الإنسان ابن بيئته

تميّز أبناء الخيام في قديمهم والحديث بقيمٍ إنسانية ترجموها أواصرَ ترابط ومرونة وعروبة ووطنية
تميّز أبناء الخيام في قديمهم والحديث بقيمٍ إنسانية ترجموها أواصرَ ترابط ومرونة وعروبة ووطنية


لقد تميّز أبناء الخيام في قديمهم والحديث، بقيمٍ إنسانية عميقة ترجموها أقلّه في زمننا أواصرَ ترابط، ومرونة، وعروبة، ووطنية لا تجارى. ففي الجغرافيا تربّعت على ربوة محاطة بسهولٍ غناء، وبجيران طيّبين. فمن الشرق تلفحها نسائم عربية من الجولان الأشم، والعرقوب العنيد، وسماحة عمائم الأتقياء في البيّاضة المنوّرة. وجنوباً تتعاطى تاريخياً مع المطلة العربية، وزعيمها الشيخ علي الحجّار، وكأنها الحارة الجنوبية منها، ومع الخالصة، عاصمة الحولة الفلسطينية، فسحة حوار وتلاقٍ مع الناس ومصالحهم وتاريخهم. وإذا ما يمّم الخياميون غرباً فتتعانق معاولهم ومناجلهم مع مثيلاتها لأبناء الجديدة، والقليعة، وبرج الملوك، ودبين. ولا تُنسى ملاقاة أهالي إبل السقي عند نبعهم في كافة الأزمنة. وعلى مرّ السنين، وفي داخلها، تتناغم تراتيل كنائسها مع التكبير في مسجدها الحسيني العامر بالإيمان، وبذلك اكتملت لدى الخياميّين قناعتان: حق الاختلاف وواجب الحوار.

 في هذه الخيام الرائعة كانت نشأة الرفيق الراحل سعيد الضاوي. ولكي تكتمل اللوحة الإنسانية في بناء شخصيّته التي تدرجت في قبول دعوات الإصلاح والتطوّر والتقدّم كان ينهلُ من مصادر سخيّة طبعتها بالتقدمية، ومشاعر العروبة الصادقة. وأول هذه الصيحات كانت للعمّار صالح محمد عبود، يرفع لواء المساواة بين البشر، والمفاهيم الشعبية للحريات والعيش الكريم في بدايات القرن الماضي، ممّا جعله محطة تكريم لأبناء بلدته وجوارها رحمه اللّه.

أما اللوحة الثانية فكانت تلك التي رسمها الأستاذ المرحوم كامل عبدالحسين العبداللّه في استضافته للمعلّم كمال جنبلاط، وبعض أركان الحزب التقدّمي الاشتراكي في 5 ت1 1950، ليُعلن من منزله انطلاقة حزبه في الخيام، والعديسة، والطيبة، ومركبا، بتلاقٍ رائع مع قوافل الرفاق في حاصبيا العرقوب.

أما اللوحة الثالثة فكانت مع المرحوم النطاسي البارع د. شكراللّه كرم، الذي ما توانى عن حمل أدويته وخبرته سيراً على الأقدام، أو على الرواحل، معالجاً مرضاه من الحدود السورية والفلسطينية إلى زوايا البيوت في الخيام ومحيطها، وبدلُ أتعابه لم يتعدَ عند الأكثرية من مرضاه ما تنتجه أرضهم من فواكه وخضار وألبان...

ويتوالى توارد وسمو الأفكار الوطنية مع المناضل الوطني، والقائد الشعبي المميز والثقافي المتحرّر، الأستاذ حبيب صادق، وحوله ومعه تكبر جوقة الأحرار والمناضلين، من هاني خليل عساف، متعدّد الأنشطة والميادين في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني. فلم يكتفِ بساحات الجامعة اللبنانية والاتحاد الوطني، وطلّابها مع نخبة مجلية في عملها من الرفيق أنور الفطايري إلى القياديين فاروق دحروج وعصام خليفة، والياس عطالله، وغازي منصور، ونصير الأسعد، وحكمت العيد، وغيرهم المئات، بل تسلّق جبل النجدة الشعبية اللبنانية، وحملا رايتها إلى الأعالي، ونصير الأسعد وحكمت العيد.

ونعود إلى السعيد عنواناً لهذه الحضارة الخيامية، فبدأ حياته مدرّساً في قبريخا، حيث يتشارك مع المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين نهاراً في هموم الناس، وتطلعات الشباب، وبناء الوطن. ويتسامر ليلاً مع رفاقه أفكار وآمال كمال جنبلاط في بناء مجتمع الكفاية والعدل.

تدرّج في مسؤولياته الحزبية، وكانت أسماها حمل مشعل التنظيم الحزبي. فمع هذه الجمرة التي تتطلب الثقافة، والثقة، والجلَد، والدراية، مقابل النكد والجبوبية، والطائفية، والأنانية، استطاع رفيقنا أن يمارسها بشفافية وصلابة فهو المخلص، والصادق، والأمين، والمحب، لكل الرفاق والحلفاء أيضاً...

ما حمله سعيد في ثمانينيات القرن الماضي كان ثقيلاً على سواه، فكان الجنوب مسرحه الأول، وهو فيه المعتمد والمرشد، وعضو القيادة المشتركة للحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، ومدير الصندوق الوطني لدعم الصمود الجنوبي. وهو إلى الشمال لأيامٍ من أجل حسن تنظيم العمل الحزبي، فيما كال بالكيل الوافي حقوق الرفاق في البقاع والجبل بحسن الإدارة. أمّا بيروت، عاصمة الحقوق والتقدّم، فكانت أولوية في نشاطه.

هذا الإنجاز الذي سجله الرفيق المرحوم ما كان ليُنجز لولا ما حازه من ثقةٍ جزيلة من قيادة الحزب ممثلةً بأمين السر العام، الراحل المرحوم أنور الفطايري، ومن رعايةٍ، وعنايةٍ، ومواكبةٍ، وتوجيهٍ من الرئيس وليد جنبلاط أمدّه الله بالعافية والعمر الطويل.

أربعون عاماً كانت فترة الرفقة في الحزب التقدّمي الاشتراكي، والمجلس الثقافي في لبنان الجنوبي مع المرحوم. وكان آخر جولاتنا معاً في منتدى التنمية اللبناني أواخر القرن الماضي مع شلّةٍ من الأصفياء، والأكفياء، والطيبين من مناضلي العمل الوطني والشعبي على امتداد الوطن، فحمل معنا منذ التأسيس أمانة التنمية، ومثّل في عمله صدق العمل، فكان صوت الناس، وناقل الأفكار، ومترجم الحركات. رحمه الله...

 وعدُنا لك رفيقي سعيد أن نبقى صادقين فيما تعاهدنا عليه في حزبنا، حزب العمال والفلاحين، وفي مجلسنا الثقافي مع أمينه العام، العزيز حبيب صادق، ومع زملائك في هيئة تنسيق مرجعيون- حاصبيا.

حقّك علينا أن نبقى أوفياء لعروبتنا كما رضعناها مع حليب كمال جنبلاط الفكري، وأن نبقى أوفياء لأفكاره في الجبهة العربية المشاركة في ثورتها.

حقّك علينا أن نبقى في منتدانا في خاصرة لبنان مع عروبته في الحولة والجولان، أصوات محبة وتعاون من أجل لبنان أفضل وحياة أكثر سعادة لناسنا.

ولنا ملء الأمل أن تبقى سيرة نضالك، وتاريخ رفاقك ومجايليك في الخيام والجنوب، مدرسةً للأجيال القادمة من أجل لبنان عربي وديمقراطي موحّد.

رحمك الله.

(*) ألقيَت في الذكرى الأربعين للرفيق الراحل سعيد الضاوي  

* المصدر: anbaaonline

أربعون عاماً كانت فترة الرفقة في الحزب التقدّمي الاشتراكي مع المرحوم وكان آخر جولاتنا معاً في منتدى التنمية اللبناني
أربعون عاماً كانت فترة الرفقة في الحزب التقدّمي الاشتراكي مع المرحوم وكان آخر جولاتنا معاً في منتدى التنمية اللبناني





تعليقات: