استثمار قطري في الانسان وانفتاح على الثقافات والديانات

الكنيسة من الداخل
الكنيسة من الداخل


كنيسة سيدة الوردية الكاثوليكية بناء أول في مجمّع كنسي

الافتتاح الرسمي لها في 15 آذار في رعاية ممثل بابا روما..

يستعد المسيحيون في قطر لافتتاح الكنيسة الكاثوليكية الأولى رسمياً في البلاد منذ 1400 عام، وذلك في 15 آذار المقبل، بعدما وصل عددهم الى 100 ألف، موزعين بين العرب، والهنود والفيليبينيين والايطاليين والفرنسيين... بما مجمله 68 جنسية من الجاليات المسيحية ومنها الجالية اللبنانية. وسيحتفل المسيحيون في قطر برتبة عيد الفصح في كنيسة الوردية الكاثوليكية، التي هي الاولى في سلسلة كنائس لطوائف أجازت السلطات القطرية بناء كنائس لها.

خطوة مهمة ولافتة ومنفتحة من دولة قطر. هذا هو لسان حال المسيحيين الموجودين في قطر، وهم ينتظرون 15 آذار المقبل، الموعد المحدّد لافتتاح كنيسة سيدة الوردية الكاثوليكية رسمياً في البلاد. وستدشن الكنيسة في رعاية ممثل البابا السفير البابوي المطران منجد الهاشم وحضور المطران بول هندر، راعي أبرشية الخليج العربي. أما ادارياً ومالياً، فستتبع هذه الكنيسة أسقف الخليج الكاثوليكي ومقرّه أبو ظبي، وهو يشرف على الكنائس في الإمارات وسلطنة عمان والبحرين واليمن ما عدا الكويت.

هدية كريمة

مسرورون، فخورون. أقل ما يمكن قوله عن مشاعر المسيحيين الموجودين في قطر. اختاروا هذه الدولة الصغيرة للعيش والعمل بسلام، وقد هاجروا وابتعدوا طلباً للأمان والهدوء والراحة. ولأنهم أرادوا الصلاة وعبادة الله كما تعلموا وتربوا، فإن السلطات القطرية حققت لهم ما أرادوا، عبر السماح بتشييد كنيسة يستطيعون فيها ممارسة شعائرهم الدينية بحرية. وهذا ما يدل على ايمان دولة قطر بالانفتاح وبتطبيق مبادىء الحقوق الانسانية وحرية التعبير والعبادة. وهذا ليس بغريب على البلاد وأميرها، إذ ان الدوحة تضمّ مركزاً لحوار الأديان، وتحتضن منذ أعوام عدة مؤتمراً سنوياً للحوار بين الاديان السموية الثلاثة، وتشارك فيه فاعليات مسيحية واسلامية ويهودية، كما انها تلعب دوراً أساسياً في الانفتاح. من هنا كانت موافقة الأمير حمد بن خليفة آل ثاني على بناء الكنيسة والتبرع بالأرض.

كاهن الجاليات العربية والفرنسية والايطالية الأب الكبوشي يوسف يوسف، هاتفه لا يهدأ من كثرة المطالب والاستفسارات والاسئلة عن قرب موعد الانتهاء من البناء. الورشة قائمة على قدم وساق، والأعمال لا تتوقف طوال الاسبوع من اجل انجاز البناء قبل الموعد المنتظر.

الكنيسة القديمة

لكن كيف كان المسيحيون يصلّون قبل بناء الكنيسة الجديدة؟

يخبرنا الاب يوسف انه في كل اسبوع كان يتم احياء 54 قداساً لكل الجاليات المسيحية، يتقاسمها 6 كهنة كبوشيين من جنسيات مختلفة. في البدء كانت القداديس تقام في البيوت (العائلة المنزلية) وفي المدارس الاميركية والفيليبينية، وحالياً في كنيسة في مجمع سكني، الى جانبها مكاتب للتعليم المسيحي. لكن منذ زهاء 10 سنين تقام القداديس في كنيسة الوردية القديمة، التي شيدت على شكل "هنغار" على أرض في مجمع استأجرتها الكنيسة الكاثوليكية وتبرع الاهالي المسيحيون ببناء الهنغار والمكاتب الملاصقة له، والتي تستعمل كصفوف للتعليم الديني لحوالى 397 ولداً عربياً، يتلقون التعليم الديني على معلمات وبعض الأهالي.

الى جانب هذه الكنيسة، يلفت النظر مزار صغير على شكل مغارة طبيعية وفيه قربان مصمود، يقصده بعض المؤمنين ليرفعوا الصلوات والنذورات. اما عن الاقبال من العرب وتحديداً من اللبنانيين، فيقول الاب يوسف ان اللبنانيين أكثر من يقصد الكنيسة. ويقام اسبوعياً قداسان لهم يومي الجمعة والأحد مساء، والتعليم الديني مساء الخميس. إضافة الى نشاطات اجتماعية تجرى دائماً لأبناء الرعايا.

علماً ان ثمة طوائف أخرى، وتحديداً من اللبنانيين المسلمين يدخلون الكنيسة ويشاركون في القداس الالهي، لكن لا يتقدمون من الاسرار. والسفير اللبناني في قطر حسن سعد يشارك سنوياً في قداس مار مارون.

... والجديدة

بالنسبة الى الكنيسة الجديدة فقد تبرّع الأمير حمد بن خليفة آل ثاني بالأرض لمدة 50 سنة، والنيابة الرسولية للخليج العربي هي التي تشيّد الكنيسة من تبرعات المؤمنين، وهي تحمل الاسم عينه، أي: كنيسة سيدة الوردية الكاثوليكية. التبرّع يكون من المؤمنين في الخليج عبر الرعايا في الدول وتبرعات الجالية العربية. وستكلف الكنيسة والمباني والتجهيزات زهاء 18 مليون دولار. استغرق البناء حوالى سنة و8 أشهر. حتى لو تم الافتتاح في 15 آذار للكنيسة، فإن الورشة ستبقى قائمة حتى الانتهاء من كل البناء.

"النهار" زارت موقع بناء المجمع الديني الضخم، والتقت الكهنة القيمين وكذلك المهندسين والعاملين في الورشة. يقول أحد المهندسين، وهو لبناني، ان مساحة المجمع – العقار هي 347 47 متراً مربعاً، لكن الكنيسة الكبرى مساحتها 3772 متراً مربعاً.

يتضمن العقار أو المجمع الكنسي الجديد: الكنيسة المبنية من الحجر الأصفر والتي تتسع لـ 2800 شخص جلوساً، أما الباحة الخارجية فتتسع لزهاء 15 ألف شخص. وستوضع شاشات عملاقة في الخارج ليشارك المؤمنون خارج الكنيسة في القداس الالهي. والى جانب الكنيسة الكبيرة ثمة كنيسة صغيرة لا تختلف هندستها عن الكبرى، الى غرفة خاصة للأولاد الصغار، وفيلا لسكن الكهنة (مساحتها 958 متراً مربعاً) تضم حوالى 14 غرفة نوم مع صالون، وأخرى للعمال (مساحتها 299 متراً مربعاً) ومكاتب (مساحتها 543 متراً مربعاً) ومبنى للتعليم الديني يضم 48 صفاً (مساحته 225 متراً مربعاً) ومبنى للاحتفالات ومسرح يتسع لـ 1500 شخص (مساحته 2175 متراً مربعاً). اضافة الى بيت للحرس (مساحته 23 متراً مربعاً) وموقف يتسع لـ 900 سيارة وتبلغ مساحته 226 متراً مربعاً. وستزرع أشجار وأزهار في محيط المباني كلها.

الى جانب الكنيسة الاساسية 6 كنائس لكل الطوائف المسيحية الأخرى بما فيها 3 للروم الارثوذكس والاقباط، أي أننا سنكون أمام تجمّع كنسي بامتياز. لكن لن تعلو كنيسة الوردية وكل الكنائس الاخرى الصلبان ولا أي اشارة تدلّ على وجود تجمع كنسي.

الحوار وقبول الآخر

اذا كان بناء كنيسة في قطر قد أدى الى بعض الاعتراضات في بداية الأمر، فإن المسيحيين في الدوحة يرون في هذه البادرة "خطوة مهمة في العالم العربي، إذ ان قبول الآخر وحرية العبادة من أبرز الأمور في حياة الانسان. وهذا الانفتاح نحن معتادون عليه في قطر ويؤدي الى تطور كبير على كل الصعد وبالتالي يستطيع المؤمن ممارسة شعائره الدينية بحرية وأمن ومن دون ان يزعج سواه"، على ما يقول نعيم واكيم.

من جهته، يؤكد الاب يوسف "نحن لسنا مبشرين بل نهتم بالأجانب والمسيحيين الموجودين في البلاد، وخصوصاً ان عدد المؤمنين المسيحيين في ازدياد مستمر في قطر".

لبناني يعمل في قطر منذ سنين والتقيناه هناك، أكد ان بناء كنيسة في قطر أمر مهم "وخطوة رائدة أن تساهم دولة قطر في هذا الانفتاح عبر بناء كنيسة لجالية كبرت كثيراً".

وهذا يدل على ان دولة قطر، التي تشهد نهضة عمرانية مهمة ونهضة تربوية رائدة في العالم العربي، تعمل على بناء الانسان وتطوره، إذ انها تعتبر ان الاستثمار الأساسي لأي بلد هو في تعليم الانسان وتطوره وانفتاحه، فلا مشكلة لديها بتعدد الديانات والثقافات بل هي منفتحة، وما تطورها الا خير دليل على ذلك.

تعليقات: