عناوين مواقع «الويب» أو الاستعمار القانوني الأميركي


بيَّنا في مقالة سابقة بعنوان «ديكتاتورية القوانين الأميركية، الإنترنت نموذجاً»، (نشرت في جريدة الأخبار، الثلاثاء 15 أيار 2007، منشورة أدناه)، كيف احتكرت الولايات المتحدة الأميركية، إدارة نظام عناوين مواقع الويب الدولي الأبعاد، عبر مؤسسة أميركية خاصة هي «مؤسسة الإنترنت لمنح الأرقام والعناوين» ICANN «الأيكان»، وقلنا ماذا يعني هذا الأمر من النواحي السياسية والمالية والقانونية.

الجدير ذكره هنا، أن عناوين مواقع الويب تتفرع عند مستواها الأعلى إلى فرعين أو امتدادين اثنين:

أولاً: عناوين المواقع العمومية أو العامةGeneric Top Level Domains (gTLDs)، مثلاً الامتدادات (com، .net، .org. ،…).

ثانياً: عناوين المواقع الإقليمية أو الجغرافية الخاصة بكل دولة من الدول، التي توصف بالمواقع الوطنية، Country code Top Level Domains (ccTLDs)، مثلاً الامتداد (.fr) للمواقع الوطنية الفرنسية، (.lb) للمواقع الوطنية اللبنانية.

وإذا كانت مسألة إدارة نظام عناوين المواقع العمومية المستقلة تتعلق بديكتاتورية أو تسلط أو هيمنة قانونية أميركية، فإن المسألة بالنسبة إلى إدارة نظام عناوين المواقع الوطنية قد تتعدى ذلك لتأخذ شكلاً من أشكال الاستعمار القانوني أو الانتداب ـــــ لأن البعض قد لا يوافق على استعمال المصطلح «استعمار»، الذي يعني من الناحية اللغوية طلب العمران عكس ما هو عليه الاستعمار حقيقة وفعلاً ــــــ أو العولمة القانونية، التي تشكل امتداداً لفكرة الديكتاتورية والتسلط،

بهدف إبقاء السيطرة الأميركية على نظام عناوين المواقع حتى في امتداداتها الوطنية. تفرع عن «الأيكان» هيئات ثلاث لإدارة هذا الملف على المستوى القاري، وعن هذه الهيئات الثلاث تفرعت في كل دولة من الدول مؤسسة، أو مكتب، أو هيئة وطنية حكومية رسمية، أو خاصة، تولت إدارة نظام عناوين المواقع الوطنية أو الجغرافية الخاصة بتلك الدولة.

وبغض النظر عن مناقشة مدى أحقية أو عدم أحقية الولايات المتحدة الأميركية في إدارة هذا الملف ــــــ على كل حال هذا ما كنا قد تطرقنا إليه في المقالة السابقة ــــــ فلا توجد مشكلة من حيث المبدأ إذا ما أُسندت إدارة نظام العناوين الوطنية في دولة ما إلى مؤسسة أو هيئة حكومية رسمية تابعة لتلك الدولة. وهذا ما هو الحال عليه في أغلب دول العالم. ولا توجد مشكلة إذا ما عمدت تلك الدول بعد ذلك إلى خصخصة هذا القطاع، بغض النظر أيضاً عن موقفنا من قضية الخصخصة بحد ذاتها، وخصوصاً لهذا القطاع السيادي. أما أن تُسند إدارة نظام عناوين المواقع الوطنية في دولة ما، بتكليف من مؤسسة الأيكان الأميركية مباشرة، إلى مؤسسة خاصة في تلك الدولة فهنا تقع المشكلة الكبرى!

في ما خص الجمهورية اللبنانية، فقد أُسندت إدارة نظام عنونة المواقع الوطنية اللبنانية إلى مكتب خاص تابع للجامعة الأميركية في بيروت، هو «مكتب تسجيل عناوين المواقع اللبنانية» Lebanese Domain Name Registry (LBDR). والأمر الغريب الأول الذي يمكن ملاحظته هنا، هو أن هذا المكتب يُتصل به بالوسائل التقليدية من خلال الاتصال بالجامعة الأميركية، أما عبر الإنترنت فيُتصل به عبر موقع الجامعة نفسه: www.aub.edu.lb/lbdr. وننطلق من هنا لمناقشة الأمر من عدة نواح:

أولاً: من الناحية السياسية السيادية: كيف يمكن القبول بفكرة أن نظاماً وطنياً يعني ويمس الدولة اللبنانية في سيادتها، وهو في النهاية يستخدم اسمها Lebanon (.lb)، يديره مكتب خاص تابع لجامعة تحمل اسم دولة أجنبية، أي هل يمكن تصور أن عناوين المواقع الوطنية اللبنانية يديرها مكتب تابع للجامعة الأميركية!؟، من دون أن تكون الدولة اللبنانية هي من سمحت لهذا المكتب بإدارة هذا الملف، أو وافقت على ذلك عبر عملية قانونية ما كعملية الخصخصة التي في النهاية تستفيد منها الدولة اللبنانية مالياً. وهذا ما يجرنا إلى بحث المسألة من الناحية المالية.

ثانياً: من الناحية المالية: لا بد من السؤال عن الجهة التي تستفيد من الأموال الكبيرة المستحصلة من خلال عملية التسجيل لدى هذا المكتب، وخصوصاً أن إسناد إدارة هذا الملف إليه لم يتم عبر قانون لبناني أو مرسوم. الجواب بديهي عن سؤال بديهي، فالمكتوب يُقرأ من العنوان «مكتب تابع للجامعة الأميركية في بيروت! هنا يمكن القول: إن الإنترنت من الناحية التقنية التي ترتبط في النهاية بالناحية المالية، هو عبارة عن شبكة من الشبكات التي تصل بين الحاسبات الآلية الموصولة بتلك الشبكات، والتي تسمح بتداول البيانات من خلال بروتوكول تبادلي خاص. الشبكات تلك هي في الغالب مملوكة من حكومات الدول ومؤسساتها، وعلى ذلك من حق كل دولة الاستفادة من العائدات المالية المتأتية عن استخدام الشبكة المملوكة منها مهما كانت طريقة الاستخدام. ومن المعلوم أن تقنية عناوين المواقع هي امتداد لفكرة الاتصال وتداول البيانات عبر الإنترنت، وهي بذلك وفي لبنان تستفيد من الشبكة المملوكة من الحكومة اللبنانية، لذلك فالأولى أن تستفيد الجمهورية اللبنانية من استغلال شبكتها لا أي جهة أخرى مهما كان شأن تلك الجهة.

ثالثاً: من الناحية القانونية: عدا عن المغالطات الكثيرة في طريقة إدارة هذا الملف ـــــ التي لا مجال لذكرها هنا ـــــ من قبل مكتب تسجيل العناوين في لبنان التي تبيَّنَت بعدما قمنا بدراسته. كيف يمكن هذا المكتب ممارسة صلاحيات قانونية هي حصراً من اختصاص السلطة القضائية اللبنانية، كتحديد معايير قبول تسجيل العناوين، ومعايير حمايتها، وتحديد المحكمة الصالحة لبتّ الدعوى، وتحديد القانون الواجب التطبيق في حال وجود نزاع حول العناوين على سبيل المثال؟، وهي ما تنص عليها قوانين أصول المحاكمات اللبنانية.

إذاً في مواجهة هذا الاستعمار القانوني لا بد من إبداء المقاومة القانونية، والعمل على أن تكون إدارة هذا الملف رسمية، تتم من قبل مكتب أو هيئة تسجيل تابعة للدولة اللبنانية، إسوة بالهاتف الثابت، وكما هو الحال في معظم دول العالم، أو من قبل مؤسسة خاصة تقوم بمهماتها وفقاً لعقد تشغيل (BOT) إسوة بإدارة قطاع الهاتف الخلوي، أو عن طريق خصخصة هذا القطاع وتسليم إدارته بقانون خصخصة لشركة خاصة.

من ناحية أخرى، لا بد من إبداء الإعجاب بديناميكية التشريع الأميركي، وجاهزية المشرّع هناك لمواجهة أية إشكالية قد تطرأ عن الثورات التكنولوجية المتلاحقة، وبمدى قوة وهيبة القوانين الأميركية، والمحاكم الأميركية، وبسرعة تطور المنظومة القانونية الأميركية ومدى مرونتها. نعم الديكتاتورية قد لا تعني هنا التسلط والهيمنة والاستبداد، بل قد تعني القوة والرفعة والمناعة لهذه المنظومة. على سبيل المثال، وفي ما خص عناوين المواقع، فقد تبيَّن بعد الدراسة، أن أعلى مستوى من الحماية يمكن أن تكتسبها العناوين موجود في الولايات المتحدة الأميركية، بالنظر إلى قوة القوانين الأميركية التقليدية وقابليتها للتطبيق على الظواهر المستجدة، وبالنظر إلى استحداث قوانين جديدة تتناول الإشكاليات الناشئة عن نظام عناوين المواقع وتحلّها. لذلك يلجأ معظم المسجلين لعناوين المواقع بهدف حماية عناوينهم إلى تسجيلها كماركات تجارية ـــــ بعدما استقر الرأي على حماية العناوين كماركات ـــــ لدى مكتب براءات الاختراع والماركات الأميركي للاستفادة من الحماية الممنوحة للماركات وبالتالي العناوين هناك.

من هنا، لا بد من العمل على تطوير التشريعات والقوانين اللبنانية في موازاة مقاومة العولمة القانونية، ولكي تصبح قادرة على أن تتلاءم مع التغيرات الكثيرة الحاصلة على الصعيد التكنولوجي. أيضاً لا بد من استحداث قوانين جديدة قادرة على حل الظواهر الجديدة، تعطي قدراً من الحماية للعناوين المسجلة في لبنان، وتوفر قدراً من الاطمئنان لمسجلي تلك العناوين. من دون ذلك لا يمكن الحديث عن حرية كاملة، وعن سيادة واستقلال كاملين، ما دمنا لم نصل بعد إلى حرية وسيادة واستقلال قانوني كامل.

* باحث في قوانين المعلوماتية

----------------------------------------------------

ديكتاتورية القوانين الأميركية: الإنترنت نموذجاً

نصير أحمد

لأن الإنترنت أميركية المنشأ، قد يعتقد البعض خاطئاً أن حكومة الولايات المتحدة الأميركية هي التي تملك وبالتالي تدير تلك الشبكة وتتحكم بها، على قاعدة أن «من يملك يدير». ولكن الشيء الأول وربما الأهم الذي يجب أن نعلمه في هذا الخصوص، هو أن الإنترنت ما هي إلا شبكة افتراضية وهمية ليس لها وجود فعلي، وبالتالي هي خارجة عن نطاق التملك. نعم الملكية إنما تقع على المكونات المادية لتلك الشبكة الافتراضية، أي الشبكات الإقليمية والدولية والحاسبات الآلية المختلفة الأنواع والأحجام الموصولة بتلك الشبكات، التي هي مملوكة من قبل تشكيلة واسعة من المالكين تتوزع بين الدول وحكوماتها والشركات الكبرى، والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية والأفراد.

وإذا كانت الإجابة الصائبة عن سؤال «من يملك الإنترنت كشبكة افتراضية» هي «لا أحد» ــ فلا أحد في إمكانه أصلاً أن يتملك شيئاً افتراضياً ــ فليست هذه هي الإجابة الصائبة عن سؤال «من يدير الإنترنت؟»، ولا يجب أن يُعتقد أن هذه الشبكة خارجة عن نطاق التحكم والسيطرة. فلا يمكن أي نظام في الكون أن يبقى ويستمر وينمو ويتطور من دون إدارة.

إذاً فلا بد من إدارة للإنترنت، انطلاقاً من فكرة لا بدية الإدراة لأي نظام في العالم. ولكن إذا كان نظام الإنترنت هو نظاماً معقداً بحد ذاته، فإن عملية إدارته هي أيضاً عملية صعبة ومعقدة، ولا يمكن جهة واحدة أو مؤسسة محددة أو دولة معينة، أن تدير هذه الشبكة المترامية الأطراف على المستوى الدولي والموصولة بجميع دول العالم عبر عمود فقري مشترك. ولذلك قال الفقيهان القانونيان أندريه تيريب وإيان موناغان عن الإنترنت بأنها «أول مؤسسة كونية ليست لها حكومة مركزية». فهناك تشكلية واسعة ومتعددة من المؤسسات والهيئات والمنظمات الدولية المسؤولة عن إدارة الإنترنت التي تختلف تبعاً لاختلاف مستويات الإدارة لتلك الشبكة.

ولكون الإنترنت، من حيث التكوين، شبكة دولية عامة من الشبكات، فالأوْلى أن تُدار من قبل هيئات أو منظمات دولية، منشأة بمعاهدات أو اتفاقات دولية موقّعة من الدول الموصولة بشبكة الإنترنت. ولا يحق لأي دولة، مهما كان شأنها، أن تحتكر الإدارة في أي مستوى من مستويات الإدارة المعتمدة.

فيما خص المستوى الذي يتعلق بإدارة نظام عنونة مواقع الويب، ومن اللحظة الأولى لاختراع الويب من قبل عالم الفيزياء البريطاني تيم بيرنرز لي (Tim Berners Lee) بمساعدة زملائه في «مختبر الفيزياء الدقيقة الأوروبي» الذي مقره في جنيف في سويسرا، سيطرت الولايات المتحدة على إدارة هذا الملف، عبر احتكارها منح العناوين الرقمية التي تعرف بعناوين بروتوكول الإنترنت Internet Protocol (IP)، من خلال مؤسسة حكومية خاصة تابعة للحكومة الأميركية هي «هيئة الإنترنت لمنح الأرقام» «IANA» Internet Assigned Number Authority .

وبعيد اعتماد نظام العنونة بشكله الحالي، أي استبدال العناوين الرقمية بعناوين تعريفية «Domain Name»، استمرت تلك المؤسسة في إدارة هذا الملف بشكل شبه احتكاري لغاية سنة 1988 موعد انتهاء العقد الموقّع بينها وبين الحكومة الأميركية. آنذاك أوكلت المهمة وبترخيص من حكومة الولايات المتحدة إلى «مؤسسة الإنترنت لمنح الأرقام والعناوين»، المعروفة بالـ«الأيكان» Internet Corporation for Assigned Name and Number «ICANN»، وهي مؤسسة حكومية خاصة من فئة المؤسسات التي لا تبغي الربح، ومقرها في ولاية فرجينيا.

على المستوى العملي، ماذا يعني أن تقوم دولة ما، أو مؤسسة خاصة أو عامة تابعة لدولة ما، بإدارة نظام عالمي ودولي يعني جميع دول العالم كنظام عنونة المواقع. إن هذا الأمر يعني امتيازات خاصة لتلك الدولة وهيمنتها على القرار المتعلق بذلك النظام، وفرض تطبيق تلك القرارات على بقية الدول سواء اقتنعت أو لم تقتنع، وفرض منظومتها القانونية الخاصة لحل النزاعات ذات البعد الدولي التي سوف تنشأ عن ذلك النظام، وهنا تتجلى الديكتاتورية بأبهى صورها، وهذا ما يظهر من خلال:

أولاً: احتفاظ الولايات المتحدة لنفسها باحتكار تسجيل عناوين المواقع في بعض قطاعات عناوين المستوى الأعلى العمومية، مثل (.gov) للمؤسسات الحكومية الأميركية، (.mil) للمؤسسات العسكرية الأميركية، (.edu) للمؤسسات الثقافية والتعليمية الأميركية، وإلزام بقية الدول التي تريد استخدام هذه الامتدادات بإضافة امتداداتها الجغرافية. مثلاً (.gov.lb) للمؤسسات الحكومية اللبنانية، (.gov.eu) للمؤسسات الحكومية الإماراتية... إلخ. هذا على الرغم من وجود امتداد جغرافي خاص بالولايات المتحدة (.us) لا تستخدمه هذه الدولة.

ثانياً: الأهم والأخطر، احتفاظ الولايات المتحدة لنفسها ومن خلال مؤسسات أميركية خاصة باحتكار إدارة وتسجيل عناوين المواقع بالامتدادات العمومية الدولية التي توصف بالمستقلة، والتي هي مفتوحة للتسجيل على الصعيد الدولي، ومن أي كان بغض النظر عن جنسيته أو مكان إقامته، مثل (.net) و(.org) والأشهر على الإطلاق (.com) الذي يتعلق بالشركات والمؤسسات التجارية. والديكتاتورية تبدو هنا من ناحيتين:

أ ــ من الناحية المالية، من الممكن تخيل حجم الأموال التي تجنيها الولايات المتحدة من خلال إدارتها هذا الملف، وخصوصاً مع الأخذ بعين الاعتبار أن مسجلي العناوين ولعدة اعتبارات يفضّلون التسجيل في هذه القطاعات الدولية، لا في القطاعات الجغرافية الخاصة بدولة من الدول. مثلاً، عنوان موقع جريدة الأخبار اللبنانية هو وليس .

ب ــ من الناحية القانونية، تبدو ديكتاتورية القوانين الأميركية بادية في حال حصول نزاعات على عناوين المواقع المسجلة في القطاعات المستقلة، حيث تُفرض منظومة القوانين الأميركية لحل تلك النزاعات الدولية الطابع. وفي هذا الخصوص أعلنت شركة NSI الأميركية التي كانت تحتكر تسجيل العناوين في (.com)، أنه نظراً إلى اختلاف جنسية المسجلين ووحدات التسجيل فإن القانون المطبق على أي نزاع قد ينتج عن عقد التسجيل هو القانون الأميركي. والمحكمة المختصة هي محكمة موجودة في الولايات المتحدة. هنا بالإضافة إلى الجانب السياسي والسيادي، لا يجب أن يغيب عن الذهن الناحية المالية أيضاً التي تتأتى من خلال حجم الأموال الكبيرة المستثمرة في حل تلك النزاعات التي تحصل عليها الولايات المتحدة.

وقد ظهر التململ الدولي من تلك السياسة في القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي عقدت في جنيف في سويسرا عام 2003، إذ كان بند طريقة إدارة نظام عنونة المواقع من أبرز القضايا الخلافية والشائكة التي طرحت على جدول أعمال القمة. وقد أيّدت معظم الدول إيكال مهمة إدارة هذا الملف إلى الاتحاد الدولي للاتصالات كمؤسسة دولية، وإلغاء الدور شبه الاحتكاري لمؤسسة «الأيكان».

ونظراً إلى الخلاف الحاد والاختلافات البينة في الرؤى ووجهات النظر، وخصوصاً بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، فقد أُجِّل بتّ هذه المسألة إلى القمة التالية التي عقدت في تونس عام 2005، وكُلّف الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم دراسة مفصلة عن هذا الأمر.

ويبدو أنه، وبالنظر إلى هيمنة الولايات المتحدة الأميركية وقوتها، لم يقدّم الأمين العام الدراسة ولا قمة تونس جاءت على ذكر الموضوع، فبقيت الحال على ما هي عليه.

على أي حال، نأمل أن يحظى هذا الموضوع بالاهتمام الكافي في القمم المقبلة، وأن تكون للمجموعة العربية مواقف واحدة حيال موضوعات القمة الشائكة كهذا الموضوع، بدلاً من المشاركة الهامشية في أعمال تلك القمم، علّ ذلك يساهم في سد جزء من الفجوة الرقمية ويساهم في تنمية المجتمعات العربية نحو مجتمعات المعرفة.

----------------------------------------

تكنولوجيا المعلومات والقانون

نصير أحمد*

شكل الكمبيوتر الشخصي أو الحاسب الآلي الركيزة الأساس التي قامت عليها الثورات التكنولوجية المتلاحقة، ابتداء بـ«الإنترنت» وليس انتهاء بـ«الطريق السريع للمعلومات»، الذي هو شيء مختلف كلياً سرعان ما ستضح معالمه عندما تبدأ التقنيات المتفرعة عنه بالظهور في المستقبل القريب. وإذا كان الإنترنت ــ كما كان قد تنبأ «بيل غيتس»، صاحب شركة «مايكروسوفت» للبرمجيات، والرجل الأغنى في العالم، في كتابه «الأعمال بسرعة الأفكار» ــ قد استطاع أن يغيّر كل شيء، فإن المسألة أيضاً بالنسبة إلى الطريق السريع للمعلومات لا تتعلق بتقنيات جديدة سوف تأخذ مجراها بقدر ما تتعلق بطريقة حياة جديدة ونظام عيش مختلف سيعيشه البشر على هذه المعمورة. إذاً فقد كان مصيباً «نيكولاس نيكروبونتي» ــ الذي يعتبر مرشد الثورة المعلوماتية في العالم ــ منذ البدء عندما قدم رؤيته عن «العالم المُحَوْسَبْ»، إذ قال: «إن الحَوْسَبة ليست أبداً كل ما يتعلق بالحاسبات الآلية، بل كل ما يتعلق بالحياة».

مع كل ثورة جديدة تحدث في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، هناك العديد من الخدمات الجلية والمهمة التي يمكن أن تقدمها هذه الثورة من خلال التقنيات المتفرعة، بحيث يستفيد منها العلماء في مختلف مجالات العلوم، وفي كل حقل من حقول النشاط الإنساني. وقد تجلت هذه الاستفادة من خلال العمل مع أنظمة عرفت بأنظمة الاتصال (communication systems)، التي تقدم سبيلاً سهلاً للوصول إلى المعلومات من خلال ما يعرف ببنوك أو قواعد للمعلومات أو للبيانات، والتي هي عبارة عن نظم لإدارة المعلومات المخزنة في ذاكرة الحاسب الآلي واسترجاعها حين تدعو الحاجة، بطريقة سهلة ومبسطة وسريعة، إلا أن أكثر ما تجلت فيه هذه الاستفادة كان من خلال تطوير برامج ذكية عرفت بالأنظمة الخبيرة (expert systems) القادرة على اتخاذ القرار، أو أنظمة المشورة أو الأنظمة الاستشارية المساعدة في اتخاذ القرار (advice systems) التي جاءت نتيجة لأبحاث تناولت مسألة الذكاء الاصطناعي للآلة (artificial intelligence). وهذا ما ظهر بشكل واضح في مجال الطب على سبيل المثال، حيث أصبح الكمبيوتر أداة أساسية للعمل كالمسماع.

لم يكن القانون كعلم بعيداً من هذه الخدمات أو من تلك الاستفادة، إذ ومنذ البدء نشأت هناك علاقة ود ما بين القانون والحاسبات الآلية، واستفاد رجال القانون من تقنيات الترقيم والأتمتة المتأتية من ثورة الكمبيوتر الشخصي، في عملية أرشفة وتخزين واسترجاع المعلومات القانونية سواء بشكلها الخام أو بعد شغلها وتحويرها، فصار هناك ما يعرف ببنوك المعلومات القانونية، الأنظمة الخبيرة أو المساعدة على اتخاذ القرار القانونية، الموسوعة الإلكترونية القانونية، برامج تعليم القانون بواسطة الكمبيوتر،..

ومع مجيء الإنترنت الذي استطاع بشبكته المترامية الأطراف أن يضيف العديد من الخدمات وأن يقدم العديد من الفوائد في مجالات العلوم المختلفة، ومنها المجالات القانونية، بحيث تطورت العلاقة بين القانون والمعلوماتية إلى نوع من التزاوج. هذا التزاوج أنجب وليداً سمي المعلوماتية القانونية أو تكنولوجيا المعلومات والقانون. إلا أن العلاقة بين المعلوماتية والقانون لم تقتصر على مجرد استفادة هذا الأخير من المعلوماتية كما بقية أقسام العلوم. فإذا كانت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات قد استطاعت أن تقدم العديد من الخدمات وأن تحقق الكثير من الفوائد، فإنها في الوقت نفسه طرحت العديد من المشاكل التي هددت بنسف كل ما تم التوصل إليه من إنجازات، إلى حد أن البعض توقع حدوث أزمة قد تفضي إلى كساد كبير في قطاعات تكنولوجيا المعلومات، نتيجة تزعزع الثقة بهذه التكنولوجيا الجديدة.

وكأي نظام في العالم يحتاج إلى الثقة والأمان والاستقرار لكي يبقى ويستمر، احتاجت المعلوماتية إلى تلك العوامل الأساسية. وهنا جاء الدور على المعلوماتية كي تستفيد من القانون وقواعده المنظِّمة للعلاقات ولطرق التواصل والاتصال داخل المجتمعات، تنظيماً من شأنه العمل على تحقيق الخير العام للأفراد، وكفالة المصلحة العامة للمجموع، ويؤدي في النهاية إلى تعزيز الثقة بهذه التكنولوجيا الجديدة بدلاً من تزعزعها. من هنا كان الحديث عن قوانين المعلوماتية أو قوانين عصر المعلومات.

مع كل تغيّر في طبيعة العلاقات التي تحكم الحياة البشرية على هذه المعمورة، لا بد من قوانين منظمة لتلك التغيرات، وإذا كانت الثورات على اختلاف أنواعها ومنها الثورات التكنولوجية قد استطاعت أن تغيّر في طبيعة هذه العلاقات، فلا بد إذاً من منظومة قوانين جديدة أو مستحدثة أو مطورة تحكم أو تلحظ هذا التغير الحاصل. فإذا كان تيسّر الاتصالات والعمليات الكمبيوترية الحرة قد أدى إلى تغيير في طبيعة العلاقات بين الأمم، وفي ما بين الجماعات الاقتصادية داخل الأمم، وفي ما بين الأفراد داخل الجماعات الاقتصادية، فإنه كان لا بد من قوانين منظمة لهذه العلاقات الجديدة ولطرق التواصل والاتصال الناشئة والمستجدة كي لا تسود شريعة الغاب الإلكترونية. إن هذا الاستنتاج سيقودنا إلى سؤال آخر هو: هل على التطور والتقدم التكنولوجي أن ينتظر رجال القانون ليقوموا باستصدار قوانين منظمة قبل أن يأخذ مجراه؟ وهل بوسعه انتظار هذه القوانين؟ أم على القوانين أن تواكب حركة التطور والتقدم وأن تعمل على حل المشكلات الناشئة منه وذلك لجعله أكثر نفعاً وأقل سلبية؟. وإذا كان من البديهي الجواب بأنه ليس بوسع التكنولوجيا انتظار قوانين منظمة، فإن على رجال القانون أن يبذلوا ما بوسعهم وغاية جهدهم لجعلها أكثر نفعاً وأقل سلبية.

إن التقدم التكنولوجي سوف يجبر المجتمع على مواجهة مشكلات جديدة شائكة ليس بالإمكان التنبؤ إلا بالقليل منها، وإذا كان بإمكان الدول أن تسعى لحل المشكلات الناشئة أصلاً، أو التي يمكن توقعها ولو بشكل عام في إطار النظريات، فماذا تفعل مع تلك التي لا يمكن أن تتوقعها والتي لا يمكن في الأصل توقعها؟

أيضاً عندما كثرت في الآونة الأخيرة أعمال التعدي على الماركات التجارية المشهورة التي تملكها الشركات الكبرى، عبر تسجيلها كعناوين لمواقع الإنترنت، وذلك باستغلال المـبادئ المعتمدة في منح العناوين من قبل الهيئات المانحة.

إزاء هذا الواقع الذي لا يمكن دفعه، ستجد الدول نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما. أولاً: مواءمة منظومة القوانين الوضعية التقليدية وتطبيقها، أو تطويرها لكي تصبح قابلة للتطبيق على هذا النوع من الظواهر الجديدة مع ما في هذا الأمر من صعوبات، في ظل عالم افتراضي متداخل ومترامي الأطراف، وفي ظل عجز هذه القوانين أحياناً عن الإحاطة بكل جوانب هذه الظواهر الجديدة كما حصل مع الفيليبين والولايات المتحدة الأميركية. وثانياً: استحداث قـــــــــــــوانين جديدة لحل المشكلات الناشئة وطبعاً البقاء على جهوزية لمواجهة ما يمكن أن ينشأ، وهذا ما حدا دولة الفــــــــــــــيليبين على استصدار قانون جديد في 4 حزيران من الســـــــــــنة نفسها يُطبق على الجرائم السيبرية، ويعاقب هذا النوع من الإجرام، وما دفع المشرّع في الولايات المتحدة الأميركية إلى استصدار قانون مكافحة قراصنة العناوين Anti Cybersquater Consuomer Protection Act (ACCP).

إلا أن الصعوبة وكما كنا قد أسلفنا تنشأ في أن هناك بعض الظواهر لا يمكن توقعها في الأصل، فكيف يصار إلى معالجة شيء لا يمكن معرفة كنهه أو طبيعته. والحل التقليدي يكون هنا عبر التصدي لهذه المشكلات كلما ظهرت، والمشكلة تقع هنا، ما العمل في هذه الفترة أي بين اكتشاف المشكلة أو الخلل أو القصور التشريعي، وبين معالجتها باستحداث قوانين جديدة أو تطوير قوانين تقليدية؟ هنا ستسود حالة من حالتين، إما تطويع منظومة القوانين التقليدية في معالجة هذه المشاكل المستجدة ما دام ذلك ممكناً أو متاحاً، وإما على مجتمع المعلومات في هذا الوقت الضائع أن يتحمل زمرة من الأشرار الذين لا يقيمون وزناً للنواميس الطبيعية.

بناء على ما تقدم لا بد من التفكير في المستقبل، وخصوصاً في واقعنا العربي، والبدء انطلاقاً من طرح الأسئلة العمومية بتلمس ما سوف يحصل لنا في المستقبل القريب والقريب جداً، وبتنظيم مجتمعاتنا وإعدادها للدخول في عصر المعلومات أو الطريق السريع للمعلومات أو في عصر الإنسان الآلي، ويجب في هذا الإطار تأليف لجان دائمة من اختصاصيين مهمتها أن تطرح على بساط البحث قوانين منظمة للعلاقات في مجتمع المعلومات، وأن تبقى مستعدة لمواجهة كل ما يطرأ، ومستنفرة لكل ما يمكن أن يستجد، وذلك كي لا نبقي أنفسنا تحت رحمة الفجوة الرقمية الآخذة في الاتساع بين الشرق والغرب، والتي يمكن النظر إليها من وجهة نظر قانونية.

وفي وقت لا يختلف فيه أحد مع حقيقة أن تكنولوجيا المعلومات أصبحت العمود الفقري للتجارة، لا بد من التفكير بقوانين مثل قوانين التعاقد الإلكتروني، وقوانين الدفع والإثبات والتوقيع الإلكتروني، ولا بد من إدخال تعديلات جوهرية على القوانين الجزائية والقوانين الإدارية وقوانين الملكية الفكرية لجعلها قابلة على الصمود والتصدي للظواهر الناشئة من تطبيق تقنيات الطريق السريع للمعلومات.

وإذا كان من المهم أن نبدأ في التفكير بالمستقبل، فإنه وكما قال بيل غيتس في كتابه «الطريق نحو الأمام»: علينا أن نحترس من الاندفاع في خطوات متسرعة، لأن التسرع هنا كما اللامبالاة يعطي نتيجة سلبية، فلقد استغرق الأمر عدداً غير قليل من السنوات لكي نتلمس مجرى الثورة المقبلة، وعلينا أن نستفيد من ذلك الوقت في اتخاذ قرارات ذكية ومدروسة، لا مجرد ردود أفعال مباشرة ومتسرعة.

------------------------------------------

شبكة الإنترنت وإشكالية الرقابة

نصير أحمد *

إن تناول موضوع شائك وشيّق كموضوع شبكة الإنترنت والرقابة يأتي دائماً في سياق بحث يتناول مسائل الحماية والأمن عبر الشبكة، ومن ضمنها «حماية الحياة الخاصة عبر الشبكة»، التي يتفرع عنها بحث موضوع الرقابة إذا ما نظرنا إلى الشبكة من زاوية حرية الرأي والتعبير.

وإذا كان لا بد من تناول موضوع الرقابة بالبحث، فإنه يأتي دائماً في سياق بحث أوسع وأشمل يتناول موضوع الرقابة على أدوات النشر ووسائل الاتصال، كمنابر وساحات يمكن أن تمارس من خلالها حرية القول والكلمة وحق الإنسان في التعبير عن رأيه، فالإنترنت في النهاية وإن اختلفت التعريفات ليس سوى أداة من أدوات النشر ووسيلة من وسائل الاتصال، ولو اختلف عن الأدوات أو الوسائل التقليدية وتميز عنها بكونه ساحة دولية مفتوحة ومترامية الأطراف ومشرّعة على الاستخدام من أي كان.

وإن تناول موضوع الإنترنت وإشكالية الرقابة، يدفعنا أولاً إلى تناول إشكالية حرية الرأي والتعبير بحد ذاتها، فالرقابة في النهاية، بشقيها المسبقة أو اللاحقة تمارس من جانب من يملك سلطة الرقابة منعاً للتعدي على الحدود المرسومة أمام ممارسة هذا النوع من الحرية أو الحق، على شكل قيود وضوابط منصوص عليها في نصوص دساتير كل دولة وقوانينها الوضعية، مهما كانت الوسيلة المعتمدة لممارسة هذه الحرية أو ذلك الحق.

وإذا كان كذلك، ونظراً إلى الاعتبارات التي سقناها آنفاً، فإن ما يعتبر تعدياً على الحدود المرسومة لممارسة حرية الرأي والتعبير في الواقع وفقاً لما تراه كل دولة، يعتبر كذلك إذا مورس عبر الشبكة مع الأخذ بعين الاعتبار الإشكالية الدولية الناشئة عن شبكة الإنترنت ونسبية الحريات العامة وحقوق الإنسان، وما يعتبر خرقاً للقيود المفروضة أمام ممارسة هذا الحق، وبالتالي تعاقب عليه القوانين المرعية، يعتبر كذلك إذا مورس عبر الشبكة من دون حاجة إلى أي مبرر قانوني آخر.

في هذا الإطار ورد في جريدة الأخبار، الصادرة نهار الثلاثاء 9 كانون الثاني 2007، العدد 124، الصفحة التاسعة، مقال بعنوان «الإنترنت عربياً ارفعوا يد الرقابة»، وفي هذا الإطار أيضاً وضمن حق الرد المسموح لا بد من إبداء بعض الملاحظات والتعليقات على هذا المقال، علماً أن هذه الملاحظات أو التعليقات تتخطى المقال بحد ذاته إلى التقرير الذي تناوله هذا المقال بالتعليق، فالكاتب لم يقم بإضافة شيء من عنده، فكان تقريره نقلياً بمجمله عن موقع المبادرة العربية عبر شبكة الإنترنت، وحتى إنه في بعض الأحيان أخطأ في النقل فالتقرير صادر عن «الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان» وليس عن المبادرة العربية كما يدّعي الكاتب، إنما قامت هذه الأخيرة بنشر محتواه في موقعها عبر الشبكة، وحتى إنه أخطأ في نقل عنوان التقرير الذي هو بعنوان «الإنترنت والحكومات العربية، خصم عنيد» خالطاً بذلك بين عنوان التقرير عينه وبين عنوان المؤتمر الصحافي للإعلان عن صدور التقرير، مع العلم أيضاً أنه أورده بطريقة مجتزأة قائلاً ان عنوان التقرير هو «الإنترنت جبهة جديدة لصراع الحكومات العربية» والصحيح أن عنوان المؤتمر الصحافي هو «الإنترنت جبهة جديدة لصراع الحكومات العربية ضد حرية الرأي والتعبير».

كم كان مصيباً ذلك العنوان، فالصراع هو في الأساس بين السلطة بشكل عام ومن بينها سلطة الحكومات العربية، وحرية الرأي والتعبير، والمواجهة بين السلطة وشبكة الإنترنت إنما هي مواجهة بين ممارسة حرية الرأي والتعبير بغض النظر عن الوسيلة المعتمدة في ذلك، وبين القيود المفروضة أمام ممارسة هذه الحرية، والصراع بين الحكومات العربية والإنترنت إنما منطلقه كون هذا الأخير يشكل وسيلة من وسائل التعبير عن الرأي. وقد أحسن التقرير من هذه الناحية عندما وجّه في البدء نقده إلى الحكومات العربية لقيامها بتضييق الهامش المعطى لممارسة حرية الرأي، ولكنه أيضاً هنا وقع في المحظور عندما شمل كل الحكومات العربية بهذا النقد، وفي مكان آخر من التقرير قال: «إن درجة الرقابة تختلف بين دولة عربية وأخرى»، وسمى لبنان نموذجاً حيث تصل درجة الحرية إلى أعلى معدلاتها.

وإنه لمن الإجحاف بحق الإنترنت، وبحق المواطن العربي بشكل عام، أن نقول إن عدد مستخدمي شبكة الإنترنت إنما تضاعف بفضل ممارسة حرية الرأي والتعبير، وننسى الخدمات الكثيرة والجلية والمهمة التي يقدمها الإنترنت في مجالات التجارة والأعمال والتعليم، و...، والتي تؤدي في النهاية إلى زيادة الإقبال على استخدام هذه الشبكة، حتى إن استخدامها بات في بعض الأحيان أمراً لا مفر منه، وإلا كيف نفسر هذا الازدياد المطّرد في عدد مستخدمي الإنترنت في الدول الديموقراطية المتقدمة التي يتسع فيها هامش حرية الرأي المعطى للأفراد.

نعم «الإنترنت خصم عنيد» كما عنون التقرير، وحجب المواقع كممارسة للرقابة نعم بلا فائدة، بل إنه في بعض الأحيان يعطي نتيجة عكسية، على قاعدة أن «كل ممنوع مرغوب»، وهذا ما يفسر احتلال مواقع المعارضات الإسلامية صدارة المواقع في العالم العربي بعدما حاولت حكومات معظم الدول العربية حجبها، وهنا على الحكومات العربية أن تدرك أنها تقاتل في معركة خاسرة، أمام «عدو» نعم في بعض الأحيان «عدو» وهمي، وشبكة افتراضية ليس لها وجود مادي ملموس ولا يمكن أحداً أن يدّعي ملكيتها وبالتالي إدارتها والرقابة عليها.

والمواجهة بين الإنترنت والحكومات ليست محصورة بالحكومات العربية، ومحاولات الرقابة والتقييد عبر حجب المواقع والمعلومات ليست حكراً على الدول العربية وحدها، وأنا هنا لا أتحدث عن الصين أو روسيا أو كوريا، إنما عن دول عريقة في الديموقراطية وتعتبر نموذجاً يحتذى بالنسبة إلى كثير من العاملين في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان، مثل الولايات المتحدة، التي أصدر المشرّع فيها قانون آداب الاتصالات (Communication Decency Act CDA)، في 8 شباط 1996، بضغط من التيارات الدينية لمكافحة تفشّي الإباحية عبر وسائل الاتصال ومنها شبكة الإنترنت، على الرغم من الانتقادات التي وجّهتها إليه بعض المحاكم والقضاة باعتبار القانون مخالفاً لحرية الرأي والتعبير المصونة بمقتضى دستور الولايات المتحدة الأميركية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وفي المحصلة، يمكن القول إن معظم الدول تمارس نوعاً من الرقابة على ممارسة حرية الرأي والتعبير عبر أدوات النشر ووسائل الاتصال لسببين اثنين:

أولاً: محافظة على النسق الاجتماعي للمجتمع، وحفاظاً على منظومة القيم الأخلاقية التي تحكمه، وخصوصاً في وقت أصبح فيه العالم قرية كونية صغيرة وانهارت الحدود الجغرافية والسياسية أمام وسائل الاتصال، ومن بينها شبكة الإنترنت.

ثانياً: حفاظاً على السلطة في المجتمع وخوفاً من تصدير ثقافة الحرية، التي فد تقوض أركان السلطة الحاكمة. هذا ولئن كانت معظم الدول العربية قد فرضت الرقابة على وسائل الاتصال للاعتبار الثاني، فإنه من الإجحاف في حق هذه الدول أن نسقط الاعتبار الأول من الحسبان.

وفي النتيجة، فإن نوعاً من الرقابة هو أمر مطلوب وهو «شر لا بد منه»، وإن كان المطلوب «عدم تقييد حرية الرأي والتعبير عبر شبكة الإنترنت»، وإرهاقها عبر الرقابة المسبقة التي هي أمر متعذر من الناحية التقنية على الأقل، فليس المطلوب رفع يد الرقابة بالكامل.

والحل يكون من خلال:

أولاً: تفعيل الرقابة الذاتية من جانب مستخدم الشبكة نفسه، الذي من المفترض أن يحترم القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، وهذا ما قامت به فرنسا بعدما ألغت الرقابة المسبقة على خدمات الشبكة وألزمت الشركات الموردة لخدمة الاتصال بالإنترنت بضرورة تنبيه المشترك معها إلى حقه في استخدام برامج لتنقية المواقع وفقاً للاعتبارات التي يراها هو، وحجب المواقع والمعلومات التي لا يريدها هو.

اعتماد الرقابة اللاحقة على ما ينشر عبر الشبكة، تماماً كما هي الحال في الرقابة اللاحقة على أدوات النشر ووسائله التقليدية، مع لحظ مسألة الإشكالية الدولية وتنازع القوانين انطلاقاً من نسبية الحريات العامة وحقوق الإنسان.

هذه بعض الملاحظات التي يتسع لها المقال، مع العلم بأن هناك ملاحظات أخرى لا مجال لذكرها هنا.

تعليقات: