مبددو الانتصار الاستراتيجي

ل الانتصار الذي حققه حزب الله على اسرائيل في عدوان تموز يوليو العام الماضي اسسا متينة لبناء نظرية جوهرية تقول ان اسرائيل باتت في حالة انهيار دفاعي فهي لاتستطيع الصمود امام منطق المقاومة ومشروعها. فقد اراد ت تل ابيب الحرب المذكورة لتدمير مشروع المقاومة سواء اللبنانية او اي مقاومة اخرى وتسفيهه على خلفية ان المقاومين هم مراهقون غرر بهم وان زمن المقاومات الشعبية قد ولى . فلذلك كانت عناوين الحرب كبيرة فهي لم تنحصر باطلاق سراح الجنديين الاسرائيليين اللذين اسرهما حزب الله في 12 تموز يوليو وكانت عملية اسرهما الشرارة التي اشعلت تلك الحرب , وانما تدرج الاسرائيلييون في البناء على نتائج الحرب من نزع سلاح حزب الله وتصفيته كقوة مقاومة الى القول ببناء شرق اوسط جديد اي اعادة ترتيب المنطقة ككل وفق المفهوم الامريكي الاسرائيلي . من هنا يمكن فهم مدى فداحة الهزيمة التي مني الاسرائيلييون في لبنان فهي هزيمة لمشروع اخضاع المنطقة وتطويعها على قاعدة ان الاسرائيلي والامريكي هما سيدان لديهما الحل والربط حتى و اذا كان الامر يتعلق بعملية السلام فهما ليسا على استعداد للعطاء الا وفق تقتضيه معادلة الميدان . فاسرائيل سواء اسر حزب الله اثنين من جنودها ام لا فانها كانت تستعد لحرب على لبنان الا ان عملية الحزب بدلت موعدها وقررتها وفق ساعة المقاومة اللبنانية وليس وفق الساعة الاسرائيلية . فشروط الحرب اسرائيليا وامريكيا كانت مكتملة وتنتظر تعيين ساعة الصفر التي كانت محددة في اوكتوبر تشرين الاول وكان اندلاعها سيجد مبررا له وحجة كما كل الحروب الاسرائيلية السابقة التي تارة تكون انتقاما لمقتل جندي اسرائيلي وتارة لمحاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن عام 1982 شلومو ارغوف وحتى احيانا انتقاما لمقتل ضابط اسرائيلي بين اسنان تمساح على شواطئ كوستاريكا التي تبعد عن لبنان الاف الاف الكيلو مترات . واذا كانت اوسع حروب اسرائيل في لبنان عام 1982 كانت تحت عنوان سلامة الجليل وابعاد صواريخ الكاتيوشا الفلسطينية عن مستعمرات الجليل الشمالية على الحدود الاسرائيلية اللبنانية فان حرب تموز يوليو 2006 لم تكن فقط لابعاد المستعمرات عن مرمى صواريخ حزب الله وانما للحفاظ على اسرائيل كدولة وكيان بعدما ادرك المسؤؤلون الاسرائيلييون ان المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله نجحت في تبديد الخوف العربي من الجندي الاسرائيلي . وعلى سبيل الطرافة هناك مثل لبناني عامي يقول: " لقد افتكرنا الباشا باشا طلع الباشا رجل " فالعرب كانت ترهبهم صورة الجندي الصهيوني ويرعبهم سلاح الجو الاسرائيلي لكن تجربة مسلحة بسيطة في جنوبي لبنان هزت هذه الصورة وحطمتها وجعلت الجندي الاسرائيلي يركض باكيا في ارض المعركة ويلعن حظه العاثر الذي قاده الى لبنان . هذه التجربة الصغيرة المعبرة لم يتعلم منها الاسرائيلييون ولم يتعلموا حتى من تجربة حكوماتهم على مدى اكثر من ثلاثين سنة في لبنان التي كانت مليئة بالخيبات والهزائم واسقاط حكومات واعتزال رؤؤسائها . وظن اولمرت وفريقه ان حرب تموز يوليو ستعيد الاعتبار لاسرائيل ولجنديها وتدفع الجميع الى التسليم بمكانتها . الا ان من جعل الاستشهاد من اجل وطنه وارضه لعبته اسقط هذه نظرية البعبع الاسرائيلي مسقطا معها ركائز دولة اسرائيل قوة الردع ومفهوم الجندي القادر دائما على صنع الانتصارات ودفع العدو الى احضان الهزيمة . ولان انتصار المقاومة اللبنانية ليس انتصارا عسكريا فقط جاء الرعب الاسرائيلي على هذا المستوى من الدعوة الى المحاسبة واعادة بناء نظرية اسرائيلية جديدة تتوافق مع امكانيات العدو وقدرته على الطرف الاخر من الحدود . لكن بالتاكيد لن يستطيع الاسرائيلييون استعادة ما خسروه طالما ان مشهد الصراع العربي الاسرائيلي في ذهن المواطن العربي والاسلامي قد تبدل تبدلا جذريا و تكرست على الارض معادلات جديدة . لكن على الرغم من هذا الانتصار الاستراتيجي الكبير لحزب الله الا ان ذلك لايعني ان اسرائيل باتت مشلولة ولم يعد باستطاعتها استعمال سلاح العدوان والقتل والتدمير الا انها تخضع اي عدوان لحسابات دقيقة على خلفية ان الردع يقابل بردع و شعار ما بعد بعد حيفا يعني ان كل الكيان الاسرائيلي على فوهة راجمات صواريخ حزب الله وحين يصبح العمق الاسرائيلي في خطر تصبح الدولة الاسرائيلة في المنطقة غير الامنة . هذا المشهد الممتلئ بالفرح والسرور لدى المواطن العربي ولاسلامي وبالعزة والفخر ينغصه الواقع اللبناني المنقسم على نفسه والذي جعل انتصار المقاومة كانه انتصار لفريق من الفرقاء في زاروب من زواريب وشوارع بيروت وليس انتصارا لبنانيا وعربيا واسلاميا . وهذه مسؤؤلية اساسية يتحملها حزب الله الذي تحول الى طرف يناور ويساوم في الموضوع الداخلي اللببناني ويخطئ في ادارة الملف الداخلي فاسقط الى حد ما الهوية الوطنية للمقاومة . في حين ان خصوم حزب الله لم يستطيعوا مغادرة حساباتهم الفئوية والطائفية الى رحاب الوطنية الواسعة التي ترى بعين ان المقاوم الذي انتصر في الجنوب هو لبناني الانتماء و العقيدة والاهداف فلا هو عميل ايراني ولاسوري ولايخوض معركة لحساب غيره ويستشهد من اجل الملف النووي الايراني ولا من اجل الجولان السوري المحتل وانما من اجل لبنان ال10452 كلم ومن اجل ان ينام هانئا في قريته وبلده ويستيقظ كل يوم يذهب الى عمله دون وجل او خوف من عدو على حدوده رابضا منذ ستة عقود ونيف . فهذا الانتصار الكبير الذي تحقق لو ان شعبا اخر حققه لكان شكل دعامة اساسية لوحدة وطنية تبني وطنا متضامنا متماسكا ليس بحاجة لمبادرة من هنا وهناك لتقريب وجهات النظر بين ابنائه.

* كاتب لبناني (من أبناء الخيام)

تعليقات:

    التعليقات ترد بشكل فوري من خلال هوية المتصفح على الفايس بوك. وهي من مسؤولية أصحابها الذين نأمل منهم الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.