نقابة رياض سلامة.. وأخبار أخرى

غادة عون مع أمن الدولة في مصرف لبنان (مصطفى جمال الدين)
غادة عون مع أمن الدولة في مصرف لبنان (مصطفى جمال الدين)


يمكن للمرء أن يستغني عن متابعة الأخبار اللبنانية كلها، والاكتفاء بأخبار المصارف و"مصرف لبنان" ومتفرعاتها. هكذا، بمتابعة يومين فقط، سيعرف كل ما يحصل في البلد، من دون "لَعي". الحقائق فجّة وواضحة، ومعها التحالفات والولاءات والتواطؤات. بلا خُطَب ولا أيدٍ على الشوارب. بلا حتى سموم الطوائف التي باتت لسعات الناموس العملاق تفوقها واقعيةً سحرية. بلا بهلوانات الكلام وكل هراء الكرامة والعيش المشترك والتعافي والإصلاح والإنقاذ. وفي غِنىً أيضاً عن عنتريات المسيّرات و"كاريش"، ونفق سكة الحديد – آخِر عنقود النزاع الحدودي مع إسرائيل. كما أن واحدَنا، في أخبار المال، المتبخّر من صناديق سوداء يحرسها لصوص وبلطجية مُطارَدون من مُهرّجي وحُواة السيرك الحيّ، سيجد أيضاً مروحة المشاعر كاملة: بؤس، غضب، ضحك، هستيريا، يأس، كوميديا، بعض الأمل والترقب، ثم الاستفلاس فوق الإفلاس..

في البرلمان، أمس، حاصر نواب "تغيريون" بِدعة جمعيّة المصارف و"مصرف لبنان" بمنع رفع السريّة المصرفية بمفعول رجعي. فسقطت، من مشروع القانون بصيغته الراهنة، محاولات تطويق كل مساءلة ومحاسبة ممكنة في المستقبل في ملفات جرائم مالية واحتيالات مصرفية. لكن، لا يفرحنَّ أحد. فكل الصخور التي دفعها "سيزيف" صعوداً، من المرجح أن تعاود تدحرجها إلى هاوية السريّة المصرفية ليُعاد التصويت عليها في الهيئة العامة لمجلس نواب الأقطاب. وقد وعدنا النائب ابراهيم كنعان، بكل أمانة وصفاء ماء الوجه، بإرفاق مشروع القانون بملاحظات "مصرف لبنان".... وموعود يا لبناني سريعاً، وبأسرع من "ضبط" مخالفة ركن السيارة في الشوارع حيث "البارك ميتر" معطّل، بنزول مشروع قانون الكابيتال كونترول إلى الهيكل، متأنقاً معطّراً، التماعة أسنانه في ضحكته تستدعي للبنانيين نجوم الظهيرة، وسيكون المصرفيون ونوابهم الكثر مرافقينه الأشاوس خلف نظارات سوداء.

ثم يأتيك خبر غارة القاضية غادة عون على رياض سلامة في بيته حيث لم تجده، فاتجهت إلى مقره في حاكمية مصرف لبنان، بمعية عناصر أمن الدولة. دخلت، وفتّشت داخل الخزنات، تحت المكاتب وفي الأدراج والحمّامات وخلف الستائر، بحثاً عن فصّ المِلح الذائب في الهواء. المسؤول اللبناني الأقوى فيكِ يا جمهورية، لا أثر له إلا في الصور الصحافية والمقابلات التلفزيونية المسجّلة. الفاصل الهزلي مضحك حدّ البكاء. وفيما رئيس الحكومة، الذي سبق أن أبكته "الأم التي تودّع إبناً مهاجراً"، لا يرف له جفن إذ يؤكد أن "المطلوب معالجة هذا الملف بتوافق سياسي مسبق على حاكم جديد لمصرف لبنان، ولتأخذ القضية مجراها القانوني المناسب بعد ذلك"، فإن غادة تعيش الدور، بكل جوارحها، بمعايير المهرجانات، وهذا أحد أسباب نجاحها الذي مهما تأخّر، آتٍ، ربما أيضاً مع "موريكس دور". لكن موظفي "مصرف لبنان" يغالِبون أدرينالين مختلفاً، خليط من الوفاء وعزة النفس المشروخة التي لا تنفصل عن عزة كبيرهم. الطوائف ليست أحسن منهم، ولا الأحزاب. وهم ليسوا مقطوعين من شجرة، بل إنهم شجرة الرياض الوارفة. لهم وله، نقابةٌ تعلن الإضراب وإقفال المصرف مع اعتصام الموظفين داخل حرمه "اعتراضاً على التجاوزات القانونية والطريقة المليشيوية التي تمارسها القاضية غادة عون"، ولو أدى ذلك إلى عدم إصدار تسعيرة جديدة لمنصة صيرفة، اليوم الثلاثاء. وما الفرق؟ لا أحد يموت بلا "صيرفة" يومٍ واحد. الفلوس تأتي وتذهب. المهم... السلامة.

لكن، للأمانة، فإن "مصرف لبنان" يكاد يكون المؤسسة الرسمية الوحيدة العاملة بجدّ في البلد الآن، وأكثر من ذلك هي الأكثر شبهاً به اليوم من أي وقت مضى. وحاكمها المتواري يُسيل عَرَقاً حبراً غزيراً في توقيع التعاميم التي ليس من شأنها تسيير يوميات الانهيار فحسب، بل إنها أيضاً تسلّي اللبنانيين فيما هم يفكون ألغاز المتاهة تلو الأخرى. فكلما تقدّموا في مراحل اللعب، تسنّى لهم سحب بعضٍ من أموالهم العاصية في البنوك، لتخرج إليهم كعارضات الأزياء الأنوركسيات بالشَّعر القصير.. ستايل. أحدث هذه التعاميم يتيح لأصحاب بطاقات الدفع بالدولار الطازج، استعمال بطاقاتهم في نقاط البيع. هؤلاء هم المحظوظون في لعبة "كاندي فريش"، فيما على أصحاب البطاقات بالليرة وحسابات اللولار، المحاولة مجدداً، وبذل جهد أكبر لنَيل الجائزة الكبرى، ولو من كيسهم، فهذا تفصيل سخيف في مباريات ألعاب الجوع.

يومان فقط. أخبار يومَين اثنَين، تشرَح لبنان بلا عناء، شرط استقائها وقطفها بالحبّة من بساتين الحدث، ولتَعِش نشرة "ام تي في" الاقتصادية حياتها الموازية مع "ناسداك" و"داو جونز" وتقلبات الأسواق الأوروبية.

تعليقات: