رؤى تشكيلية حديثة ليوسف غزاوي


رحلة في الاتجاهات والظواهر الفنية المعاصرة..

صدر عن منشورات الجامعة اللبنانية كتاب "رؤى تشكيلية حديثة ومعاصرة" للأستاذ المحاضر في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ومنسق الماستر ـ فنون تشكيلية (الفرع الأول) يوسف غزاوي.

يحتوي الكتاب على مواضيع عدة، منها كتابات الفنانين التشكيليين ورؤاهم، معتبراً أن الفن في تحول دائم، والفنان مفكر، وفكره لا يلتزم فقط بما تقدمه الوسائل التقليدية من ريشة أو ازميل، أو وسائل أخرى مبتكرة في الزمن الإنساني، مبادراً الى طرح أسئلة مشروعة حول موقف الفنان من عملية الخلق هذه "النص الكتابي" الذي يبقى بمنأى عنها، وقد تكون هذه أحد مسببات التخلف عن اللحاق بركب الفن المعاصر!

غزاوي يدعو الى إعادة النظر بالكثير من المواقف ويعالج في كتابه ظاهرة "ماكس ارنست­ أوهام ما بعد التصوير". مشيراً الى أن آرنست استفاد من تجارب من سبقه من الفنانين عبر التاريخ وأفاد الكثيرين ممن أتوا بعده، وهو ظاهرة فنية مميزة، وأكثر الفنانين تمثيلاً للسوريالية وتجديداتها.

الفن المفهومي

غزاوي يعرض في كتابه رؤيته للفن المفهومي وامتداداته ذلك أن القرن العشرين امتاز بالقدرة الهائلة على التغيير وولادة التيارات الفكرية والفنية المنوعة وارتباطها وتكاملها في ما بينها، مما أثر كثيراً على الاتجاهات الفنية التي ذهبت بعيداً في تطرفها وانفتاحها على كل الاحتمالات تحت عنوان الحرية، ولم يعد هناك أثر بالمعنى المتعارف عليه للصورة الفنية. لقد سيطر فن المفهوم، واحتلت المنحوتات والتجهيزات الحيز في اهتمام الفرد وكذلك الفنون المصاحبة لها كفن "الأداء".

وفي القسم الأخير من كتابه يتناول الدكتور غزاوي تجربته مع التصوير الذاتي كنوع من الرسم الذاتي الذي يروي تكونه الخاص، وكسفر وراء المرآة حيث الجسد يشكل المادة الأولية للفن.

المؤلف سبقه كتاب بعنوان "قراءات في فن التصوير الحديث" تناول المحطات التاريخية والحديثة والمعاصرة من خلال قراءات تحليلية لفن التصوير وصولاً إلى فن الفيدو كمحصلة لتمدد الفنون والعلوم المختلفة وارتباطها العضوي ببعضها البعض.

وانطلاقاً مما يتفق عليه مؤرخو ودارسو الفن على أن بدايات الفن الحديث تعود الى الانطباعية نظراً إلى ما جمعته من مبادئ وأفكار مبعثرة ثورية بمفهومها، قياساً إلى ما سبق من تيارات ورؤى، جاء هذا الكتاب في أبحاثه امتداداً لما سبق من أبحاث.

في عودة إلى كتابات فاسيلي كاندنسكي وكازيمير ماليفيتش الى الفن المفهومي الذي بدأت بوادره مع كولاج التكعبيين وصولاً إلى ضربة مارسيل دوشامب الى فن التجهيز ثم الساحر ماكس ارنست فنان الأوهام حسب تعبير لويس اراغون الى الدراسة السيميولوجية التي قام بها رولان بارت لمنتوجات وعائية استهلاكية ثم المحطة الرابعة مع الوجوه الذاتية الأوتوبورتريه الحديثة.

كيف فكر ماليفيتش، كيف تعامل مع المادة، إشكاليات الشيء، توصيفات الفن الحديث، التجريب، التجريد وفنون ما بعد الحداثة وتحولات لوكوربيزيه والباوهاوس وعمارة ما بعد الحداثة مع تشارلز جينكز...

يهدف الكتاب الى القول إن وظيفة الفن ودوره شهدت تحولات كبرى، والى الوقوف عند إشكالية فنية غامضة الحدود التي تفصل بين الفنان والإنسان العادي وذلك في الشكل والمادة والأفكار والمعاني ويفتح النقاش بعيداً عن الفن المعاصر وخضوعه الجاهز الصنع أو للإبداع الصناعي والمحيط اليومي باعتباره إشكالية بحد ذاتها.

يخلص يوسف غزاوي في الجزء الأول من آراء الكتاب والفنانين ورؤاهم الى القول إن العقلانية في القرنين التاسع عشر والعشرين جاءت كردة فعل على الحروب الكبرى كما حصل مع الرومنطقية والانطباعية في بعض جوانبها، ويأتي على رأس تلك التيارات الدادائية بعد الحرب العالمية الأولى في القرن العشرين كأحد منابع السوريالية، فقد شرع هذان التياران الثورة التصويرية وصاغا الجملة العدمية قبل اللجوء الى الطفولة والأحلام اللاعقلانية، وقد دعا اندريه بريتون في بيانه السوريالي إلى الخيال وهذيان المجانين، وعادات وتقاليد البدائيين وأحلام الطفولة والآلية النفسية للبالغين كمنابع الخلق والتفكير".

ماكس ارنست تلقف هذه الأفكار مع مجموعة كبيرة من الفنانين من التيار السوريالي وانفلتت الرقابة ما وراء التصوير واستخدام وسائل التعبير الغريبة عن الفن بحسب تعبير ايليريخ بيشوف مما سمح بمعالجة دلالات ولا دلالات اللوحات المنفذة بالصدفة والرقابة الحذرة.

المعنى الفلسفي

في القاموس اللغوي الفرنسي ما معناه "استقبل أو ادرك، والمعنى الفلسفي تمثيل فكري عام وتجريدي لموضوع ما" والقاموس السيميولوجي يعرفها: "مفردة فلسفية تحتمل تأويلات عدة".

يقترن الحديث عن الفن المفهوم في نوعين من الفنون: الفن الاختزالي وفن الحامل، ويترابط النوعان في بنى لها أصول مشتركة في مفهوم هنري مايكس الذي يعتبر أن الشكل وكمية اللون المستخدم شكلا مكونين محددين للعمل الفني، هذا المفهوم عرف عند بولوك وبارنت نيومان وموريس لويس وكينت نولون ودوت كيلي وجوزيف بويز ودونالد جاد واندي وارهول وفرانك ستيلا (قراءات أميركية) وايف كلين. نتاج هائل اعتبر في ما اعتبر خروجاً عن اللوحة الواحدة، ودخولاً في مجالات فنية تطبيقية تجيب أكثر على التماسات الحاضر للمستقبل مستفيدة من وسائط متعددة ومتفاعلة كالأقراص الممغنطة وأفلام الفيديو والتكنولوجيات الرقمية ووسائط الصورة.

كل ذلك في لغة البحث عن عوالم افتراضية جديدة تمس الواقع الاصطناعي أو ما بعد الصناعي يصنعه الفنان غير المتكيف بحدود واقعه وعالمه وبيئته ومحيطه والباحث عن الجديد، الأوهام، الأحلام، العلاقات الجديدة بين الحركة والمفهوم التهجيني، بين الجسد والصورة والرقم الذي لا يخضع للمعايير، ودلالات الأشياء، وبدل الأشياء نفسها والصورة المركبة. عالم متغير هائل من الصورة والصوت وعالم فيزيائي متحول كما المادة، كما الجسد، في ما يتجاوز الإشكالية الفنية الكلاسيكية المعتادة والتي تتعلق بتأمل الظواهر، بل أصبحت تتعلق بالذات الإنسانية وقابليتها للتجسد والتجريد والمساءلة والتجريب والحضور والغياب.

عام 1967 تحدث رولاند بارت عن موت المؤلف (الإله) وولادة القارئ. هذا مبالغ فيه لكنه مؤشر للوزن الجديد المتعلق بإدراك العمل وبرؤية الذات للعالم والآخر والمحمول وقراءة للأثر الفني وما بعد الأثر المتعارف عليه في الصورة أو اللوحة الفنية.

إنه قد يكون سؤال الفلسفة، العودة الى الفلسفة التقليدية أو سؤال ما بعد الحداثة وما بعد الأنا الكونية المفردة وتلك التوزيعات الهرمنطقية السابقة أو هي البورتريه الحديث على شكل لا يصرح به تماماً، عالم فني يحتاج الى حماسة جديدة خارج السرد في نظرات مدفوعة الى الأقصى.

منهجي

كتاب له طابع منهجي أكاديمي (كثيراً) وتفكيري دراسي يتناول الكتابات والظواهر والفن المفهومي وأعمالاً ترسم وجه الفن الحديث في طباعة أنيقة وبمنطوق لغوي ملم بالمدارس الفنية وتياراتها واتجاهاتها ليعكس رؤيا تشكيلية ما من 255 صفحة من القطع الوسط مزينة بصور ورسوم ولوحات ونماذج تطبيقية للمواضيع المعالجة.

منشورات تعود لتزدهر تصدر عن الجامعة العربية تبشر بعودة الروح الى الكتابة البحثية، والمؤلف أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية في معهد الفنون الجميلة، ومنسق المواد البحثية لطلاب الماستر، ومحتوى المادة يعكس هذا الطابع التربوي من الأساس الى الإحساس الشغوف بالفن والثقافة والجماليات التي أتت بها التيارات والأساليب الفنية. والأهم الكتابة عنها كجزء من التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية وكمواد تجريبية مهمة لعبت أدواراً تعبيرية مهمة في القرنين التاسع عشر والعشرين.



تعليقات: