فقدان ثلاثة مليارات دولار من مصرف لبنان

لا يوجد اليوم من يسأل عن شبهات تبديد دولارات المصرف المركزي (ريشار سمور)
لا يوجد اليوم من يسأل عن شبهات تبديد دولارات المصرف المركزي (ريشار سمور)


أبلغ حاكم المصرف المركزي رئيسي الجمهوريّة والحكومة ووزير الماليّة، في آخر اجتماعات قصر بعبدا الماليّة، أن ما تبقى من احتياطات يمكن استخدامها لدعم استيراد السلع الحيويّة، لا تتجاوز قيمتها الملياري دولار، فيما لا يمكن المساس بالاحتياطات الأخرى المتبقية، لكونها تمثّل الاحتياطي الإلزامي، الذي أودعته المصارف لدى مصرف لبنان، مقابل الودائع الموجودة لديها بالعملات الأجنبيّة. وحسب التقديرات، كان من المفترض أن تكفي الاحتياطات القابلة للاستخدام، أي الملياري دولار، لحوالى شهرين أو ثلاثة أشهر من دعم الاستيراد كحد أقصى. وهو ما أطلق المباحثات في بعبدا لاتخاذ خطوات كفيلة برفع هذا الدعم تدريجيّاً.

لكنّ ثمّة أرقام أخرى أعلن عنها مصرف لبنان، في الأيام الماضية، أثارت الكثير من الريبة والقلق في الوقت نفسه. إذ يبدو أن الاحتياطات القابلة للاستخدام قد لا تكفي حتّى لمدّة شهرين، وفقاً لوتيرة استنزافها في الفترة الأخيرة. فيما تثير وتيرة وطريقة الاستنزاف هذه الكثير من الريبة، بخصوص كيفيّة استخدامها والجهات المستفيدة منها.

ماذا جرى في تموز؟

حسب الأرقام، انخفض صافي الموجودات الخارجيّة لمصرف لبنان، أي صافي موجوداته المقوّمة بالعملات الأجنبيّة، بنحو 2.78 مليار دولار خلال شهر تمّوز وحده، فيما انخفض صافي الموجودات الخارجيّة للمؤسسات الماليّة والمصارف بنحو 266 مليون دولار خلال الشهر نفسه. بمعنى آخر، خسر القطاع المالي اللبناني، الذي يشمل المصارف التجاريّة ومصرف لبنان معاً، خلال شهر واحد فقط، ما يقارب الثلاثة مليارات دولار، التي لا يعرف اللبنانيّون اليوم مصيرها، ولا طريقة استخدامها. علماً أنّ هذه القيمة التي اختفت بشكل مريب خلال شهر واحد، توازي وحدها 1.4 مرّات كل ما أنفقه لبنان على دعم استيراد المواد الحيويّة في النصف الأوّل من السنة، وفقاً لأرقام الجمارك اللبنانيّة.

في الواقع، ثمّة الكثير من الأسباب لطرح الشبهات حول مصير المليارت الثلاثة، التي طارت في شهر تموز من موجودات القطاع المالي اللبناني. خصوصاً وأن حجم الاستنزاف الشهري في صافي الموجودات الخارجيّة للقطاع لم يتجاوز في شهر حزيران مثلاً مستوى 295 مليون دولار. بمعنى آخر، تضاعفت وتيرة استنزاف الدولارات حوالى عشر مرات بين الشهرين المتتاليين، من دون وجود أي تفسير منطقي لذلك. وفي كل الحالات، كانت نتيجة هذا التطوّر المخيف انخفاض احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبيّة نفسها، التي تُستخدم اليوم لدعم الاستيراد، بنحو 2.28 مليار دولار خلال شهر تموز.

بإختصار، يفوق انخفاض الاحتياطات الذي حصل في شهر تموز قيمة الاحتياطات القابلة للاستخدام، المتبقية حاليّاً بحوزة مصرف لبنان، والتي أشار إليها الحاكم نفسه. وبالتوازي مع كل هذه الأرقام الصادمة التي خرجت للعلن، ومع وقوف البلاد على مشارف مرحلة تقليص الدعم وارتفاع الأسعار الجنوني، الذي سيلي ذلك، نتيجة استنزاف الاحتياطي، لم يجد مصرف لبنان نفسه -حتّى اللحظة - معنيّاً بإعطاء أي تفسيرات بخصوص مصير هذه المليارات الثلاثة، وطريقة استخدامها. خصوصاً، أن عدم وجود قانون كابيتال كونترول حتّى اللحظة، يفتح الباب أمام جميع شبهات إساءة استخدام الدولارات المتبقية بحوزة المصرف المركزي، وبحوزة المصارف التجاريّة في المصارف المراسلة.

في الواقع، يوجد الكثير من الاحتمالات التي يمكن أن تفسّر ما حصل بخصوص هذه المليارات، سواء تلك التي جرى صرفها من موجودات مصرف لبنان الخارجيّة، أو من موجودات المصارف التجاريّة. فعمليّاً، يمكن أن يكون مصرف لبنان قد استخدم جزء من هذه السيولة للسماح للمصارف بتغطية بعض الإلتزامات الخارجيّة، وهو ما يفسّر انخفاض بند "إلتزامات المصارف الأخرى" بنحو 1.76 مليار دولار خلال الشهر نفسه. كما يمكن أن يكون ثمّة مستفيدين آخرين من هذه التحويلات التي جرت إلى الخارج، من أصحاب النفوذ المالي والسياسي تحديداً، على النحو الذي خرجت فيه من مصرف لبنان حوالى 6 مليارات دولار من السيولة، التي لم يتم استخدامها لدعم استيراد السلع الأساسيّة منذ بداية السنة.

ما يتم تحضيره في بعبدا

بينما تترك جميع المسائل المتعلّقة بإدارة الاحتياطي من دون مساءلة أو توضيح، تقف البلاد اليوم أمام استحقاق دفع ثمن الاستنزاف الحاصل في موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبيّة. المداولات التي حصلت في قصر بعبدا، تؤكّد أن التوجّه سيكون في الأسابيع المقبلة نحو تخفيض الدعم بشكل تدريجي على مشتقات المحروقات، بالتوازي مع رفع الدعم عن جزء كبير من السلع التي كانت مشمولة بالسلة الغذائيّة، التي كان يتم استيراد موادها على أساس سعر صرف منصّة مصرف لبنان. أما النتيجة الطبيعيّة المتوقّعة، فستكون مضاعفة أسعار المحروقات والكثير من السلع الغذائيّة، التي سيتم استثناؤها من الدعم خلال فترة قصيرة جداً، مع كل ما يعنيه ذلك من انخفاض كبير في القدرة الشرائيّة للمواطنين. أما الدعم المتعلّق باستيراد الدواء، فسينتظر التداول مع وزارة الصحّة لتحديد آليّة الدعم، والأصناف التي سيتم استثناؤها منه لاحقاً.

أخطر ما في المداولات الأخيرة، هو عدول مصرف لبنان عن فكرة توفير البطاقة التموينيّة لجميع المواطنين، كما كان المجلس المركزي للمصرف يتجه سابقاً. إذ تقرر في مباحثات بعبدا حصر هذه البطاقة بشريحة ضيّقة جدّاً من العائلات الأكثر حاجة، ومن دون وضع أي معيار لطريقة تصنيف هذه العائلات. وبغياب أي معلومات ضريبيّة مفصّلة قادرة على تحديد هذه الشريحة بشكل موضوعي وعادل، سيكون مصير هذه البطاقات التوزيع وفقاً للمحسوبيات والوساطات، كما حصل طوال الفترة الماضية مع جميع أشكال الدعم الذي قدّمته الحكومة.

المشاهد المأساويّة المنتظرة

بكل بساطة، تقف البلاد اليوم على مشارف مشاهد كارثيّة. بين ارتفاع نسب الفقر نتيجة الرفع التدريجي للدعم عن السلع الأساسيّة، والارتفاع القياسي في سعر صرف الدولار الذي سينتج عن انتقال الطلب على الدولار لاستيراد هذه السلع إلى السوق الموازية، بعد توقّف مصرف لبنان عن توفير هذه الدولارات، وصولاً إلى إمكانيّة انقطاع بعض السلع الأساسيّة نتيجة الشح المتوقّع في الدولارات في سوق الصرف الموازية بعد رفع الدعم.

وعلى مشارف كل هذه المشاهد السوداء المتوقّعة، لا يوجد اليوم من يسأل عن شبهات تبديد دولارات المصرف المركزي، التي سرّعت في الوصول إلى هذه المرحلة. كما لا يوجد من يسائل أقطاب الحكم عن سبب التقاعس في إقرار قانون الكابيتال كونترول، الذي كان يفترض أن يحول دون تبديد هذه الدولارات بهذه السرعة. أما الأهم، فهو عدم وجود ما يبشّر بإمكانيّة محاسبة كل من بدد هذه السيولة، بعد الإطاحة بمسار التدقيق الجنائي في أرقام المصرف المركزي.

تعليقات: