حولا وعديسة وكفركلا وميس الجبل: بناء قصور عند الحدود

رغماً عن الجدار.. ما تزال بوابة فاطمة تسقطب المنددين بالإجرام الإسرائيلي (علي لمع)
رغماً عن الجدار.. ما تزال بوابة فاطمة تسقطب المنددين بالإجرام الإسرائيلي (علي لمع)


«السفير» تجول في القرى الحدودية من العرقوب إلى الناقورة (3)

من كفركلا إلى عديسة فحولا وميس الجبل، قصة واحدة من قضاء مرجعيون قبل الوصول إلى قضاء بنت جبيل. أربع قرى وبلدات حدودية كبر أهلها على رؤية فلسطين، فكانت جزءاً من يومياتهم، كما كل القرى الحدودية.

كفركلا تعني بالسريانية «قرية العروس»، لها باع طويل مع المقاومة. بعد التحرير في العام 2000 كانت البلدة عروساً بكل ما للكلمة من معنى. خرج من بوابتها المفتوحة آخر جندي إسرائيلي. كل من يريد أن يرى الهزيمة الإسرائيلية بأم العين كان يزور «بوابة فاطمة». يرمي حجراً على المركز الإسرائيلي الموجود عند الطرف الآخر، ثم ينصرف.

سرعان ما تحولت البوابة إلى قبلة لكل التظاهرات والاعتصامات في المناسبات الوطنية. استفز ذلك إسرائيل إلى الحد الأقصى، فرفعت جدارها الاسمنتي على يمين البوابة وشمالها. حجبت الصورة في هذه النقطة تحديداً، لكنها لم تحجب رمزيتها، كما لم تستطع حجب صور هزيمتها المحفورة على طول الحدود.

في العام 2000، تخلص الجنوبيون من حقبة احتلال دام ربع قرن تقريبا. بعد 2006 انكسرت صورة الإسرائيلي. أهالي القرى الحدودية، سواء أيدوا «حزب الله» أم عارضوه، لسان حالهم أن إسرائيل أثبتت فعلا أنها «أوهن من بيت العنكبوت».

يفاخر الدكتور نمر سليم في حولا أن إسرائيل «تخاف منا وليس العكس». يقول إنه اشترى أرضاً على الحدود مباشرة لتشييد منزل. قبل انتصار تموز كان ذلك مستحيلاً. نمر، وهو شيوعي، يؤكد أن البلدة المعروفة تاريخياً بأنها قلعة الشيوعيين لا تحمل عقدة من يقاوم. الأولوية دائماً لفعل المقاومة. لا يدخل نمر بالأسباب التي أدت إلى تراجع الدور الشيوعي في مقاومة إسرائيل، لكنه يؤكد أن معظم هؤلاء يتمنون دائماً لـ«حزب الله» أن يزداد قوة لأن قوته هي قوة لجميع أبناء الجنوب.

لا ينكر الطبيب الشيوعي حصول بعض التوترات بين «الشيوعي» و«حزب الله» أحياناً، لكنه يجزم انها لا تتعلق بجوهر إيماننا بالمقاومة من أي جهة أتت. عادل الآتي من السعودية وهو شقيق نمر يخالفه الرأي. يقول:«8 و14 آذار زعران ومفكرين البلد مزرعة». لديه ملاحظات على أداء «حزب الله» لا سيما تدخله في سوريا، لكنه يرفض التمييز بين هذا وذاك: الكل يتحمل مسؤولية اضمحلال الدولة.

لا يفسد الخلاف قضية. لا ينكر ساجد غنوي التاريخ النضالي الكبير للشيوعيين. المنتسب إلى «حزب الله» والآتي من عائلة شيوعية، يؤكد أن أبناء القرية يلتقون دوما في المقاومة. قد يختلفون بالسياسة لكن وجهتهم واحدة: مقاومة إسرائيل..

ميس الجبل لا تختلف كثيراً. تتفوق على جارتها حولا باللافتات التي تحتفي بذكرى انتصار آب: «ميس الجبل قلعة الجهاد والصمود».

الأمان ثم الأمان. كل من تلتقيه في الطريق يحدثك عن الأمان الذي يشعر به أهل الجنوب. يقول الأسير المحرر عباس قبلان إن حرب تموز كرست معادلة الاستقرار في المنطقة، «فالإسرائيلي يعرف أن كل المستعمرات هي اليوم في مرمى الصواريخ».

العين المفتوحة على غزة طرحت أسئلة من قبيل هل تتدحرج الأمور قرب الحدود؟ ثمة من يؤكد أن لبنان لن يبدأ أي معركة. يؤمن قبلان أنه لا مجال لمعارك صغيرة، «فالمعركة المقبلة ستكون على صعيد المنطقة، والجو الآن غير مهيأ لها لأن الظهر غير مؤمن، ولأن المعركة في سوريا لا تزال مفتوحة».

يتكرر الحديث نفسه في ميس الجبل، كما في أكثر من قرية جنوبية. قلة تميز بين المعركة التي يقودها «حزب الله» في سوريا وبين حربه مع إسرائيل. يقولون إن المقاومة في لبنان وفلسطين تقاوم الاحتلال الاسرائيلي، بينما في سوريا تقاوم المشروع الإسرائيلي الذي يريد تفتيت المنطقة.

من يلتقي بأسرى محررين يسمع شكاوى عدة. يتحدث قبلان عن سعي مع إحدى البلديات في القرى المحسوبة على خط المقاومة لإحياء ذكرى إحدى المجازر المروعة التي ارتكبها جيش لحد بحق مجموعة من شبان القرية وعلى مرأى من أقاربهم. كانت إجابة رئيس البلدية سلبية، لأنه «يريد أن يحافظ على مشاعر عائلات العملاء.. تصوروا كيف اهتم بمشاعر أهالي العملاء ولم يهتم بمشاعر أهالي الشهداء»، يقول قبلان، مشيرا الى أن لا أحد «يريد فتح أبواب الماضي، لكن المطلوب في المقابل أن لا نقول أنها مرحلة وطويت».

جنود الكتيبة الأندونيسية في «اليونيفيل» يبتسمون للكاميرات. هم يتمركزون على كورنيش بلدة عديسة المطل على سهل الحولة في فلسطين. كلما وصل ضيف لالتقاط صورة يتوددون له. لا يمانعون أن يكونوا جزءا من الصورة. كما لا يترددون في طلب صورة مع إحدى الفتيات الجميلات. حينا يسألون عن الإسم وحيناً آخر عن الجنسية. قد يكون لذلك دوافع أمنية، ولكن الثابت هو اللطف الشديد.

موقع عديسة حساس جداً بالنسبة لـ«اليونيفيل». لم ينس عناصرها، كما ضباطها، المواجهات التي جرت بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي منذ أربع سنوات (3 آب 2010) على خلفية قطع إسرائيل شجرة من الجانب اللبناني من الحدود. كانت النتيجة حينها مقتل ضابط إسرائيلي وجرح عسكريين مقابل استشهاد ثلاثة عسكريين لبنانيين والصحافي عساف ابو رحال.

لم تكن تلك الحادثة الأخطر منذ حرب تموز تفصيلاً. تبعها العديد من الاستفزازات الإسرائيلية التي كانت تسعى القوات الدولية، التي استحدثت مركزاً لها إلى جانب حاجز الجيش اللبناني، بعدها لضبط الوضع.

الخروق الإسرائيلية لم تغير من خطط أبناء البلدة. صارت المنازل على الشريط. قصور تبنى على الحدود من دون أن يأبه أصحابها بأنها قد تكون هدفاً أولاً في أي حرب قد تجري. تحول البناء على الحدود إلى ثقافة يتقاسمها كل أبناء القرى.

في الحديقة الصغيرة التي تتوسط ساحة عديسة، يجلس عدد من الشبان يدخنون النارجيلة. يلتجئون لفيء الأشجار هرباً من قيظ آب. كلهم يفاخرون بإنجازات بلدتهم في حرب تموز. يتحدثون تحديدًا عن بطولة أحد المقاومين الذي تحول إلى أسطورة. يؤشر أحدهم إلى تلة مقابلة انتشرت فيها البيوت الجديدة، ويقول: انها منطقة ساقطة عسكرياً.. إلا أن الثقة تبدد قلقنا.

لا يمانع أحد الجالسين بفتح جبهة من لبنان لدعم غزة، ولكنه يترك للمقاومة أن تقدر.. وتقرر. صديقه يخالفه الرأي: لست مع فتح الجبهة. يوضح أنه إذا اعتدت إسرائيل فسنحارب نحن وأولادنا، ولكن إذا لم يحصل ذلك فلا يجب أن نتحرك نحن. يقول إن خسائره في حرب تموز وصلت إلى مليون ونصف مليون دولار ولم ينل الا القليل. هذه شكوى عامة تقريبا. كل أصحاب المؤسسات التجارية وكل مزارعي التبغ لم يعوّض عليهم أحد خسائرهم.

الجزء الأول من "«السفير» تجول على القرى الحدودية.. من العرقوب إلى الناقورة"

الجزء الثاني من "«السفير» تجول على القرى الحدودية.. من العرقوب إلى الناقورة"

الجزء الثالث من "«السفير» تجول على القرى الحدودية.. من العرقوب إلى الناقورة"

تعليقات: