ما من إطار نقابي يحميهم: موظفو المصارف «الحلقة الأضعف»

لا تتدخّل نقابة موظفي المصارف سوى في حال طُلب منها (هيثم الموسوي)
لا تتدخّل نقابة موظفي المصارف سوى في حال طُلب منها (هيثم الموسوي)


كلّما تأخّرت عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي، تعرقلت نهضة الاقتصاد، ودفع عموم السكان الثمن، ومن بينهم موظفو المصارف. حالات الصرف الجماعي من البنوك مُستمرة، ولو من دون ضجّة. تستفيد الإدارات من «الهموم» الكثيرة في البلد لتمرير فعلتها. إقفال فروع، توقّف أقسام عن العمل، تراجع الأعمال، هي «مُبرّرات» المصارف لطرد الموظفين و«مفاوضتهم» على حقوقهم التي لن يحصلوا عليها إلا بـ«اللولار». أمام هذا المشهد، يبدو دور اتحاد موظفي المصارف «هامشياً»، مُعتمداً سياسة «تقليل الأضرار» وليس مواجهتها

«بتّ أشعر أنّ كلّ الزبائن يتعاملون معنا كأعداء»، تقول موظفة في أحد المصارف في فرعٍ «شبه فارغ» من العاملين. هي «ضحية» قطاع مصرفي تسبّب بالانهيار، وبات عنواناً رئيسياً لاستمرار الأزمة من دون إيجاد حلّ. قرّر أصحاب المصارف والمساهمون فيها، تدفيع الثمن لعامة الناس... والتضحية بالموظفين في المصارف، تحديداً أصحاب الرواتب المنخفضة والمتوسطة، ومحاولة حجب حقوقهم عنهم. يحصل ذلك من دون وجود نقابة لموظفي المصارف جاهزة للهجوم على سلطة رأس المال. الجسم النقابي الموجود باسم الدفاع عن الموظفين يتبنّى بشكلٍ كامل خطاب جمعية المصارف، لجهة أنّ «شيطنة القطاع» و«التشهير به» وعدم «دفع سندات الدين الخارجية» هي التي أجبرت المصارف على هذه «الممارسات». النقابة لا تتدخّل إلا حين يُطلب منها ذلك، وكأنّها لاعبٌ على مقاعد الاحتياط وليس حارس المرمى. أما حين تتدخّل، فتطرح «معالجات جزئية» تأتي في غالب الأحيان لمصلحة إدارات المصارف.

أحد الأمثلة على ما يجري، حالة الصرف الجماعي من بنك «مصر ولبنان». 50 موظّفاً أنهت الإدارة عقودهم في الأشهر الماضية (بينهم أزواج، ما يعني القضاء على مدخول عائلة)، «ويُحكى عن لائحة جديدة تضمّ ما بين الـ30 و40 موظّفاً آخرين يُراد طردهم»، كما يقول موظفون مصروفون. هؤلاء قرّروا توحيد «جبهتهم» لتحصيل أكبر قدر مُمكن من حقوقهم العالقة مع إدارة البنك. توجّهوا صوب اتحاد موظفي المصارف لتدعيم موقفهم، ليتبيّن أنّ من يُمثّلهم، الأمين العام لـ«الاتحاد» حكمت السيّد هو في الوقت نفسه موظّف في «مصر ولبنان»، وكذلك ابنته. يعني ذلك وجود تضاربٍ محتمل في المصالح لدى السيّد، بين وظيفته الحالية في بنك «مصر ولبنان» وكونه ناطقاً باسم الموظفين المطرودين. ألا يوجد «احتمال» ولو ضئيلاً أن تُحاول إدارة البنك ابتزازه بوظيفته؟ أو أن تُشكّل علاقته المباشرة بالمدراء في المصرف عائقاً أمام الدفاع بموضوعية عن حقوق الموظفين؟ نُقل للمصروفين أنّ رئيس اتحاد موظفي المصارف جورج الحاج «سيُعالج الأمر»، ولكنّ الأخير يُدافع عن حكمت السيّد وينفي «وجود تضارب مصالح. السيّد أصلاً مُنتخب من قبل موظفي المصرف ليُمثّلهم داخل المؤسسة، ونُنسّق سوياً كلّ الخطوات يومياً، هو لا يُساوم».

البروتوكول المُقدّم من الاتحاد للمصرف يتضمّن حصول المصروفين على: راتب لـ18 شهراً، راتب شهرين عن كلّ سنة خدمة حتى 6 سنوات، راتب شهر ونصف عن كلّ سنة لسنوات الخدمة ما بين 6 و12 سنة، وراتب شهر عن كلّ سنة لمن أمضى في العمل أكثر من 12 سنة ولحدّ أقصى هو 44 سنة. بالإضافة إلى ذلك، تمّت المطالبة بتحويل راتبَي آب وأيلول والتعويض من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى الدولار، ودفع مخصصات التعليم عن العام 2021 - 2022، وتجديد التأمين لكلّ المصروفين. يعتبر الموظفون أنّ الشروط «عادلة»، والإدارة قادرة مادياً على الالتزام بها، «فكما يملك كبار المدراء الدولارات لتحويل ودائع من الليرة إلى دولار، وتخطّي سقف السحوبات الشهرية لعائلاتهم مقابل التقنين المفروض على المودعين، وإبقاء بطاقات الائتمان بالدولار شغّالة من دون سقف، يستطيعون تأمين تعويضاتنا وزيادة رواتب الموظفين الحاليين. وقد حضّرنا رسالة إلكترونية سنُرسلها إلى كلّ الموظفين لنفضح هذه الممارسات». إدارة بنك «مصر ولبنان» رفضت الاقتراح. خفّض الاتحاد من شروطه، عارضاً دفع 10 أشهر للمصروفين عوض الـ18 شهراً، فرفض المصرف أيضاً. فوفق حساباته لن يدفع إلا تعويض 8 أشهر، وشهرين إضافيين عن أول 5 سنوات خدمة، وراتب شهر ونصف لسنوات الخدمة ما بين 6 و10 سنوات، وراتب شهر عن ما يفوق ذلك لغاية 36 شهراً، تُحوّل إلى الدولار وفق السعر الرسمي، ورفض دفع مخصصات التعليم وتحويل تعويضات الضمان إلى الدولار وتجديد التأمين الصحي.

3000 مصروف من أصل 23 ألف عامل في القطاع المصرفي

المفاوضات، حتى الآن، «فشلت وهذا ما تمّ إبلاغه لوزارة العمل»، يقول موظفون. في حين أنّ جورج الحاج يتحدّث بإيجابية عن تعاون «مصر ولبنان»، مؤكداً أن «المفاوضات مستمرة والشروط بين الاتحاد والمصرف متقاربة».

3000 مصروف من أصل 23 ألف عامل في القطاع هي آخر حصيلة عمليات الطرد. عشرات الدعاوى أمام وزارة العمل. ما يجري في «مصر ولبنان» ليس استثناءً، «أحد المصارف طرد منذ بداية تموز وحتى اليوم 150 موظفاً، ويوجد خلافات بيننا وبين إدارته. هناك خلاف أيضاً مع بنك حبيب المُقفل منذ قرابة الشهر، لأنّه يريد التصفية والخروج من لبنان، ويرفض أن يعطي الموظفين حقوقهم»، يُخبر الحاج. أما «بنك الاستثمار» فيُحضّر أيضاً للانسحاب من السوق اللبنانية، «ولكن رُفض تدّخلنا بين الموظفين والإدارة لرغبتهم في حلّ المسألة مباشرةً». في حالات أخرى، كان عدم اللجوء إلى النقابة للدفاع عن حقوقهم «مفروضاً» على الموظفين، كما في مصرف «بيبلوس»، الذي يمنع على العاملين لديه الانتساب إلى النقابة. فحين طُرد موظفون ومدراء جماعياً، حصّلوا تعويضاتهم فرادى. أصلاً النقابة لا تتدخّل إلا «حين تتم مراجعتنا».

يُخبر الحاج أنّه في أواخر عام 2019 كان الطرد الجماعي محصوراً بمصرفَين، بعد ذلك توسّع الإطار «وتواصلت معنا مصارف: اللبناني للتجارة، الاعتماد المصرفي، بيروت والبلاد العربية لعقد اتفاقيات مع الموظفين حصلوا على تعويضات تفوق ما نصّ عليه قانون العمل. مصارف أخرى فتحت باب الاستقالة، لتتجنّب توقيع بروتوكول حفاظاً على السمعة ولعدم توحيد الموظفين في قوّة واحدة». حالات الصرف شبه محصورة لدى المصارف «العشرة الأكبر لأنّها تملك عدداً أكبر من الفروع وحجم أعمالها أكبر. إجمالاً لم تصرف المصارف أكثر من 15 في المئة من كادرها البشري». عقد الاتحاد لقاءات، منذ بداية الأزمة، مع مسؤولي الموارد البشرية في المصارف «طالبين منهم تطبيق المادة 50 من قانون العمل، وأن لا يتمّ الطرد وفق المحسوبية والواسطة». وعام 2021، عمّم الاتحاد «بروتوكولاً» على المصارف يتضمن الحقوق المالية التي يجب أن يحصل عليها المصروفون، «لم تلقَ آذاناً صاغية لدى المدراء العامين. ثمّ أتت الظروف الحالية لتمنعنا من الضغط أكثر. وممّا نعانيه أيضاً، عدم تضامن غير المصروفين مع زملائهم».

لا يوجد حلّ للأزمة لا يتضمن إعادة هيكلة القطاع المصرفي، بما يؤدّي إلى تخفيض أعدادها وإعادة تركيز عملها وتحديد دورها في الاقتصاد. سيعني ذلك حُكماً التخلّي عن عددٍ كبيرٍ من الموظفين، سيدفعون الثمن الأكبر إن لم يتم تحضير أدوات المعركة ضدّ أصحاب المصارف، لاستحصال حقوق الموظفين، وإعداد خطة لدمجهم في قطاعات أخرى أو توزيعهم على القطاع المصرفي المُستحدث.

تعليقات: