السعودية تحشد أنصارها خلف جعجع.. حذر في معراب: بماذا يفكّر حزب الله؟


كما كان متوقّعاً سيرُدّ رئيس حزب «القوات اللبنانية» على كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. الردّ سيكون باتّباع منهجية «سرد وقائع تدحض الاتهامات» وتكرار نغمة أن« حزب الله ورّط لبنان في سياسة المحاور». ما لن يقوله «الحكيم»، ضمن هذه السردية، أن ثمّة توجّساً وحذراً في معراب

كما توقّع كثيرون، لن يتأخّر رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في الردّ على كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أول من أمس في شأن مجزرة الطيونة، إذ سيطل مساء غد عبرَ شاشة «أم تي في» ليعلن موقفه من التطورات. وهو محسوم مع شخص تعوّد أن يعقِد في كل مرة مؤتمراً للرد على السيد نصرالله، حتى لو لم يكُن الأمر يعنيه. فكيف إذا ما كانَ هو وحزبه منفّذي كمين يوم الخميس؟

ما بين الجريمة وإلى ما بعد خطاب السيد نصرالله، قراءات كثيرة وتحليلات واستنتاجات أعطِيت للحدث، على أكثر من مستوى: بعضها سياسي اعتبر أن جعجع اليوم هو «زعيم المسيحيين وسياسته تُحاكي وجدانهم»، فيما ذهب آخرون إلى أن كلام نصرالله تحوّل إلى عملية «شيطنة» للقوات ورئيسها، وهذا أمر يخدمه ويعزّز موقعه في الشارع المسيحي. لكنّ الرأي في معراب مختلف تماماً، أو يمكن وصفه بأنه أكثر حذراً.

ما قامت به القوات اللبنانية، في إطار محاولتها جرّ حزب الله إلى كمين داخلي يهدّد السلم الأهلي، آتى أُكُلَهُ. صحيح أن حزب الله فوّت الفرصة ومنع، مع حلفائه، جرّ البلاد نحو فتنة دموية، لكنّ معراب «قرّشتها» مع الخارج. أولاً بالدعم الغربي، ومن ثم بالدعم السعودي. إذ لم يكن من عمل لدى السفير السعودي في بيروت وليد البخاري، في اليومين الماضيين، سوى توفير الدعم لرئيس القوات، عبر حثّ من يدورون في فلك السعودية من السُّنة والدروز والمسيحيين على التوجه إلى معراب وإطلاق المواقف المؤيدة لها، أو من خلال إرسال رسائل إلى السلطات الأمنية والعسكرية والقضائية تحذر من التعرّض لجعجع وأنصاره سياسياً أو قضائياً أو أمنياً.

ردّ جعجع الخميس هدفه تقديم سردية مضادة لخطاب نصرالله ورفع للمعنويات

واستجابة للضغط السعودي، زارت شخصيات عدة معراب، بعضها سراً مثل النائب السابق فارس سعيد، وآخرون قاموا كالوزير السابق أشرف ريفي الذي أعرب لجعجع عن خشيته من عدم القدرة على تجييش كبير في الشارع السُّني بسبب موقف الرئيس سعد الحريري، واعداً إياه بالعمل على تنشيط الحراك في طرابلس دعماً له، وأنه سيطلب من أنصاره رفع لافتات مؤيّدة لجعجع ومستنكرة لكلام نصرالله.

ويبدو أن الأمر لا يقتصر على الجانب السعودي، إذ أشارت مصادر عسكرية لبنانية إلى اتصالات جرت مع قيادة الجيش والقضاء العسكري من قبل شخصيات لبنانية، بينها مرجعية روحية، تسأل عن سبب التوقيفات التي تطاول عناصر من القوات، وبعضهم ممن لا يسكن في عين الرمانة أصلاً. وقد شرع هؤلاء في حملة ضد هذه التوقيفات.

الرسالة التي أرادتها معراب وصلت إلى من يعنيهم الأمر بأنها «الأجرأ» بين كل زعماء 14 آذار الذين استثمرت فيهم واشنطن والرياض سياسياً ومادياً، على خوض المواجهة المطلوبة مع حزب الله. ويبدو أن السعوديين سيغدقون الكثير على جعجع في المرحلة المقبلة، خصوصاً لدعم حملته الانتخابية.

لكن بعيداً عن الثمن الذي جنته القوات، لا تخلو «النفخة» الواضحة في مواقف مسؤولي القوات وتصرفاتهم من «خشية» عبّر عنها عدد من القياديين بسبب ما أسموه «الهدف البعيد المدى من الحملة التي أطلقها حزب الله وحركة أمل وذهابهما إلى تسمية الأمور بأسمائها في بيان مشترك حمّل حزب القوات المسؤولية» عن جريمة الطيونة، إضافة إلى «مضبطة الاتهام» التي قدّمها نصرالله.


السفير السعودي في بيروت طلب من سعيد وريفي زيارة معراب

وقال هؤلاء إن جعجع بدأ التحضير لرد مفصّل على خطاب نصرالله، وجرى الاتفاق على مقابلة الغد، وهو «سيعتمِد الأسلوب نفسه الذي اعتمده السيد نصرالله في معرض الرد، إذ سيسرد الوقائع التي حصلت خلال نهار الجريمة، وسيدحض الاتهامات التي طاولت حزبه، وسيجدد القول إن ما حصل لا يتجاوز ردة فعل أهالي المنطقة على الاستفزازات»، إضافة إلى «التمرين» على كلام ينفي فيه أي صلة له بأي نوع من التسليح، مع عرض مفصّل لـ«دور حزب الله وتورّطه في حروب الآخرين وإدخال لبنان في سياسة المحاور».

مع ذلك لم يكُن صعباً على العارفين بأجواء معراب إدراك أن ثمّة ما يُربكها. ليسَ وحده الرقم الـ 100 ألف مقاتِل الذي ذكره السيد نصرالله وقصد به الخارج أكثر من الداخل هو السبب. معراب تدرك كغيرها، أو ربما أكثر من غيرها، قدرات حزب الله العسكرية وغير العسكرية وليسَت بحاجة إلى معركة تثبِت ذلك. لكنّ ريبتها وحذرها نابِعان من «عدم معرفتها بماذا يفكّر حزب الله، وإلى أين يريد أن يصل بحفلة الشيطنة التي يقودها». ولعلّ أكثر ما يؤرقها أن «حزب الله ومنذ عام 2005، لم يذهب يوماً معها إلى فعل التهديد بشكل مباشر بعدَ أن كانت كل المواجهات سياسية بالمواقف والتصاريح». بكل الأحوال، التحقيقات في ما حصل مستمرة، ومغامرة القوات بجولات أخرى قد تكون واردة، لكن في العلن فإن ردَّ القواتيين ورئيسهم في الأيام المقبلة «لن يتجاوز تسجيل موقف سياسي».

لكنّ الهاجس العملاني لدى قيادات القوات هو في العمل وسط الناس من أجل استثمار ما تعتبره حملة تخويف ضدها. والتركيز هو على جعل قوى كثيرة مثل حزبَي الكتائب والأحرار وقوى من المجتمع المدني تقف إلى جانبها ضمن تحالف يسبق الانتخابات النيابية المقبلة.


قضية البيطار: جلسة لمجلس القضاء ولا جديد

عُقد أمس، بعيدا من الأضواء، اجتماع لمجلس القضاء الأعلى لمناقشة اقتراح رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير العدل هنري خوري تقديم اقتراحات إلى المحقق العدلي طارق البيطار بعد الاجتماع به الخميس. وقالت المصادر إن الاجتماع استعرض كل ما طرح من أفكار، وأن النتيجة لا تزال على ما هي عليه.

وقالت مصادر مطلعة إن رئيس مجلس القضاء سهيل عبود أبلغ الحاضرين بأنه لا يمكن تنحية البيطار عن ملف التحقيقات في جريمة تفجير المرفأ، ولا إقناعه بتعديل آلية عمله، وإن أي مسؤول كبير في الدولة لم يطلب ذلك بما في ذلك المعترضون على الأداء.

وفي هذا السياق، نفى متصلون بالبيطار ما جرى تسريبه أمس عبر قناة «العربية» عن نيته مغادرة لبنان إلى فرنسا. وقال هؤلاء إن المحقق العدلي «لا يزال على موقفه، ومستمر في عمله وتحقيقاته، وسيستدعي النائبين نهاد المشنوق وغازي زعيتر إلى جلسة استماع الجمعة، وفي حال تخلفهما سيصدر مذكرات توقيف بحقهما كما حصل مع النائب علي حسن خليل».

وبناء عليه، فإن رئيس الحكومة لن يدعو إلى جلسة قريبة للحكومة، لكنه لا يظهر حماسة للتقدم بمقترحات لمعالجة اعتراضات حزب الله وحركة أمل وتيار المردة على القاضي البيطار. ونقل عن ميقاتي أنه أبلغ المتصلين به بأن لبنان «لا يتحمل نتائج الضغوط الخارجية بشأن ملف التحقيق، وأن التدخل في عمله سيدفع الدول الكبرى إلى مقاطعة لبنان ومنع أي مساعدات عنه».


بلدية الغبيري تدّعي على رئيس القوات

علمت «الأخبار» أن بلدية الغبيري ممثَّلة برئيسها معن خليل تقدّمت بشكوى أمام النيابة العامة العسكرية ضد كلّ من رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، و10 من عناصر الحزب تداولت وسائل الإعلام أسماءهم، وكل من يُظهره التحقيق، وادّعت عليهم بـ«جرائم القتل ومحاولة القتل وتأليف عصابة مسلّحة وجمعيات أشرار والترهيب». واتّخذت بلدية الغبيري صفة الادّعاء الشخصي على هؤلاء على خلفية استشهاد الشرطي البلدي محمد حسن السيد وزوجة مفوّض شرطة بلدية الغبيري الشهيدة مريم فرحات وإطلاق النار على أبنية وسيارات في النطاق البلدي، وطلبت توقيف المدّعى عليهم وإحالتهم إلى القضاء المختصّ.


مجزرة الطيونة على طاولة حكومة العدوّ: سياق لاستهداف المقاومة وليست حدثاً معزولاً

علي حيدر

لم تكن دعوة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله إلى متابعة ما يقوله الإسرائيلي عن كلفة أي حرب مباشرة ضد حزب الله، وعن الحرب الأهلية، إلا تعبيراً عن حقيقة يتم التداول فيها رسمياً في كيان العدو، وفي معاهد الأبحاث وعلى ألسنة معلّقين مختصّين أو بأقلامهم. إذ لا يخفى حرص قيادة العدو على تجنّب مواجهة واسعة مع حزب الله، لتفادي سيناريو تعرّض جبهته الداخلية لكمّ هائل من الصواريخ لم يتعرض لها منذ قيام إسرائيل عام 1948، وأن البديل استهداف المقاومة من خلال جبهتها الخلفية (بعد الفشل عبر البوابة السورية)، وبعناوين وأساليب متعدّدة. ومن مقارنة ما يجري على أرض الواقع، مع ما يطلقه هؤلاء من مواقف ويدعون إليه من خيارات، يمكن تلمّس علاقة العدو بالمخطّطات التي تستهدف المقاومة وموقعه منها.

لا تشكل هذه الصراحة والمباشرة في التعبير عن الخيارات البديلة أي مفاجأة، بل هو أمر طبيعي في السياق الإسرائيلي، وحتى الأميركي. فكلاهما لا يُخفيان في كثير من الأحيان الخطوط العامة لمخططاتهما ضدّ حزب الله... ولا يحتاج الأمر سوى إلى الاطّلاع والمتابعة وقدر قليل من التفكيك والربط لتتضح معالم الصورة كاملة.

ضمن هذا الإطار، لم يكن تناول رئيس وزراء العدو نفتالي بينت لمجزرة الطيونة (إلى جانب تطورات العراق) في جلسة الحكومة إلا تعبيراً عن مستوى حضور مستجدّات هاتين الساحتين لدى أجهزة التقدير والقرار في كيان العدو. ولم يكن اختياره الحديث عن هذه المجزرة والترحيب بها، إلا انعكاساً لرهانات إسرائيل على مواجهة حزب الله في الساحة الداخلية اللبنانية، خصوصاً أنه وضعها في سياق مساعي قوى لبنانية للتخلص من المقاومة و«النفوذ الإيراني». ولذلك رأى فيها مدخلاً لما يطمح إليه في مواجهة حزب الله (بتعبيره التحرّر من حرس الثورة الإسلامية)، مؤكداً أن الإسرائيليين يتابعون التطورات والاتجاهات بهدف التخلص من «النفوذ الإيراني» الممثَّل بحزب الله وفصائل المقاومة في العراق.

في السياق العام، شكَّل موقف بينت امتداداً للمواقف الرسمية التي تناول من خلالها القادة الإسرائيليون تطورات المشهد اللبناني (والعراقي أيضاً) منذ نحو سنتين. بدأ هذا المسار منذ وصف سلفه بنيامين نتنياهو مسار الأحداث الذي بدأ في 17 تشرين الأول عام 2019، بأنه «هزة أرضية»، بما عكس حجم الرهان الإسرائيلي على التطورات الداخلية لإعادة إنتاج واقع سياسي وأمني يدفع بيئة المقاومة للانقلاب عليها، وإنتاج سلطة سياسية تملك فيها الولايات المتحدة سيطرة مطلقة، والانتقال إلى مرحلة أخرى من المخطط الذي يستهدف المقاومة... على أمل أن تترتّب على ذلك إعادة إنتاج بيئة إقليمية مجرّدة من عوامل القوة تمهد الطريق أمام تكريس الهيمنة الأميركية على لبنان والمنطقة.


المقاربة الإسرائيلية للمجزرة تشي بأن محاولات استهداف المقاومة ستتواصل بأساليب متنوّعة

لكن ما ينبغي الالتفات إليه، أيضاً، أن المواكبة الإسرائيلية للتطورات اللبنانية في السنتين الأخيرتين، لم تقتصر على المستوى السياسي ومعاهد الأبحاث، وإنما شملت الأجهزة الأمنية، إذ كشفت تقارير إسرائيلية أنه «في جميع المحادثات السياسية والأمنية التي تجريها إسرائيل مع أميركا وفرنسا ودول أوروبية أخرى، كانت تُطرح مسألة لبنان». وضمن هذا السياق، تم الدفع بشكل متعمّد نحو الانهيار، رغم أن الأزمة المالية والاقتصادية منشؤها داخلي. لكنّ المفاجأة التي صدمت الجهات المعادية للمقاومة أن بيئتها صمدت وحافظت على تماسكها، رغم معاناتها أيضاً، قبل أن تتلقّى هذه الجهات صفعة مدوّية عبر معادلة الردع عبر البحار التي ظلَّلت سفن المحروقات من إيران إلى سوريا فلبنان، والتي غيَّرت الدينامية السياسية في اتجاه مغاير لما كان مخطّطاً له بمعنى من المعاني. لكن، إسرائيلياً، شكّل هذا السيناريو ترجمة للسيناريو الذي حذّرت منه الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قبل أشهر من تحوّل حزب الله والجمهورية الإسلامية إلى منقذين للشعب اللبناني على خلاف المخطّط الذي يتم تنفيذه.

هكذا، يصبح واضحاً أن مجزرة الطيونة أتت - موضوعياً - بعد فشل محاولات دفع بيئة المقاومة للانقلاب عليها، ومساعي عزل حزب الله وإخراجه من مؤسسات السلطة السياسية بهدف تطويقه، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة التالية من المخطط. وأيضاً بعد فشل مخطط الانهيار الذي كانت الآمال بأن يُلقي على المقاومة أعباء تقيّدها، وتوفر إمكانية ابتزاز لبنان وشعبه من أجل الخضوع للمطالب الأميركية – الإسرائيلية.

استناداً إلى هذا المسار، لم يكن عابراً أن يسارع رأس السلطة السياسية في كيان العدو للدخول على خط المجزرة كاشفاً عن الفرص التي يراهن بأن يوفرها تطور الأحداث الدموية. ولدى التدقيق في ما أدلى به بينت، يمكن تلمّس رؤية العدو الرسمية لما حدث، وموقعه من الاستراتيجية الإسرائيلية العامة في مواجهة المقاومة. فهو لم يتعامل مع المجزرة على أنها حدث عابر، بل ترجمة لخيار مواجهة المقاومة في لبنان. وبتعبير بينت الجهة التي ارتكبت المجزرة هي «قوى، ببساطة، استاءت من سيطرة النفوذ الإيراني»، واصفاً ما جرى بالضربة القاسية التي تلقّاها حزب الله. وكان واضحاً تعمّد بينت أن يُعبِّر عن المقاومة بـ«النفوذ الإيراني» ترجمة لاستراتيجية إعلامية تحاول أن تنزع عنها صفة الدفاع عن الوطن، وهو ما تردّده الجهات المعادية للمقاومة في لبنان في تعبير عن مستوى التطابق بين الطرفين. لكنّ المؤشر الأهم في سياق مجزرة الطيونة، تمثَّل في التعبير عن الأمل بأن «ينجح الشعب اللبناني في التحرر من حرس الثورة الإسلامية وبناء مستقبل أفضل». وليس ذلك إلا تأكيداً على أن إسرائيل ترى في هذه المجزرة محطة في سياق، لا حدثاً معزولاً عن السياسات التي تستهدف المقاومة في لبنان. وإلى كونها مدخلاً لخيار بديل تعمل عليه إسرائيل، وعبر الولايات المتحدة، للدفع نحو إنتاج واقع أمني وسياسي يفرض على المقاومة أن تدافع عن نفسها على أمل أن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية تستنزف المقاومة وتشغلها.

ليس خفياً أيضاً أن موقف المقاومة فوَّت على العدو هذه الفرصة وأحبط حتى الآن رهاناته. إلا أن المقاربة الإسرائيلية لهذه المحطة - المجزرة تشي بأن محاولات استهداف المقاومة ستتواصل بأساليب متنوّعة، ما دامت تمثل خياراً بديلاً عن المواجهة العسكرية المباشرة التي تتجنّبها إسرائيل حتى الآن.


الشياح بعد الخميس الأسود: لا مفرّ من العودة إلى هناك!

راجانا حمية

لم تكن أحداث الخميس الأسود مجرد «فاصل معتاد» سيستأنف بعده أبناء منطقة الشياح علاقاتهم بمنطقة عين الرمانة. مع ذلك، يميّزون، في قمة غضبهم، بين «الجيران الأبديين» وبين «ميليشيا القوات اللبنانية»

لم يحدث أن أقفل أبو محمد السيّد باب رزقه كل هذه المدة. حتى في صولات «الحروب» وجولاتها لم يفارق الرجل مكانه. كان كمن يحرس شارع أسعد الأسعد من وحشته. يرابط هناك إلى أن يعود كل شيء إلى حاله. في الجولة الأخيرة، قبل أسبوع، عاد الكلّ إلى «الأسعد»، ولم يعد أبو محمد. هذه المرّة، خسر جولته، بعدما فقد ابنه البكر في الأحداث التي اندلعت ذات خميسٍ أسود. خسارة «ع قدّ العمر يللي قضّاه بالأسعد»، يقول صاحب عربة الخُضر المرابط على زاوية الشارع حيث تجمهر الغاضبون صباح الخميس الماضي.

اليوم، بعد أسبوعٍ على الفاجعة، لا يزال باب محل السيّد مقفلاً وعلى جنباته صور لابنه الشهيد وصورته المستجدّة بلباسه الأسود. ربما، بعد أيامٍ، سيعود أبو محمد إلى مكانه، لكنّ الأكيد أنه لن يستعيد أيامه التي كانت ما قبل الخميس. ولا غيره أيضاً، فأحداث ذاك اليوم لم تكن مجرد فاصل سيواصل من بعده أبناء الشياح عيشهم كما كان. ثمة وقت مستقطع من الحزن والغضب سيظل حاضراً حتى «يلحم» الجرح. صحيح أن هذه المنطقة ليست دائمة السكون لجيرتها مع خط تماسٍ لا يهدأ، إلا أن ما يتغيّر اليوم هو فقدانها لثلاثة شبانٍ. ولذلك، يبتلع الأهالي هنا «السلم الأهلي» على مضض بسبب وجود هذا «الدم في الأرض».

العابر في شوارع المنطقة، ولا سيما شارع أسعد الأسعد القريب من خط التماس مع منطقة عين الرمانة ومن الكمين في منطقة الطيونة، سيعرف بأن الناس لم يخرجوا تماماً من جلباب الخميس، إذ لا تزال الأحاديث تدور حول الذي جرى، حتى مع استعادة المنطقة لألفتها وحركة الناس فيها وعودة المحالّ التجارية ومقاهي الطرقات والبسطات.

مع ذلك، لا تشبه حياة الظاهر ما يحمله أبناء الشياح في نفوسهم. يتصرفون اليوم كمن يعضّون على الجرح. يقول علي إن الناس في المنطقة «متل اللي عايشة على فوهة بركان». علي الذي أقفل محله مرغماً في عين الرمانة عام 2019 بعد 19 عاماً من العمل هناك بسبب أحداث تشرين، يجد نفسه اليوم محاطاً بمجموعة من الأسئلة عما حدث مع «الجهة المقابلة». مع ذلك، يميّز علي، كما غيره من أبناء منطقة الشياح بين «جيراننا من المسيحيين وميليشيا القوات اللبنانية». الخيط الفاصل بين الجيران والميليشيا أن الجيران «ربينا معهم»، في حين أن الثانية «طارئة على النسيج». ولذلك، فإن «الغضب فقط على الميليشيا».

يسترجع علي سيرة منطقتين «ما يجمعهما أكثر مما يفصلهما». يؤكد أن كثيرين من شباب الشياح «كبروا» في عين الرمانة، سواء «في مدارسها أو في محالّها أو شوارعها»، ولذلك كان الرابط «أصعب من أن تفكّكه بعض النكوزات». إلى ذلك، ويضيف سبباً آخر لـ«الوصل»، وهو «أننا تربينا في الشياح على صورة الإمام الصدر في الكنيسة». ولأنه كذلك، يعرف علي أن يوماً ما سيلحم ما انقطع. وهذا الـ«يوماً ما» مرهون ببرودة الجرح الذي ساق ثلاثة شبانٍ من المنطقة إلى الموت.


يبتلع الأهالي هنا «السلم الأهلي» على مضض بسبب وجود «الدم على الأرض»

يحرص أبناء الشياح في أحاديثهم عن العلاقة مع جيرانهم في عين الرمانة لكونهم هم «أمّ الصبي»، لذلك تجدهم في كل حين يذكرون بأنهم السبّاقون إلى العودة إلى عين الرمانة. هذا ما يؤكده تامر. فهو إن كان اليوم قد انقطع عن جيرانه فلأن «الدم حامي». أما عندما يبرد ذلك الدم، فـ«لا مفرّ من العودة إلى هناك».

كثر يسوقون الأجوبة نفسها عن العلاقة مع الجيران، ومنهم «أبو علي»، صاحب البسطة «مطرح ما تجمعوا الشباب نهار الخميس». عاد الستيني إلى مكانه، وهو مدرك تماماً أن زبائنه «من أهلنا في عين الرمانة» سيرجعون إلى بسطته التي «كانوا يشترون منها أكثر من جماعتنا». لكن، مع ذلك، ثمة يقين لدى الرجل بأن هناك «من يجب أن يحاسب عما جرى وتحديداً من حملوا السلاح على التظاهرة السلمية. يرفض الرجل أن يصدّق أن ما جرى هو حادث قضاء وقدر، ويفضّل أن يصدّق ابنته التي عاشت رعب القنّاصين في «بناية الموسوي» في منطقة الطيونة.

يستذكر «أبو علي» الذي يعيش في الشياح منذ عام 1969 كيف تغيّر كل شيء في المنطقة، فيما استقرّ «تاريخ القوات». فما بين الـ69 واليوم، تغيّر شكل الشارع، حيث استُبدلت حدائق الصنوبر والمزروعات بالبيوت التي بدأت تعلو طوابقها شيئاً فشيئاً «حتى صارت بنايات». مع ذلك، «لم تتغيّر جماعة القوات يللي ما رح يعرفوا ينضفوا تاريخهم». لكنه يفضّل أن يحسبهم بـ«المفرّق»، لأن «كل من يسكن عين الرمانة هم أهلنا».

يعود المختار أسعد كنج سنواتٍ طويلة إلى الوراء ليؤكد حكاية «النسيج الواحد». قبل وجود خطوط التماس «كانت الشياح وعين الرمانة بلدية واحدة، ولم تفترق البلدتان إلا في العهد الشمعوني عندما ارتُئي الفصل إلى بلديتين بسبب المطالبة بالمداورة بين المسلمين والمسيحيين». مع ذلك، لم يؤثر هذا الفصل على علاقات الناس في المنطقتين وعلى التعاون البلدي، كما أن «تلامذة الشياح والمنطقة المجاورة كانوا يدرسون في مدارس عين الرمانة وفرن الشباك قبل أن تقوم مدارس النهضة الوطنية». وحتى اليوم، لا يزال هذا الخليط شائعاً، إذ يشير كنج إلى أن «معظم الطلاب الذين يدرسون في مدارس عين الرمانة وفرن الشباك عادوا إلى مدارسهم»، وإن كان يعرف أن العلاقة ستظل مقصورة على المدارس إلى حين لأن «الناس قلوبهم مكهربة من الواقعين الأمني والمعيشي».

ثمّة طرف لم يبتلع بعد ما جرى، وهو الجزء الغالب من المحزّبين الذين لم يجدوا تفسيرات لما حدث. ينطلق هؤلاء من جولاتٍ سابقة مرّت على المنطقتين، إلا أنها «لم تخرج من إطار التراشق بالكلام وبعض الطلقات»، ثم أتى الخميس «الذي لن يكون بعده كما قبله»، على ما يقول أحد الحركيين الذي كان من بين المشاركين في التظاهرة ونجا «بأعجوبة»، على ما يقول. وإذ يعتبر، هو الآخر، أن «أهل عين الرمانة أهلنا وجيراننا»، إلا أنه ليس لديه الاستعداد اليوم «للدخول إلى المنطقة بما أنني شخص غير مرغوب بي هناك، كما لا أرغب بدخول أحد منهم إلى هنا، فيما الدم لم يجفّ بعد». ولذلك، يعرف أن «أي تحرك لن يحدث اليوم للصلح كما في المرات السابقة بانتظار ما سيجري من فوق».



تعليقات: