هكذا تحوّلت «جنة عدن» إلى «جهنّم»

يهرب بعدما أحرق صاروخ كاتيوشا سيارته في<br>كريات شمونة (أرشيف - أ ف ب)
يهرب بعدما أحرق صاروخ كاتيوشا سيارته في
كريات شمونة (أرشيف - أ ف ب)


بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان كانت اعتيادية، لكن مع مرور كل يوم، لم تعد هذه الاعتيادية تقليدية، وصارت وضعاً جديداً، تعيشه إسرائيل عامةً، وخصوصاً الجبهة الداخلية. كان الحديث في بداية الحرب عن «معركة حتمية»، ومن ثم تحول إلى «معركة غير محسومة»، وانتهى بـ«مزاج هزيمة». وأثناء الانتقال من مرحلة إلى أخرى، كانت الجبهة الداخلية الإسرائيلية تتخذ شكلاً آخر، بدأ بـ«واجب الصمود إلى أن يحقق الجيش الإسرائيلي أهدافه»، وانتهى بـ«نفاد الصبر وضياع قدرة التحمل»

الصواريخ الآتية من لبنان على الشمال الإسرائيلي الممتدّ نحو المركز، لم تترك أثرها على المباني والشوارع والحقول فقط، بل تركت أثراً عميقاً في نفوس الجمهور الإسرائيلي الذي خاض تجارب لم يعشها من قبل: اللجوء والنزوح والخوف من الآتي، ثقافة الملاجئ المتعفنة، نقص في الغذاء، انفجارات، ذعر وخوف من القادم. كل هذه الشروط السيئة تفاقمت في ظل معركة خاسرة وجيش لا ينتصر.

وسائل الإعلام المواكبة للحدث شقت طريقها نحو الملاجئ، كانت تلقن الجمهور المنحصر في تلك الأماكن المهترئة عناوين موت على شاشات التلفزيون. وكذلك الصحف، لم تبشر بأفق سياسي ولا عسكري، إلى أن التهم قيظ الملاجئ ما بقي من أمل. كما أجبر من نزح على العودة إلى مكان سكناه تحت القصف، وتحولت الشعارات المؤيدة للحرب إلى نداءات إدانة للحكومة.

ضربة تلو الضربة

بدأت الحرب في الثاني عشر من تموز 2006 وانتهت في الرابع عشر من آب. 33 يوماً من القتال المستمر إلى حين إعلان الوقف الرسمي لإطلاق النار. سقط على إسرائيل 4 آلاف صاروخ تقريباً من كل الأنواع، امتد مداها من كريات شمونة حتى الخضيرة جنوبي حيفا. كان المعدل 120 صاروخاً لليوم الواحد. قتل جراء القصف 39 مدنياً، ولحقت الأضرار بـ6 آلاف مبنى.

الصواريخ دمرت مصالح تجارية، وأحرقت أراضي زراعية، وأخرجت مليوني إسرائيلي من حياتهم الاعتيادية، ما سبّب صدمات لعدد كبير من السكان. وقدرت أوساط أمنية إسرائيلية أنَّ 330 ألف إسرائيلي نزحوا من أماكنهم متجهين إلى أماكن أكثر أماناً، وأجبر عشرات الآلاف على ترك بيوتهم والعيش في الملاجئ التي لم تكن أصلاً معدة لحياة طبيعية.

من الجنة إلى جهنم!

النزوح من الشمال إلى مناطق أكثر أمناً كان ضخماً. لم تشهد إسرائيل مثيلاً له. حجمه غير مسبوق وعمقه غير مسبوق.

وتشير معطيات إلى أنَّ 85 في المئة من سكان مدينة صفد نزحوا منها وقت الحرب ولم يبق منهم سوى 5 آلاف من أصل 32 ألفاً. وكذلك الحال في مدينة كريات شمونة، فقد نزح 75 في المئة من سكانها وبقي 6 آلاف فقط من أصل 25 ألفاً. كما نزح 50 في المئة من سكان مدينة نهاريا وبقي فيها 25 ألفاً من أصل 50 ألفاً. وشهدت مدينة حيفا حركة نزوح حملت 30 في المئة من سكانها، وبقي في المدينة 187 ألفاً من أصل 268 الفاً. كذلك كانت حال مدينة كرمئيل، التي شهدت حركة نزوح طالت 30 في المئة من سكانها.

وتحدثت التقارير الإسرائيلية الصادرة عن مؤسسات المجتمع المدني الإسرائيلي عن «نوع من البلبلة. قيادة الجبهة الداخلية لم توفر الشروط الأساسية للعيش في اللجوء أو النزوح أو داخل الملاجئ. الإسرائيليون بدأوا يشكون الوضعية منذ الأيام الأولى للحرب. في المقابل، وفّرت الحكومة الاسرائيلية حلولاً، لكنها كانت جزئية للغاية، ولا يمكن اعتبارها حلاً للمشكلة. كانت الحلول مبنية لأسبوع أو أقل. استضافت بلدية إيلات مثلا، ألفاً من سكان كريات شمونة لقضاء أسبوع في المدينة، بعدما تعرضت كريات شمونة للقصف الأعنف خلال الحرب. سافر إلى إيلات ألف مواطن، وبعد أسبوع، نفدت الميزانيات».

وقال رئيس بلدية كريات شمونة، في شهادة له صدرت في تقرير «كوكب الشمال» الصادر عن جمعية شتيل الإسرائيلية، «بعدما رأى سكان كريات شمونة الجنة، كان عليهم العودة، وخلال العودة، يسمعون أن كريات شمونة ما زالت تحت القصف».

وأضاف «تعرضت كريات شمونة في اليوم نفسه لـ120 صاروخاً. تخيلوا، إن 20 حافلةً، عليها الانتقال من جنة عدن (إيلات) إلى جهنم (كريات شمونة)».

الحال لم تقتصر على سكان كريات شمونة فقط، بل شملت النازحين من كل سكان الشمال الاسرائيلي. الحكومة لا تمتلك جدولاً زمنياً لعدوانها على لبنان، والسكان لم يروا أفقاً يشير إلى النهاية. طال النزوح كل المناطق، والعودة غير مؤكدة، غير محددة، ومنوطة بوقف إطلاق النار غير البائن موعده.

أخلت الحكومة مجموعات سكانية من حيفا إلى القدس إلى حين وقف إطلاق النار، ولكن بعد أيام، لم تجد الحكومة الإسرائيلية تمويلاً وأعادتهم تحت القصف مرةً أخرى، ما فتح مجالاً لرجال أعمال إسرائيليين، للتبرع لـ«صمود الجبهة الداخلية»، منهم من اشترط دعمه للشمال الإسرائيلي بـ«عدم نقل هذه المعونات للعرب» ومنهم، أمثال رجل الأعمال الروسي الأصل، أركادي غايدمك، استغل الوضعية ليفرض حضوراً سياسياً، وبنى منتجعاً في القدس يتسع لـ6 آلاف شخص استقبل فيه النازحين من الشمال. عندما تعالت الانتقادات للحكومة في أعقاب قيام غايدمك بما لم تقم به، أجبرت الحكومة على بناء منتجع في الأيام الثلاثة الأخيرة للعدوان.

وكُشف أخيراً، من خلال برامج التحقيقات الصحافية الاسرائيلية، عن أنَّ جمعيات إسرائيلية ومنها جمعية «كيرن هيسود»، تلقّت تبرعات بمئات ملايين الدولارات لخدمة سكان الشمال لكنَّ المبلغ، عند استثماره في الشمال الاسرائيلي، نقص 70 مليون دولار، لا يعرف حتى الآن أين ذهبت.

الحكومة نادت بـ«صمود الجبهة الداخلية». لكنَّ الوضع على أرض الواقع اختلف إلى حدّ كبير. كان حضور الحكومة بين الناس قليلاً جداً. لم تؤمن آليات لتوفير الأغذية للسكان في الشمال الاسرائيلي تحت القصف. معظم المكاتب الحكومية أغلقت أبوابها طيلة أيام الحرب: وزارات الصحة والرفاه الاجتماعي والداخلية. كذلك المؤسسات الكبرى مثل البريد والمساعدات القانونية والمصارف والتأمين الوطني. كما توقفت المواصلات كلياً من الشمال الاسرائيلي الى المركز، ما خلق شعوراً لدى الجمهور بأن «الحكومة تركتنا».

قتلى وجرحى

قتل في حرب لبنان 42 مدنياً و119 جندياً. وأفادت وزارة الصحة من خلال معطيات لها أنَّ 5514 إسرائيلياً (جنود ومدنيون) جرحوا، بينهم 107 إصابتهم خطرة، و183 متوسطة، و2442 طفيفة. كما أشارت المعطيات إلى أنّ 2782 إسرائيلياً أصيبوا بحالات هلع وصدمات. وأوضحت المعطيات أيضاً أنَّ 1140 إسرائيلياً ما زالوا حتى الآن يعانون حالات إعاقة جسدية ونفسية؛ فقد أصيب 700 جندي و 140 مدنياً إسرائيلياً بحالات إعاقة جسدية، و300 مدني و220 جندياً بإعاقات نفسية. وتتوقع الدوائر المختصة زيادة عدد الجنود والمدنيين المصابين بحالات «ما بعد الصدمة» في أعقاب الحرب على لبنان. وتظهر هذه الحالات بعد فترة طويلة أحياناً من نهاية الحرب أو الحادثة. وتشير المعطيات إلى أن هناك الكثير من الأطفال يعانون من أرق وتبول لاإرادي في الليل وانخفاض في الوزن، واكتئاب وكوابيس، يُعالج المئات منهم في عيادات خاصة بهذا الشأن.

وقد سجلت «نجمة داوود الحمراء» المسؤولة عن إسعاف المصابين 2637 نداءً خلال الحرب، التي عملت خلالها 750 سيارة إسعاف و220 سيارة للإنعاش.

وحسب تقرير «كوكب الشمال»، وبناءً على معطيات متعلقة أخرى، كانت شروط المعيشة في غالبية الملاجئ الإسرائيلية من الشمال حتى الجنوب صعبة ومزرية للغاية. غالبيتها عانت اكتظاظاً شديداً ونوراً خافتاً وظروفاً معيشية صعبة. كما عانت الإهمال والعفن ونقصاً في المراحيض والمكيفات الهوائية. لا مياه جارية ولا كهرباء تفي بالغرض.

وكشف التقرير نفسه النقاب عن أنَّ موظفين في البلديات التي من شأنها توفير الخدمات للسكان وقت الحرب تركوا أماكنهم باحثين هم أيضاً عن مكان آمن خارج المدينة. ففي بلدية صفد مثلاً، بقي 50 موظفاً من أصل 328، بينهم المدير العام للبلدية والمسؤول عن الخدمات الاجتماعية ايضاً. حتى إن خطوط الطوارئ التي شغلتها البلديات لخدمة المواطنين عانت نقصاً في الموظفين والمتطوعين.

بعد نهاية العدوان، وعد رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود أولمرت البلديات والمجالس المحلية بتحويل ميزانيات لصيانة وترميم الملاجئ. وحدد مكتبه ميزانيات خاصة في هذا الصدد، ولكن تبيّن بعد عام على الحرب أن غالبية الملاجئ بدون صيانة، ولا تصلح للبقاء لوقت طويل.

خسائر

خسرت المصانع والمصالح التجارية في منطقة الشمال مدخولات تصل الى 1.4 مليار دولار. اكثر من 40 ألف مصلحة تجارية في الشمال الاسرائيلي كانت خالية كلياً من البشر، ومنها من انهار كلياً بعد الحرب.

أزمات اجتماعية

وبحسب معطيات وزارة الرفاه الاجتماعي الإسرائيلية، فإن الحرب الأخيرة أدَّت إلى ارتفاع بنسبة 45 في المئة في عدد طلبات المساعدة المقدمة إليها. وتبيّن أن 47% من هذه الطلبات تتعلق بضائقة اجتماعية. كما سجَّل الشمال ارتفاعاً بنسبة 10 في المئة في نسبة التسرّب الدراسي. وأفاد مهنيون إسرائيليون أنَّ فتيات إسرائيليات في أجيال تترواح بين 12ـ 18 عاماً «حملن عن طريق الخطأ». كما أشارت المعطيات إلى زيادة بنسبة 44 في المئة في الأزمات الكبيرة داخل العائلة.

حرب لا تنتهي

وتفيد المعطيات بأن الحكومة الاسرائيلية دفعت ما يقارب 3.2 مليارات شيكل تعويضات للترميمات. ولكن لا يزال هناك كثيرون ممن لم ينل حتى الآن أي تعويض، علماً بأن وسائل الإعلام الإسرائيلية نشرت مجموعة من التقارير التي تفيد بأن الكثير من الإسرائيليين، الذين لم تسبب لهم الحرب أضراراً، استغلوا الموقف للحصول بطرق ملتوية على تعويضات، وبمبالغ كبيرة.

كاتيوشا في نهاريا (أرشيف - أ ف ب)
كاتيوشا في نهاريا (أرشيف - أ ف ب)


داخل الملجأ في نهاريا (أرشيف - أ ف ب)
داخل الملجأ في نهاريا (أرشيف - أ ف ب)


تعليقات: