عدنان سمور: ماذا يعني أن يصل المشروع الصهيوني إلى مرحلة المراهنة على بقائه؟..

قامت دولة الصهاينة على بحر من المجازر والمظالم والدماء والخراب والدمار والقتل
قامت دولة الصهاينة على بحر من المجازر والمظالم والدماء والخراب والدمار والقتل


ماذا يعني أن يصل المشروع الصهيوني إلى مرحلة المراهنة على بقائه مقابل تقدير خاطىء من قبله لعدد صواريخ المقاومة في غزة؟

ان المشروع الصهيوني الذي بدأت تحضيراته العملية في مؤتمر بال عام 1897 في سويسرا على يد ثيودور هرتسل (1860 - 1904) وفيه أعلن عن وجود ضرورة ملحة لإنشاء وطن قومي لليهود في الأرجنتين كخيار ثان في حال تعذر تأمين الخيار الأول الذي كان أرض فلسطين نظرا لملاءمة المكان لمشروع الدول الكبرى الإستعمارية التي بدأت تطور أساليب إخضاعها للشعوب لمشاريع هيمنتها حيث تعمل على تقطيع أوصالها ونشر الفتن والخلافات والحروب والإقتتال في ما بينها لتعطل أي إمكانية لتحقيق التنمية في مجتمعات هذه المنطقة ولتعطيل أي إمكانية لنهوض شعوب هذه المناطق من تخلفها وجهلها وتأخرها عن ركب الحضارة الذي وصل إليه الإنسان في الدول المتقدمة .

وفي هذه المنطقة يمكن للحركة الصهيونية نسج اسطورتها المبنية على لي عنق القيم والتعاليم الدينية و الوقائع التاريخية لمصلحة مشروعها مستفيدة من الإمكانيات المادية المتاحة لها ومن وسائل الإعلام القادرة على قلب الحقائق وتزوير الوقائع وتضليل الناس وصنع الرأي العام العالمي حسب رغبة المستفيدين ومشاريعهم ومخططاتهم . ويمكن للوطن القومي المقترح لليهود الذين باتوا مرفوضين في أوروبا بسبب صعوبة إندماجهم في المجتمعات الغربية التي بدأت تذوب وتتقارب فيها كل الخصوصيات والثقافات الموجودة باستثناء اليهود وغيتوياتهم وانماط حياتهم وإنغلاقهم على انفسهم بأسلوب مرضي مقلق لمن يعيشون معهم في نفس المجتمعات لدرجة بدأت تثير التوتر وبروز الصراعات العنصرية في أوروبا.

بين مؤتمر بال عام 1897 والحرب العالمية الأولى عام 1914 عقدت الحركة الصهيونية عشر مؤتمرات لوضع البرامج والخطط وبلورة مشروع إقامة وطن قومي لليهود وتأمين المساعدات اللازمة من المال والدعم السياسي لمشروعهم من قبل الدول الإستعمارية حيث جهدت الحركة الصهيونية على تماهي أهدافها مع أهداف هذه الدول للإستفادة من مساعدتها ودعمها.

وكان من ثمار هذا المنهج المتبع حصول المنظمة الصهيونية على وعد عام 1917 من رئيس وزراء بريطانيا آرثر جيمس بلفور (1848 - 1930 ) في لحظة كانت تعاني فيها بريطانيا من إنهاك وحاجة لإعادة إعمار للدمار الذي لحق بها جراء الحرب العالمية الأولى ولديها مطامع في منطقتنا يمكنها تحقيقها بسهولة أكبر بدعم الحركة الصهيونية القادرة على إستنزاف شعوب وانظمة وثروات المنطقة.

لقد مثل وعد بلفور المحطة الأساسية الثانية في بلورة وتوضيح المشروع الصهيوني في فلسطين . كما سعى هرتسل ومن خلفه من زعماء الحركة الصهيونية لاحقا الى الإستفادة من لحظة الضعف والإنهيار للإمبراطورية العثمانية المتآكلة وتابعت بعد ذلك مساعيها بكل جد واجتهاد حتى وقعت الحرب الكونية الثانية وصار بالإمكان تمرير المشروع على أرض الواقع بعد أن نسجت الحركة الصهيونية شبكة العلاقات اللازمة لمشروعها وأطماعها وأسست لوبيات الضغط المساعد لتمرير القرارات والمؤامرات والخدع كما أسست الأجهزة الأمنية اليهودية المدعومة بقوة من قبل الدول الإستعمارية الكبرى ومن الشركات والمنظمات والأثرياء اليهود المقتنعين بالمشروع الصهيوني. وهكذا تم تمرير المشروع الذي بني على شكل مؤامرة دولية غايتها النهائية الإستئثار بموارد وثروات المنطقة ومنع أي عملية نهوض لشعوبها تمكنهم من فهم واقعهم واستيعاب أبعاد المؤامرة الحاصلة فيتبنوا مشروع مقاومة للقوى المتآمرة عليهم بشكل يؤدي الى طرد القوى المستعمرة والمستنزفة لهم ولطاقاتهم إضافة لهزيمة وتدمير الوطن القومي المزعوم والمموه والمدعوم بكل المال والسلاح والتضليل والضغوطات والإرهاب والتخويف .

أسست دولة إسرائيل واعترفت الدول الداعمة والشريكة في المؤامرة بها وقامت دولة الصهاينة على بحر من المجازر والمظالم والدماء والخراب والدمار والقتل والسجن والغدر والتضليل والخداع وكل ما يمكن أن يخطر ببال الشيطان الرجيم.

وبعد تركيز الأوضاع داخل فلسطين بدأ الكيان الصهيوني الغاصب يتوسع بالإعتداء على دول الجوار العربية وصارت إسرائيل دولة نووية وهزمت ثلاث جيوش عربية دفعة واحدة في حرب العام 1967 ووسعت رقعتها الجغرافية محتلة الجولان وسيناء والضفة الغربية لنهر الأردن وبدأت تتحدث عن شرق أوسط جديد تحدد هي مساره ومصيره وترسم خطوطه العريضة وتحمي حلفاءها من كل ما يتهددهم وتمحوا من الوجود كل من يفكر أو يحلم بمعارضتها ومطالبتها بحقه وأعلنت القدس عاصمة نهائية لها . وطبعت علاقاتها مع معظم الدول العربية ودعمتها في شن حروب على الدول التي عارضتها بكل ما أوتيت من قوة وعملت معها على حرف مشاريع النهوض العربي المتمثل بالربيع العربي ودجنت جزأ كبيرا من هذه الثورات الخضراء واحتوتها .

ولكن بقي محور المقاومة والممانعة حيا ينبض وظلت فلسطين تتابع إنتفاضاتها وتتناغم مع المخلصين الشرفاء والأحرار من شعوب المنطقة ومثلت تجربة حزب الله في لبنان منارا وقدوة لأحرار العرب والمسلمين في منطقة غرب آسيا وفي أكثر من مكان على إمتداد العالم وشكلت إيران الثورة الإسلامية أملا داعما وملهما لكل حركات النهضة والثورة في محيطها القريب والبعيد وصمدت سوريا باستبسال حير العقول وبقيت على موقفها ووفائها لفلسطين ومحور المقاومة وعادت العراق الى امتها وبدأت تسترجع عافيتها ودورها وانتصرت على مؤامرة داعش العالمية المدعومة من المشروع الصهيو اميركي والصهيوعربي وتبشر العراق اليوم بخير كبير قادم.

والبحرين المظلومة والمهضوم حقها تحمل جرحها وتعض عليه وتنتظر الفرصة السانحة لغرق فرعونها .

وأما حكاية اليمن فهي حكاية مفعمة بالدهشة وتمثل اكثر واقع في عالمنا يشبه الأسطورة حيث يجد المرء صعوبة في استعاب ما يحصل من تضحيات وصبر وتحمل وجوع امراض واوبئة وانتصارات مجلجلة وإرادة تحطم كل سلاح ومال وتقنيات يمكن أن تخطر على بال بشر، والحفاة اليمنيون يفتحون بابا وينيرون شموسا لمسقبل الأمة يأتون بها من قلب المستحيل.

وتتويجا لهذه المواجهة بين المشروع الجهنمي الصهيوني الذي يعمل على تثبيته وحمايته ودعمه وتقويته منذ ما يزيد على 124 عام الدول الغربية الأقوى في العالم بات اليوم مهددا في عمق وجوده ويدخل نفسه في رهان أشبه بالمقامرة القائمة على صوابية أو عدم صوابية تقديره لعدد الصواريخ التي تمكنت المقاومة الفلسطينية من تخزينها في غزة بعيدا عن عيون جواسيسه وراداراته وأجهزة تنصته وكاميراته وحساساته الأرضية والبرية والبحرية وفي حال تبين للعالم أن إستعدادات المقاومة في غزة هي كما تدعي المقاومة والأرجح هو ذلك فإن رهان النظام الصهيوني سيخسر، وستؤسس فلسطين ومقاومتها وإنتفاضتها الشاملة على إمتداد أرض فلسطين وفي الشتات لإنهيار المشروع الصهيوني من الداخل وتفتت حلمه الإستعماري التاريخي الذي دفع عليه آلاف مليارات الدولارات وسخرت له عقول أدهى دهاة العالم ودعم باطله من أقوى وأقدر الأنظمة المتغطرسة ونفذت لأجله مجازر راح ضحيتها مئات آلاف الشهداء واعتقل من اجله خيرة شباب الأمة وأجهضت من أجله أحلام وبراءة وطفولة ومشاعر إنسانية نبيلة لا عد ولا حصر لها ونفذت لأجله أسوار إسمنتية عالية وشباك معدنية لا بداية ولا نهاية لها وانتجت الصراعات المتتالية التي افتعلها هذا الكيان جرحى ومعوقين وعذابات وأوجاع تعجز الأقلام والألسن والقصائد والملاحم عن وصفها .

فلسطين المذبوحة اليوم من الوريد إلى الوريد ونحن الذين ندعمها ونؤيدها وندعوا لها نرجوها ان تحافظ على صبرها وحكمتها وقدرتها الإعجازية على التحمل وإجتياز المصاعب ، ونقول لها انت اليوم مطالبة يا فلسطين أن تكسبي الرهان وتتابعي المسير وتكشفي ضعفهم وعجزهم وانكسارهم وانهيار مشروعهم عند بوابات الأقصى التي بارك الله حولها . قولي لهم يا فلسطين الحبيبة بالفم الملآن وبكل ثقة وثبات إن كل خططكم وكل إنفاقكم وكل الطاقات والجهود التي بذلتوها والحسابات التي حسبتوها كانت تعاني من ثغرة واحدة وإسقاط عامل واحد من المعادلة وهذا العامل هو الذي اوصلكم إلى ما وصلتم إليه اليوم من قلق وجودي وخوف على المصير وقد ذكرناكم مرارا وتكرارا به خلال مراحل صراعنا الطويل لكنكم تحت تأثير نشوة الإنتصار المرحلي والإعتقاد الواهم أنكم أمسكتم بأسباب القوة التي لا تنهزم لم تسمعوا تذكيرنا وها هي اليوم فلسطين رغم تواضع قدراتها ومع عظمة إرادتها وإيمانها بحقها وثقتها بربها الذي نسيتم وجوده الحاسم في المعادلة تنتصر عليكم وتهدد وجودكم وسيأتي لاحقا أنصار فلسطين والمؤمنون بحقها وبمظلوميتها وتتكاتف الأيدي ويطرد مشروع الهيمنة المتغطرس من المنطقة وتعود شعوب المنطقة وحلفاؤها في العالم ليتعاونوا في تحقيق النهضة المرجوة والتنمية المستدامة التي تحقق للإنسان حياته الكريمة التي إختارها الله له واختاره لها .

إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا.

عدنان إبراهيم سمور.

باحث عن الحقيقة.

تعليقات: