الجرجير والبقلة.. مكملان لنكهة الأطباق المرافقة

الحشائش البرية تنذر بقدوم الربيع في سورية
الحشائش البرية تنذر بقدوم الربيع في سورية


دمشق:

مع بدء فصل الربيع الذي يستمر حتى نهاية شهر يونيو (حزيران)، يتجه السوريون نحو الطبيعة، حيث يعتمدون على الكثير من نباتاتها وحشائشها وأعشابها التي تنمو بشكل تلقائي في الأراضي السهلية والجبلية، ومنها ما يحولونه إلى سلطات لذيذة المذاق، فيما بعضها الآخر يقومون بطهيه وتناوله على الغداء أو العشاء.

ويوضح الطاهي السوري حسان كسواني، لـ«الشرق الأوسط» قائلا «على الرغم من أن هذه الحشائش والنباتات تنمو بشكل طبيعي في غوطة دمشق والمناطق السورية الأخرى، فإن الزائر لأسواق الخضراوات في كل المدن السورية وحتى في بسطات الفلاحين والنساء الريفيات التي تشاهد منتشرة بكثرة في أسواق وشوارع دمشق الشعبية والراقية كباب توما والبرامكة والشعلان وغيرها، سيرى الكثير منها موجودا في معظم أشهر العام، والسبب هو قيام المزارعين بزراعتها بعد استنبات بذورها وتشتيلها بسبب عشق السوريين لهذه الحشائش ولفوائدها الغذائية والصحية». ولعل أشهر هذه الحشائش ـ يضيف حسان «هو (الجرجير) الذي يحضر منه سلطة ذات مذاق لذيذ ونكهة متميزة، حيث يتم تناوله نيئا ولا يطبخ، وتقدم سلطته وحدها على العشاء أو إلى جانب اللحومات المشوية والكبة بمختلف أنواعها، ولذلك يحضر بطريقتين حسب الغاية من تناولها، ففي حال أراد الشخص تناولها وحدها فنحضرها في المطاعم أو حتى في المنازل، من خلال إضافة البندورة والسماق ومكعبات الجبن البلدية والملح والزيت، وفي حال تقديمها مع الوجبات فتحضر من دون جبن مع إضافة المنكهات والثوم إليها. ونبات الجرجير يتميز بأوراقه العريضة نسبيا ذات اللون الأخضر الزاهي، وبسيقان غليظة نسبيا إذا ما قيست بحجم الورقة الحاملة لها، ويتم في البداية وبعد شراء باقة الجرجير تنظيف الأوراق والسيقان بشكل جيد، وينصح الطاهي حسان بتعقيم الجرجير بالمعقمات القوية من خلال نقعها بها لفترة من الوقت، حيث إن أوراق الجرجير قد تكون حاوية لجراثيم وميكروبات من الأرض الموجودة فيها، كونها تنمو بشكل بري أو حتى من مياه السقاية غير النظيفة، وبالتالي عند تنظيفها جيدا نضمن القضاء على أي ملوثات أو ميكروبات فيها، وبعد التنظيف والتعقيم يتم قص الأوراق وتفريدها وتحضيرها وتقديمها مع الإضافات والمنكهات، ولعل شهرة الجرجير ليس فقط بسبب مذاقه اللذيذ، بل أيضا لفوائده الغذائية والصحية، فهو يحتوي على فيتامينات مثل C وA، وعلى معادن مثل الكالسيوم والحديد والزنك والحديد والفوسفور، ومن فوائده الصحية أنه يساعد على تقوية القدرة الجنسية، كما أنه مفيد لمرضى السكري والقلب والكبد والغدة الدرقية، وللوقاية من الإمساك لغناه بالألياف، كما أنه مدر للبول ولمنع الإصابة بأمراض سوء التغذية ويمنع تساقط الشعر، وتزداد فوائده مع إضافة البندورة والثوم والزيت له».

ومن الحشائش الشهيرة التي تؤكل نيئة من قبل السوريين في فصل الربيع وتنمو بشكل طبيعي هناك البقلة، والمعروفة في لبنان باسم فرفحينة، وفي مصر وفلسطين والأردن باسم الرجلة، فيما موطنها الأصلي الهند وإيران. وتتميز البقلة بأوراق خضراء سميكة نوعا ما ذات ملمس جلدي، حيث يؤتى بباقة البقلة - يشرح الطاهي حسان «ويتم تفريدها ونزع الأوراق منها وتنظف بشكل جيد مع التعقيم، كونها نباتات برية، وبعد ذلك وبعكس الجرجير فإنها لا يمكن تحضيرها كسلطة وحدها، بل تضاف لسلطة البندورة والبصل، لكن السوريين يستخدمونها بشكل أكبر في طبق (الفتوش)، فهي تجعل من الفتوش مقبلا لذيذ المذاق مع منظر جميل، كما يمكن أن تستخدم لتزيين أطباق الطعام. وللبقلة فوائد غذائية كثيرة بسبب غناها بالعناصر المهمة ومنها أوميغا 3 الضرورية للإنسان وصحة قلبه، والمعروف وجودها في الأسماك البحرية، وهناك في البقلة الفيتامينات المعروفة كمضادات أكسدة مثل فيتامينA وE وC، وبالمعادن مثل الصوديوم والكالسيوم والماغنسيوم والحديد والبوتاسيوم وغيرها، لذلك ينظر للبقلة على أنها منجم من المواد الصحية المفيدة لجسم الإنسان ولوقايته من الأمراض، وحتى معالجة بعضها مثل الصداع والحكة والرمد والمعدة وآلام الضرس وغير ذلك».

كذلك من النباتات البرية التي يقبل عليها السوريون في فصل الربيع هناك (الهندباء) التي تنمو بشكل طبيعي في حقول المزارعين وتتميز بارتفاعها الذي يصل حتى المتر الواحد أحيانا، وتؤخذ عادة أوراقها الخضراء الفاتحة وتنظف وتعقم وتقدم كسلطة مع الوجبات الغذائية، ويفضل قطفها في بداية فصل الربيع فقط حيث تتيبس أوراقها بعد أسابيع قليلة وتصبح قاسية وتدخل مرحلة الإزهار، وللهندباء فوائد غذائية وصحية كثيرة ولعل أشهرها علاجها لالتهابات الكبد والقرحات المعوية وفي علاج إدرار البول. وتقول المصادر التاريخية إن الهندباء استخدمت بديلا للقهوة منذ عام 1806عندما منع حصار نابليون القاري واردات القهوة، وكذلك استخدمت بديلا للقهوة أثناء الحروب العالمية.

ومن الأعشاب البرية المعروفة بكثرة لدى السوريين في فصل الربيع هنالك «القرص عنة»، والتي تقدم أوراقها كسلطة لذيذة المذاق، فبعد قطفها تنظف الأوراق الناعمة غير الشائكة وتفرم ويضاف إليها الزيت والملح والبصل المفروم وحامض الليمون، وتؤكل عادة على العشاء وحدها أو على الغداء إلى جانب الأطباق اليومية، ويعتبر السوريون طبق سلطة القرص عنة في فصل الربيع ضروريا جدا إلى جانب طبق المجدرة، تلك الأكلة الشعبية الشهيرة. وللقرص عنة الذي يتميز بأوراقه الخضراء المائلة للبياض فوائد غذائية وصحية كثيرة كغيرها من الأعشاب البرية.

«الخبيزة» لعلها الأشهر والأوسع انتشارا لدى السوريين في فصل الربيع، وتعادل شهرة الجرجير لكن ليس كسلطة بل كوجبة غذائية تؤكل مطهية على الغداء أو العشاء. وتتميز الخبيزة كنبات ربيعي وكوجبة غذائية شعبية في بلاد الشام، وتحضرها السوريات عادة في منازلهن من خلال طهي أوراقها مع إضافة البرغل والزيت والملح إليها وبعض المنكهات والبهارات، وبشكل خاص الفلفل الأحمر الناعم، حيث تتحول إلى أكلة شعبية رخيصة الثمن ولذيذة المذاق، ويتم تناولها مع الخبز أو من دونه، وبجانبها المخللات والبصل الأخضر. وهناك من يحضر الخبيزة مع الأرز بدلا من البرغل أو تطبخ مع البصل. وللخبيزة فوائد كثيرة لاحتوائها على فيتامينات وعناصر معدنية ومضادات أكسدة.

تعليقات: