لبنان المتخلّف عن العالم: السيارات الكهربائية لترفيه الميسورين

لبنان ليس مهيّئًا بعد للسيارات الكهربائية (Getty)
لبنان ليس مهيّئًا بعد للسيارات الكهربائية (Getty)


تشجيعًا لاستيراد السيارات الكهربائية وتكريسها صديقة للبيئة، وللحد من انتشار السيارات التقليدية وانبعاثاتها الملوّثة، عمدت الدولة اللبنانية قبل 4 سنوات الى إلغاء الرسوم الجمركيّة ورسوم الاستهلاك الداخلي على السيارات الكهربائيّة الخصوصيّة إلغاءً تامّاً. وكذلك ألغت عن هذه السيارات رسم التسجيل والميكانيك عن السنة الأولى، إذا كانت مخصّصة للنقل العمومي. ومنذ ذلك الحين نشأت أول محطة شحن كهربائي لتلك السيارات، وظهرت في مناطق لبنانية عدة، وبدأت خطوات خجولة لتصنيع سيارات كهربائية. لكن السؤال البديهي اليوم: ما هو وضع هذه المحطات وسياراتها ومستقبلها مع استفحال أزمة الكهرباء؟ هل هي صالحة للعمل أم متوقفة قسرًا؟


طاقة شمسية ومولدات

خبير السيارات الكهربائية ومحطات شحنها، المهندس حسان خليل، أشار إلى أننا نتميز، رغم أزمة الكهرباء التي تعصف بالبلد، بمناخ مشمس طوال السنة تقريبًا وحتى في فصل الشتاء. ما يجعلنا ندمج بين الطاقة الشمسية ومحطات شحن السيارات الكهربائية عوضًا عن الكهرباء المحرومين منها. لكن في أوقات الليل يتم استثمار الطاقة المحفوظة في البطاريات للقيادة. ومن لا يريد وضع نظام طاقة شمسية بإمكانه تزويد محطات الشحن بتغذية كهربائية من المولدات الخاصة.

وأضاف خليل: "هناك نوعان من محطات التشريج في لبنان، محطات المحروقات (كورال، ميدكو، IPT) التي أضافت خدمة التشريج على مجمل خدماتها، وكذلك بعض الشركات التي لها صلة بعالم السيارات. وتُقدّر تسعيرة شحن السيارة في هذه المحطات التي أصبحت منتشرة على الأراضي اللبنانية بـ15 ألف ليرة لكل كيلووات أي 400 ألف ليرة لكل (تفويلة) على مرتين في الشهر فقط، أي ما يعادل ثلث مصاريف سيارة البنزين. أما النوع الثاني فيكمن في محطات الشحن المجهزة في بعض المطاعم ومواقف السيارات الخاصة بالمراكز التجارية الكبيرة. وهذا ما بدأنا العمل عليه منذ فترة وجيزة، فيتم تشريج سيارات الزبائن من دون أي تكاليف، على اعتبار أن مولدات المطاعم أو المولات مثلًا مشغّلة ولا تزيد الأعباء على مالكيها، وفي الوقت عينه تصبح هذه الأماكن بيئة حاضنة وأرضًا خصبة ومقصدًا لأصحاب السيارات الكهربائية".


انتظار ساعة لكل 50 كلم

ولفت خليل إلى أن الشحن الكهربائي لكل سيارة تحتاج من 5 إلى 10 أمبير في الحالة الطبيعية، ويستغرق من ساعة إلى ساعتين، فيما المحطات التي تستخدم نظام التشريج الذكي وتكلفته باهظة، لا تستهلك أكثر من أمبير واحد خلال شحن السيارة. لكن مدة الشحن تكون أبطأ في هذه الحالة. وهناك نظام التشريج السريع الذي تتراوح مدته بين ثلث الساعة ونصفها بملاءة كهربائية تصل إلى 80 في المئة. علمًا أن كل ساعة تشريج واحدة تمكّن سائق السيارة الكهربائية من قيادتها 50 كلم، ولبنان مساحته صغيرة ونادرًا ما نجد من يقود السيارة بشكل يومي لأكثر من 30 كلم من البيت إلى العمل والعكس.

وعن إمكانية إنشاء محطات شحن في المنازل، ذكر خليل أن عددًا مقبولًا يأتينا لتركيب محطات أمام المنازل المتوسطة والكبيرة، معربًا عن أسفه للتكلفة المرتفعة لإنجاز ذلك. وكذلك لارتفاع أسعار السيارات الكهربائية التي تبدأ من 30 ألف دولار للجديدة و12 ألف دولار للمستعملة. وهذا يبطئ من انتشار هذه الظاهرة في لبنان، نظرًا للأوضاع الاقتصادية الراهنة التي يعيشها اللبنانيون. فتبقى تحت مظلة ميسوري الحال حتى إشعار آخر، من دون أن نغفل الإشارة إلى جهاز التشريج الذي يأتي مع كل سيارة لاستخدامه في المنازل، ومن أشد سلبياته بطؤه في الشحن واستغراقه أوقات مضاعفة عن محطات التشريج. ورغم أن أسعار السيارات الكهربائية باهظة على اللبنانيين، ارتفعت نسبة سيرها في البلد مقارنةً بالسنوات الماضية. وكذلك ارتفع عدد محطات التشريج حتى أصبحت متوفرة في كل المناطق بلا استثناء.


استغناء عن قطع الغيار

بالنسبة إلى صيانة هذه السيارات وتوفّر قطعها في السوق، قال خليل إن هناك حوالى 3500 قطعة موجودة في السيارات التقليدية تم الاستغناء عنها في السيارات الكهربائية. وكل ما تحتويه السيارة كي تدخل على خط السير، من الموتور إلى البطاريّة ، والإكسسوارات تبقى نفسها. وبالتالي تكلفة صيانتها متدنية جدًّا. وحول مصروف طاقة السيارة في زحمات السير الخانقة على طرقات لبنان، أكد أن السيارة لديها مهلة وقتية قصيرة كي تنطفئ تلقائيًّا عند وقوفها، وبالتالي لا يمكن أن تستهلك طاقتها إلا في حالة السير، على عكس سيارة البنزين التي تستهلك الكثير من الوقود في الزحمات. ويوجد في السيارة نظام يخزّن الكهرباء في البطارية عندما تكون على الطرقات المنحدرة.

وشدد خليل على أننا نضع استراتيجية طويلة الأمد تتضمن خططًا لاستثمار السيارات الكهربائية في سبيل أن تكون جزءًا من حل أزمة الكهرباء في لبنان، عبر جعلها تضخ كهرباء مباشرة على الشبكة، عبر تكنولوجيا معينة موجودة في هولندا والعديد من الدول، فتصبح أي سيارة كهربائية قادرة على إعطاء طاقتها لأي شبكة، آملًا أن تسمح الظروف في تطبيق هذه الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن النروج أصدرت قرارًا يمنع تسجيل أي سيارة تقليدية، ضمن رؤية لتعزيز استخدام السيارات الكهربائية في أراضيها.


أنظمة خاصة مرتفعة التكلفة

لم تنسجم تصريحات المهندس خليل مع ما قاله نقيب مستوردي السيارات المستعملة في لبنان إيلي قزّي لـ"المدن". وهو أكد حاسمًا أن لبنان ليس مهيّئًا بعد للسيارات الكهربائية على كافة الصّعد، مفنّدًا ذلك بأن أزمة الكهرباء تستفحل إلى حد كبير، فيما محطات الشحن الكهربائي ليست متوفرة بالكميات الكافية، ووقت الشحن طويل يصل إلى ساعتين وأكثر، في حين أن اللبناني لا يملك رفاهية الانتظار خلال نهاره العملي، عدا عن غلاء أسعارها إذا ما تم تأمينها من الخارج. وعدد السيارات الكهربائية التي دخلت إلى لبنان لا يزال محدودًا بسبب كلفتها الباهظة التي تبدأ من 30 ألف دولار لأقل مواصفات وأبسط نوعية منها.

وأوضح أن "من يملك سيارة كهربائية في لبنان يعلم أنها ليست فعّالة في هذا البلد. وأكثر من ذلك، من يقود هذه السيارة يملك سيارات أخرى تقليدية. فهي للهواية والتسلية والقيادة في أماكن معيّنة، لا للرحلات العائلية أو التنقّل لمسافات طويلة من منطقة إلى منطقة أخرى". وتساءل: "هل سائق السيارة الكهربائية مستعد للانتظار ساعتين وثلاث وأربع في محطات التشريج؟ والمحطة يجب أن يتوفر فيها مطعم وأماكن للراحة والاسترخاء".

واعتبر أن أحدًا لن يتمكن من تأهيل قطاع السيارات الكهربائية في لبنان، لا شركة ولا مصنع ولا أي طرف ثالث، سوى الدولة التي يجب عليها أن تؤمن الكهرباء والبيئة الحاضنة للقطاع بأسره. وهذا لن يحصل قبل 10 سنوات. وأكد قزي صعوبة تحمّل اللبناني أعباء إنشاء محطة شحن داخل المنزل، معتبرًا أن الناحية التقنية تتطلب أنظمة خاصة مرتفعة التكلفة. وإذا ما تم تأمينها، فهي تحتاج إلى كهرباء قويّة. وهذا معدوم اليوم في لبنان. وإذا ما قرّر تفعيلها على كهرباء المولّد الخاص أو الطاقة الشمسية، فهي ستكبّد صاحبها فواتير باهظة جدًّا، وبالتالي لا يمكن إلا لذوي الأوضاع المادية الميسورة شراء تلك السيارات.

تعليقات: