صرّافو الرصيف في صيدا: «ثوّار» ووكلاء لتجّار وضبّاط أمن


عشرات الشباب الصيداويين سلختهم أزمة انهيار الليرة أمام الدولار عن مِهَنِهم الأصلية، وأغوتهم مهنة الصرافة بـ«ربحها» السريع رغم مخاطرها الكبيرة

يقف عبّاس، الى جانب العشرات من أقرانه من «صرّافي الرصيف»، في شارع رياض الصلح في صيدا، ملوّحاً برزمة من الأوراق النقدية من فئة الـ 100 ألف ليرة. قبل الأزمة، كان «معلّم ألومينيوم» وصاحب ورشة متواضعة، يلتزم صيانة أبواب وواجهات هنا، ويفصّل «منخلاً» لشباك هناك.

الشارع، وهو الرئيسي في المدينة، تحوّل من «شارع مصارف» تحتل أرصفته بسطات بائعي خضر وماسحو أحذية، إلى «شارع صرّافين». أكثر من 60 صرّافاً تمدّدوا حتى وصلوا ساحة النجمة بساحة الشهداء، تفصل بين أحدهما والآخر أمتار قليلة.

إلى جانبه، يقف «زميلاه» علاء ومالك. الأول أقفل مطعمه لبيع السندويش، والأخير ترك مهنة «الشوفرة» هرباً من طوابير البنزين وارتفاع أسعاره، وانغمسا في «لعبة» الصرافة. كما انغمس فيها أحمد الذي هجر بسطة الخضر في الشارع نفسه. أصحاب «مصالح» ما عادوا قادرين على تحمّل أكلافها مع ارتفاع أسعار البضائع والمحروقات واشتراكات المولدات وإيجارات المحالّ.

«اللعبة» بسيطة: يشترون الدولار بسعر منخفض نسبياً ويبيعونه بسعرٍ أعلى، فيجنون يومياً بين 300 ألف ليرة و600 ألف. لكن «المهنة» لا تخلو من مخاطر كبيرة، وخصوصاً للوافد إليها حديثاً. أحدهم خسر 16 مليون ليرة يوم إعلان تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عندما تراجع سعر الدولار بسرعة مفاجئة، وفي المقابل قد «تنقش» أحياناً، كما حدث مع أحدهم عندما ربح ٩ ملايين ليرة في يوم واحد عندما قفز الدولار قفزته الأخيرة.

الأكثرية الساحقة من الصرّافين الجدد، بحسب واحد منهم، يعملون لمصلحة تجار كبار وأصحاب مؤسسات تجارية وحتى ضبّاط أمن، يشترون الدولارات من المارّة لمصلحة هؤلاء، إما بهدف الربح والمتاجرة أو لتعزيز مؤونتهم من العملة الصعبة لتسديد فواتير بضائعهم. ويتقاضى «الصرّاف» نسبة تصل إلى 200 ألف ليرة عن كل 1000دولار يجمعه. لتنسيق العمل، أنشأ الصرّافون مجموعات على «واتساب» لتبادل المعلومات أولاً بأول، وتبادل الدولارات في بينهم وفقاً لـ«كودات» باتوا يتقنونها، مثل «مطلوب حالاً 2500 دولار بسعر 22500 ليرة»، فيأتي الجواب من آخر: «عندي»، فيبادره الأول: «ثبّت لي البيعة». هكذا نمَتْ، بسرعة فائقة، مجموعة تجار دولار، بينهم مَن كان «ثائراً» في ساحة إيليا في ١٧ تشرين أو بائع خُضَر متجولاً أو «قهوجياً» يوصل صواني القهوة والليموناضة في سوق صيدا.

إلى هؤلاء، هناك صرافون يعملون لمصلحتهم الخاصة، فيما عمد بعض أصحاب المحال التجارية المنزعجين من زحمة الصرافين أمام محالهم، إلى تكليف عمّال لديهم بالوقوف أمامها وبيع الدولار لمصلحتهم مقابل أجر يومي للعامل.

مخاطر المهنة لا تقتصر على التقلبات السريعة لسعر الصرف صعوداً وهبوطاً. هناك، أيضاً، خطر التوقيف بتهمة المضاربة على العملة لعدم حيازتهم رخص صرافة، ومصادرة الأموال التي يحملونها، فضلاً عن تعامل القوى الأمنية معهم بـ«يد ثقيلة» أحياناً. لذلك، عند أي «كبسة» لأمن الدولة، ينكفئون إلى الأزقة الخلفية ومداخل الأبنية، فتتيسّر حركة السير في الشارع.


نمَتْ بسرعة فائقة مجموعة تجار دولار، بينهم مَن كان «ثائراً» أو بائع خُضَر متجوّلاً أو «قهوجياً»

يحنّ علاء إلى مطعمه، ويؤكد أنه بمجرد هبوط الدولار وثبات سعره سيعود إلى مهنة السندويشات، فيما أغْوَت «اللعبة» آخرين فقرروا اتخاذ الصرافة مهنة دائمة، وخصوصاً أنها لا تحتاج سوى إلى رأسمال متواضع، «ولا إيجار ولا فواتير كهرباء ولا اشتراك ولا بنزين للتنقل. تكفيك منقوشة زعتر وشنطة كتف وفرك أصابعك الثلاثة (في إشارة إلى المال) للفت انتباه المارين بأنك صراف. رزم المال في يد، وهاتف في اليد الأخرى للتنقل بين منصة وأخرى لمتابعة تطور سعر الصرف». أما من «طوّروا» عملهم، فقد أدخلوا إلى المهنة خدمة «الدليفري»: يطلب الزبون الصراف عبر الهاتف، فيصل الأخير إلى البيت مع شنطته لإتمام العملية.

يصطاد صرافو الرصيف زبائنهم من المارّة ومن السيارات التي تتوقف على جانبَي الطريق ويفاوضون مَن فيها على أعلى سعر لبيع دولاراتهم أو على أدنى سعر لشراء الأوراق الخضراء. زحمة وزمامير تستعجل فتح الطريق، فيما يكتفي شرطي السير بصرخة «إمشِ يا مرسيدس». يقولها وهو يعير أُذنيه للصراف لمعرفة أحدث سعر للصرف، ربما ليحسب كم صار يقَرَّش راتبه بالدولار!

تعليقات: