يعطوني جنسيّة أوروبيّة... وعيْب عَ اللي بيرْجع عَ لبنان


كنت حينها في سيّارة أجرةٍ استقلّيتها مصادفةً، وكان السائق كزملائه من سائقي التاكسي في لبنان، يحبّذ التحدّث مع الركّاب عن همومه ومشاغله وتحاليله السياسية والاجتماعيّة المتواضعة. وأذكر يومها أنها كانت تمطر بغزارة في ما يعرف بالـ "الشتوة الأولى" في لبنان، حيث الجميع يتحدّث عن نتائج السيول في ظلّ أزمة النفايات. كان رجلًا ستينيًّا غريب الأطوار يرندح الأغاني الفلكوريّة ويتأمّل مشهدية الطوفان. فجأةً نظر في مرآته وابتكر حديثًا من دون مقدّمات: "يعطوني جنسيّة أوروبيّة، وعيب عَ يللي بيرجع عَ لبنان". ربّما هي عبارةٌ منفعلة وغير مقصودة، تعبر عن نقمة من واقع الحال، يتبنّاها كلّ من تعترضه الصعاب في وطن مزدحمٍ بالأزمات. إلا أن تفوّه رجلٌ في خريف عمره بها، يفتح النقاش حول مدى السخط الذي بات يعيشه المواطن اللبناني، والذي يترجم دائمًا على شاكلة وجهةٍ واحدة: "الهجرة". هذه الظاهرة التي لطالما تعدّدت وجوهها، بين دائمة وموقّتة، تفتح سجالًا عن رغبة المهاجر في العودة مستقبلاً الى عرين وطنه الأم، أم رفض هذه النظريّة والادماج في بوتقة مجتمعٍ جديد، ينتمي إليه اللبناني في الهويّة والكيان، القلب والقالب.

ما بين 35 و55 ألف شخص سنويًا

شهد لبنان حقبات عدة، طبعت سجلّ #الهجرة_اللبنانيّة وفقًا لأحداث جمّة، بدءاً من ستينات القرن التاسع عشر فالحرب العالميّة الأولى، ووصولًا الى زمن الألفيّة الثالثة. اليوم، ها نحن ضمن الحقبة المعاصرة للهجرة التي تتمثّل بدءًا من الفترة الممتدة منذ عام 1990 وحتى 2015. وقد شهد بلد الأرز في هذه المرحلة تغيرات وتقلبات عدة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، أثرت جميعها بشكلٍ أو بآخر في واقع الهجرة. فقد وصلت نسبة النمو الاقتصادي عام 2000، وبحسب دراسة أجرتها وزارة المال بالتعاون مع صندوق النقد الدولي وتقارير المحاسبة الوطنية السنوية والتقارير الشهرية لجمعية مصارف لبنان، إلى صفر في المئة كما سجلت معدلات سلبية عام 2001 وصلت إلى 0,5%، وظلت معدلات النمو تتأرجح صعوداً وهبوطاً محققةً نسباً غير مستقرة متأثرةً بتوتر الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة بدءاً من الغزوات الإسرائيلية المستمرة للأراضي اللبنانية وازدياد معدلات البطالة إضافةً إلى الافتقار للخدمات كالكهرباء والمياه، جميعها عوامل ساهمت في ازدياد معدلات الهجرة بشكلٍ كبيرٍ بحيث ارتفع معدل المهاجرين من 56754 في عام 1994 إلى 176676 في 1999 و 259292 في 2001. كما شهد النمو الاقتصادي تراجعًا عام 2005 ليحقق نسبة 1%، حيث هاجر من لبنان ما يزيد على 176,344 مهاجر. في حين وصلت نسبة نمو الناتج الوطني في عام 2008 الى 8% مع عدد مهاجرين وصل الى 61535.

أما في 2015، وبحسب إسقاطات الأمم المتحدة، تبيّن أن الرقم الأكثر دقّة للهجرة الصافية من لبنان الى دول الاغتراب يراوح ما بين 35000 و55000 شخص سنوياً، في حين أنه من المتوقّع أن ينخفض عدد السكان الحاليين في لبنان ما بين 8000 و 28000 شخص سنوياً، مقارنةً بمستويات الخصوبة التي تنخفض في ظلّ الأوضاع الإقتصاديّة والإجتماعيّة السيئة، الامر الذي يرجّح إمكان انخفاض أعداد اللبنانيين المقيمين في عام 2040 الى 3.5 ملايين نسمة.

نحو مجتمع كهل

تعتبر الأستاذة في علم النفس الإجتماعي جمال باز أن "العلاقة التي تربط #اللبناني بوطنه تصطدم بمفترقين. الأول يتمثّل في أن انتماءه الأساسي يتمثّل بولائه الى مؤسّسة العائلة فالدين ووصولًا الى الوطن. أما الثاني، فينطلق من أن الدولة اللبنانية لا تنصف مواطنيها ولا تقدّم لهم محفّزات ايجابيّة تساعدهم في البقاء على رغم حبهم لوطنهم. هذه المعادلة تؤكّد نظريّة انتماء المواطن اللبناني الى دولة أجنبيّة على حساب وطنه الأم، خصوصًا بالنسبة الى الأولاد الذين في حال ترعرعوا في أجواء البلدان الأوربيّة والأميركيّة، مما يحتّم فرضيّة عدم عودتهم الى لبنان".

وتشير الى ان "فرضيّة العودة الى الوطن بعد قضاء سنوات في بلاد المهجر تكون من نصيب الذين نشأوا أصلًا في لبنان وهي الفئة التي تراوح أعمارها اليوم بين 50 و60 عامًا. هؤلاء قد يرغبون في العودة نظرًا إلى الحنين الذي يتملكهم، وتعلّقهم بمفهوم الانتماء والموت في أرض الأجداد". وترى أن "الصورة الإيجابيّة الوحيدة التي يكتسبها المهاجر عن بلده، هي مظاهر حبّ الحياة والفرح والسهر، وقد تشكل العامل الوحيد الذي يشجع على العودة بعد سنواتٍ من التضحيات المهنيّة". وفي هذا الإطار، تستنج أن "لبنان اليوم أمام تحدٍّ كبير وهو تحوّله مجتمعاً هرماً، في ظلّ انخفاض معدّل الولادات بشكلٍ كبير في السنوات الأخيرة، نظرًا إلى الظروف الاجتماعيّة والاقتصادية الصعبة".

ضياع في الانتماء

تلخّص الاختصاصيّة في علم النفس العيادي الدكتورة إليانا قاعي الواقع الذي يعيشه اللبناني في بلاد #الإغتراب"بمسألة الضياع في الانتماء الذي ينتج من اضطرابٍ في الهويّة نتيجة التخبّط بين اعتياد العيش في لبنان والرغبة في الاندماج في مجتمعٍ غريبٍ يواجه فيه عوائق جمّة بدءاً من اللغة وإمكان تكوين أصدقاء جدد، وفرضيّة البحث عن فرصة مهنيّة قد لا تحقّق الطموحات المرجوّة، إضافةً الى مسألة التأقلم في المحيط البيولوجي الذي يحتاج من 6 أشهر الى سنة على الأقل".

وعن #الضغوطات_النفسيّة التي يعيشها المغترب في الهجرة تشير الى ان "الإحباط والكآبة واليأس والخوف من الغد، هي عوامل يمرّ بها كل شخص يعاني عدم استقرارٍ في مصيره بين وطنه الأم والغربة، خصوصًا أن المشكلة الأساسيّة تكمن في المشكلات الاقتصاديّة". وتضيف: "المفارقة تكمن في أن الأوضاع غير المستقرة لم تكن المحفّز الأساسي للهجرة، لأن مقاربة المثل اللبناني تشير الى أن حالة البلاد الأمنيّة لم تتغيّر منذ سنوات، في حين أن المشكلات الإقتصاديّة تتفاقم مما يحتّم ارتفاعاً في ظواهر الآفات الاجتماعيّة المتمثّلة بالسرقة والقتل". وعن إمكان ايجاد حلول للحدّ من تفاقم سلبيات الهجرة، تلفت الى ان "الأمل يكمن في تكوين جيلٍ جديد على أسسٍ صحيحة بعيدة من الممارسات الاجتماعيّة الخاطئة وثقافة التنظير".

في مقابل الراغبين في الهجرة، هناك من تخلّى عن الجنسيّة اللبنانيّة لصالح جنسيّاتٍ أخرى، وعاد بعد حين للبكاء على أطلال انتمائه الحقيقي الذي خسره. على رغم عدم وجود مغرياتٍ حياتيّة تشجّع على البقاء، الا أن في لبنان حكايات أكبر من الوصف، تلحم الصلة بين الروح ونسيم الوطن. قد تكون أشياء بسيطة، الا ان فيها تاريخاً. منها صوت الجدّة السبعينيّة، الذي لا يزال يصدح في أرجاء بيت القرميد: "مخبيتلك مرطبان مربّى التين بس ترجع هالصيفية عَ لبنان".

تعليقات: