حزب الله ونصر الله والإسلام السياسي

شاب قد يكون شيعيا, يفور بالحماسة يشير إلى الحشود المجتمعة للاستماع للسيد حسن نصر الله قائلا: "إسرائيل ظنت أن سلاح حزب الله هو الصواريخ.. هؤلاء هم سلاح حزب الله".

ومن بين تلك الجموع صبية جميلة لم تتجاوز العشرين, ترتدي بلوزة بدون أكمام وشعرها ليس مغطى بحجاب, وإنما "ببندانة" سوداء كما هي موضة الشباب الآتية من الغرب, تعلن بذات القدر من الحماسة أن السيد نصر الله هو قيادة هذا الجيل للنصر.

ومشاهد لبناني اسمه جورج يتصل بمحطة المنار من الخليج العربي, على الهواء وفي اليوم التالي, ليعلن بذات الحماسة التي لم تخفت, تأييده المطلق للزعيم الذي بات الأوحد على الساحة العربية.

ومن على منابر سياسية وإعلامية عديدة منذ مجريات الحرب السادسة وقبل حدث المهرجان المفصلي, نلاحظ أن الإشارة المعهودة لسماحة السيد حسن نصر الله من قبل سياسيين عرب قياديين (القياديون بحق كلهم في المعارضة) سنة وشيعة وعلمانيين يساريين وقوميين, بدأت تقف عند "سماحة السيد" دون ذكر اسمه!!

ولمن لا يعرف خلفية المنطقة, فإن لقب "السيد" يشير إلى مكانة دينية -عشائرية- سياسية عريقة ومتوارثة لزعماء العشائر التي تنحدر من سلالة الرسول (صلى الله عليه وسلم) من نسل فاطمة وعلي.

ويحمل هذا اللقب مضامين القدسية, أو ما يسمى" بالكرامات", ويلفظ في مناطق تواجد هذه العشائر بكسر السين بدل فتحها ودون تشديد الياء, وهو اللفظ الذي بدأ ينافس اللفظ العربي الكلاسيكي والعامي في آن, لكلمة "السيّد" في خطابات هؤلاء الساسة التي تشير إلى حسن نصر الله!

ولكن الزعيم الشاب لا يزعم شيئا من هذا كله باعتباره ملكا موروثا أو حتى قدسية مكتسبة بالتقوى! فنصر الله الذي يعيش وسط أتباعه حياة متقشفة, والذي عرف عنه شغفه بدور التلميذ لا المعلم والخطيب, أبرز أنه ليس "بيك" وأن أباه لم يكن "بيك" أيضا.

وفي رد على من نصحه بأن يترك التصدي لهجمات الخصوم على حزب الله للأتباع كما يجدر بكبار الزعامات التي تتمتع بدرجة من التقديس, قال: "هيبة عمامتي ولحيتي من هيبتكم".

وآثر أن يتصدى للمعركة السياسية في مقدمة الصفوف حيث وقف من قبل مناضلا وحيث قضى ابنه شهيدا, في حين تتصدر أولويات حكام المنطقة قضية ضمان توريث المنصب لأبنائهم, من رئاسة الدولة إلى رئاسة الحكومة إلى الوزارة إلى "البكوية" أو حتى "المشيخة" لمن لم يكونوا يوما لا شيوخ عشائر ولا شيوخ دين أو طريقة.. نقولها لمن لا يعرف خلفية ومعاني هذه الألقاب أيضا في منطقتنا!

الشرعية التي ينطلق منها نصر الله إذا ليست شرعية دينية, وإنما هي شرعية ديمقراطية تضاف إلى شرعية المقاومة الوطنية الملتزمة التي تعطي نتائج مذهلة على الأرض.

وتلك شرعية غدت قومية في نظر الشارع العربي كله, وهو ما لم يزعمه نصر الله ابتداء, ولكنه مما لا يرفضه, وقد يكون مما سعى إليه دونما مزاحمة تستثير أية حساسيات.

فقد سبق أن وحد المسار النضالي العربي ضد الاحتلال الصهيوني بأكثر من طريقة, ليس أولها ولا آخرها تبني قضية تحرير الأسرى العرب غير اللبنانيين.. القضية التي كشفت العجز التام والالتحاق شبه الكامل للأنظمة العربية بالإرادة الصهيونية–الأميركية!

ويأتي هذا كله بعد الامتحان النهائي, امتحان الحرب النظامية حتى آخر مداها, وهي الحرب التي خسرتها كافة الأنظمة العربية, إذا استثنينا حرب أكتوبر/تشرين الأول التي بقيت مجزوءة عسكريا، وأدت إلى خسارة سياسية فادحة بسبب سياسة أنور السادات المتفردة والناشزة, أو بالأحرى غياب تلك السياسة أو اختراقها, مما ألقى شكوكا حول المعركة ذاتها لم تستكمل إجاباتها بعد.

ولمن زعم أن الحرب الأخيرة على لبنان كانت هزيمة لحزب الله، وأن وقف إطلاق النار كان إنجازا لحكومة القوى المناوئة له وللوساطة العربية "المعتدلة" لدى مجلس الأمن, فإن ظهور نصر الله وسط جمع هائل من أتباعه في ساحة مكشوفة وسط الضاحية الجنوبية يتجاوز الشجاعة الفائقة التي يفتقد معارضو نصر الله في الساحتين اللبنانية والعربية الحد الأدنى منها.

ويبين هذا الظهور عجز إسرائيل عن المجازفة بإعادة فتح النيران ولو لصيد الرأس الأكبر الذي أرق رؤوس قادتها قبل أن يسقطها في الشارع الإسرائيلي ذاته!

وإذا تذكرنا همجية القصف الأخير للضاحية الجنوبية الذي استهدف بناية سكنية وأودى بحياة خمسين مدنيا نصفهم من الأطفال, إثر "وشاية" بوجود نصر الله في تلك البناية.. فإن العجز عن التصدي لوجود معلن مسبقا لنصر الله كشف أن ضآلة التحالف العربي-الصهيوني في وجه هذه الظاهرة التي يمثلها حزب الله وزعيمه الشاب, أكثر من ضآلة حجم تمثيلي على الشارع, وهي ضآلة تدخل حتما في فرز تاريخي مفصلي لمقومات القيادة ومستقبلها في المنطقة.

وبالنسبة للوجدان الإسلامي هذا الظهور العلني لنصر الله يسترجع واحدة من أكثر المواقف التاريخية-العقائدية تأثيرا عند استرجاع "السلف الصالح", وهي هجرة عمر بن الخطاب إلى المدينة التي تحدى فيها قريشا وحلفاءها بقوله: "من أراد أن تثكله أمه فليلحقني إلى بطن ذلك الوادي"!

النظرة الموضوعية المحللة والمؤرخة لهذا الحدث تقول لنا إننا لسنا أمام ظاهرة فردية بدأت وستنتهي بالسيد حسن نصر الله, بل أمام مرحلة جديدة تشكل منعطفا مفصليا في التاريخ السياسي-الديني-العسكري للمنطقة.

ولأننا في عصر "العولمة" الذي لا يمكن فيه قصر أو حصر تغير بهذا الحجم على منطقة واحدة, ولأن العالم كله بقواه الكبرى يتصارع عندنا بأكثر وأكثف مما تصارع في أية منطقة أخرى, فإننا لا نبالغ إن قلنا إن هذا المنعطف الجديد سيؤثر على العالم كله, بدءا بالقوة العظمى شبه المنفردة بقيادته لما يقارب الثلاثة عقود.

ولعل ظهور نصر الله وخطابه في "مهرجان النصر" هو ما قزم وقع خبر وفاة بن لادن ذاته الذي تزامن نشره, أو ما قيل إنه تسريب لمعلومات مخابراتية عنه, مع قيام الاحتفال, مما يدعو للتساؤل عن هدف تسريب النبأ أو اختلاقه في هذا التوقيت بالذات مع أن المفترض أن يكون جرى قبل حوالي شهر من تاريخ الإعلان.

ولا نتوقع أن يحدث صدق أو كذب الخبر بالمقابل فارقا كبيرا, لا على الساحة "العربية" في إطار مقاومة الحلف الأميركي-الإسرائيلي (لأسباب عدة ليس هنا مجال بحثها) ولا على من يقفون معها بتفاوت وتذبذب من القوى الدولية.

ولكن ما يهمنا هنا هو سبب واحد لا يتمثل فقط في التحول الجذري لمركز الثقل الشعبي لتلك المقاومة من القاعدة إلى حزب الله, وإنما في التحول النوعي لنهج المقاومة "الإسلامية", بل و"الإسلام السياسي" عموما بعد تجربة حزب الله.

وإن صدقت أنباء وفاة بن لادن, فإن هذا التغير في القيادة, والأهم في "الأنموذج", باتجاه حزب الله مرشح لأن يعم في العالم الإسلامي كما بدأ يعم في العالم العربي.

وإذا أضفنا إلى هذا كله التدهور الكبير لشعبية المعسكر الدولي المضاد الأهم والمتمثل في التحالف الأميركي-البريطاني, في الشارعين الأميركي والبريطاني ذاتهما, خاصة أنه كان يعد تحالفا إستراتيجيا قبل عهد إدارة بوش الابن ورئاسة بلير بسنوات..

وأضفنا تدهور مكانة إسرائيل في الشارع الغربي الذي تجلى بوضوح يوم أعلنها الأوروبيون مصدر التهديد الأخطر للسلم العالمي لأول مرة منذ قيامها على قاعدة التعاطف الشعبي الغربي الذي رفد السياسات والمصالح الحكومية الغربية.

ثم أضفنا إلى هذا كله ظهور إيران كقوة سياسية واقتصادية وعسكرية إقليمية نووية, أو في حكم النووية فيما يعني التوازن الإستراتيجي في المنطقة, وثيقة الصلة بحزب الله.

فإن أهمية هذا التحول النوعي الذي ظهر في صفوف المقاومة الوطنية, وانعكاساته على الإسلام السياسي بعمومه, نحو نمط أكثر معاصرة وديمقراطية وعقلانية وانفتاحا وبعدا عن الإقصاء الديني والأيديولوجي والاجتماعي, يستلزم وقفة عربية وعالمية توازيه في العمق والعقلانية والانفتاح, لمن أراد أن يتعايش, أو بالأحرى أن "يعيش", في زمن تغير أكثر مما يرغب البعض, وحتما أكثر مما توقع الجميع.

ولا نبالغ إذ نقول إنه يتغير الآن بأكثر وبغير ما تتوقع الغالبية الموزعة بين جمود نظرياتها وفخاخ تمنياتها.

تعليقات: