{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ /الأعراف32 }، {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ /القصص77 }

أما في الأحاديث الشريفة فعن رسول الله (ص) قال: حببت إليّ من الدنيا ثلاث: النساء والطيب، وجعلت قرّة عيني في الصلاة.

وعن الامام علي (ع) : ان الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها. مسجد احباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر اولياء الله. أكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة

وعنه (ع) : إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.

من هنا فان الموازنة بين الآيات والأحاديث المتقدمة تقتضي الخروج بنتيجة منطقية وهي أن النهي الوارد عن طلب الدنيا انما هو نهي عن طلبها بالطرق والوسائل المحرمة وغير المشروعة، الطلب الذي يكون بمعنى الإنكباب على الدنيا واللهث وراء شهواتها الرخيصة والعبودية المطلقة لها بما يكون على حساب الآخرة، وبما يسقط الانسان من مصافي الانسانية السوية المتميزة بالعقل الى مهاوي البهيمية التي تخضع تحت وطأة الغرائز والرغبات، وعليه فإن طلب الدنيا بالحلال والتنعم بما هيأه الله للإنسان في هذه الحياة بالطرق المشروعة لا يمكن أن نضعه في دائرة المحرمات ولا يجوز لنا أن نتهم من أوسع عليه في رزقه أو حباه الله بنعمه بالفسوق والعصيان، أو التكبر والتجبر في الأرض. اننا في الحقيقة محتاجون الى قراءة معمقة لمعنى الزهد في الدنيا وللتعرف على هذه الصفة النبيلة من خلال القاعدة التي رسمت لنا وهي أن الزهد ليس في ان لا تملك الشيء وانما الزهد في أن لا يملكك الشيء. ولعل هذه الإضاءة الموجزة تقودنا إلى تبيان الرؤية الاسلامية للحياة وهي ان الاسلام كدين سماوي يتبنى ثقافة الحياة ويدعو الى الانفتاح على الدنيا والتعرف عليها باعتبارها لوحة تجلت فيها يد القدرة، ولأنها آية جمال أبدعتها يد البارئ الخلاق، إن الاسلام المحمدي هو دين تتأصل فيه كل معاني السمو الإنساني وهو مظهر جلي للخير والحق والحب والجمال، إن الاسلام هو دين الحياة التي يعيش فيها الإنسان سمو إنسانه حين يرتبط بعلته المطلقة وحين تحلق روحه في ملكوت الفيض الامتناهي، وعليه فإن تصوير الاسلام على أنه دين لا يتفاعل مع حركة الحياة ورسالة جامدة لا تهتز لمتقلبات التاريخ والجغرافيا هو ظلم محض وافتراء واسقاط.

انني أدعو أصحاب العقول النيرة من الذين يملكون جرأة التجرد ولا ينطلقون في احكامهم من موروثات مسبقة أو مقاربات مفترضة أن يدرسوا الإسلام بعيدا عما يجترحه أدعياؤه من تخلف وجاهلية وعنف وارهاب

إن الذين ينظرون للإسلام بوصفه دين يتبنى ثقافة الموت والجمود انما يبنون أحكامهم على ما يقترفه بعض الجهلة والمندسين والمتسترين بشعارات الإسلام التي لا تبلغ تراقيهم. وعليه فان الانصاف يقضي بأن ندرس الاسلام بعمق لتكون أحكامنا أكثر واقعية وأكثر إنصافا.

* كاتب وباحث لبناني

تعليقات: