منصّة صيرفة مأزومة: تراجع الاحتياطات وتعثّر خطّة التعافي

لا يبدو أن منصّة صيرفة ستتمكّن من تحقيق الأدوار المناطة بها (علي علوش)
لا يبدو أن منصّة صيرفة ستتمكّن من تحقيق الأدوار المناطة بها (علي علوش)


في نهاية الأسبوع الماضي، أقفل مصرف لبنان تداولات منصّة صيرفة على سعر وسطي قارب حدود 26,100 ليرة مقابل الدولار يوم الجمعة، فيما حلّق سعر صرف الدولار في السوق الموازية ليقارب مستوى 31,750 ليرة للدولار في عطلة نهاية الأسبوع. وبذلك، توسّعت الفجوة ما بين سعر صرف المنصّة وسعر صرف السوق الموازية إلى حدود 5,650 ليرة، أي ما يوازي 22% من سعر صرف المنصّة المعلن عنه.


تداعيات تعثّر المنصّة

توسّع الفجوة بين سعري الصرف على هذا النحو، سيزيد الأمور تعقيدًا بالنسبة للمصرف للمركزي، وعلى عدّة مستويات في الوقت نفسه. فهذه الفجوة الكبيرة تعني أوّلًا أنّ منصّة التداول التي يعتمدها مصرف لبنان، لم تعد قادرة على ضبط سعر صرف السوق الموازية عند حدود قريبة من سعر صرف المنصّة، كما كان الحال في مراحل سابقة. مع الإشارة إلى أنّ مهمّة المنصّة الأولى تمثّلت في تأمين حاجة شرائح واسعة من المستوردين للعملة الصعبة، ما يخفف من ضغط الطلب على الدولار في السوق الموازية، ويسهم بالتالي في ضبط سعر صرف السوق الموازية بشكل تلقائي عند حدود قريبة من سعر صرف المنصّة. وهكذا، بدا من الواضح أن هامش مناورة منصّة مصرف لبنان بدأ يضيق، بما يفقدها القدرة على أداء أبرز دور مهم كان من المفترض أن تلعبه بخصوص سعر الصرف.

ومن ناحية أخرى، ستعني هذه الفجوة الآخذة بالتوسّع أن المنصّة لن تتحوّل قريبًا إلى وسيط جدّي للتداول بالدولار، من خلال ربط عمليّات البيع والشراء كلاعب أساسي في سوق القطع. فمجرّد وجود هذا الفارق الكبير بين سعر المنصّة وسعر السوق الموازية، سيستمر بدفع عمليّات بيع الدولار للاتجاه نحو السوق الموازية، ما سيمنع المنصّة من استيعاب تداولات السوق الحر. وهنا بالتحديد، سيكون مصرف لبنان قد فشل في الوصول إلى هدف آخر من أهداف إطلاق المنصّة، المتمثّل بضبط إيقاع عمليّات بيع وشراء العملة الصعبة، واحتوائها تحت سيطرة وسيط شرعي ومنظّم ومراقب من قبل السلطة النقديّة. وبينما كان من المفترض أن تحدد المنصّة عند بلوغ هذا الهدف سعر الصرف، بحسب موازين العرض والطلب، سيؤدّي فشل المصرف المركزي ببلوغ هذه الغاية إلى إبقاء سعر الصرف الحر تحت رحمة السوق الموازية، التي تستوعب حاليًّا تداولات الدولار الفعليّة الحرّة بيعًا وشراءً.


تراجع الاحتياطات وتقلّص عمل المنصّة

لا يحتاج المراقب إلى كثير من التحليل ليدرك أسباب تعثّر المنصّة، وتوسّع الفجوة بين سعر صرفها وسعر صرف السوق الموازية. فخلال الأسبوع الماضي، لم يتجاوز إجمالي عمليّات المنصّة حدود 146 مليون دولار، ما يمثّل قيمة ضئيلة مقارنةً بأرقام المنصّة السابقة منذ بداية العام. وكما هو معلوم، حين يتقلّص حجم عمليّات المنصّة، تتجه تلقائيًّا عمليّات الطلب على العملة الصعبة إلى السوق الموازية، ما يعني ارتفاع سعر صرف السوق الموازية قياسًا بسعر صرف المنصّة، وهو ما حصل بالفعل خلال الأسبوع الماضي.

من الناحية العمليّة، يعود تقلّص حجم عمليّات المنصّة إلى تراجع حجم احتياطات مصرف لبنان المتبقة، والتي لم تعد تتجاوز حدود 10.14 مليار دولار وفقًا لآخر ميزانيّات مصرف لبنان النصف شهريّة. ومع تراجع الاحتياطات، تراجعت قدرة مصرف لبنان على تأمين الدولارات التي تحتاجها المنصّة للعمل، وبيع الدولار بسعر المنصّة المدعوم، وهو ما بدا واضحًا من خلال عدم تسجيل مصرف لبنان لأي انخفاض في قيمة احتياطاته خلال النصف الثاني من الشهر الماضي. وبما أنّ منصّة مصرف لبنان تعتمد بشكل كبير على تدخّل مصرف لبنان وضخّه للدولارات التي تقوم ببيعها للمستوردين، تقلّص تلقائيًّا حجم عمليّات المنصّة كنتيجة لهذه التطوّرات.

تعديل آليّة استيراد البنزين وسعر صرف السوق الموازية

تراجع عمل المنصّة وتقلّص عمليّات بيعها للدولار للمستوردين، أدّى بطبيعة الحال إلى إحالة طلب المستوردين على الدولار إلى السوق الموازية، وهو ما عنى ارتفاع سعر الصرف الدولار فيها. لكنّ زيادة الضغط على سعر صرف السوق الموازية ارتبط بعامل آخر، وهو تعديل آليّة تأمين الدولارات لاستيراد البنزين. فمصرف لبنان بدأ بتطبيق قراره القاضي بالطلب من مستوردي البنزين تأمين 15% من حاجتهم للدولارات للاستيراد من السوق الموازية، بعد أن كان يؤمّن في السابق كامل قيمة هذه الدولارات عبر المنصّة. وهذا القرار المستجد، ساهم طبعًا في زيادة الطلب على الدولار في السوق الموازية، وبالتالي زيادة سعر صرف الدولار في السوق.

مع الإشارة إلى أنّ قرار مصرف لبنان هذا لا يمكن فصله عن التعثّر الذي تعاني منه المنصّة اليوم، وعدم قدرته على تأمين الدولارات المطلوبة لتشغيلها. إذ يبدو أن مصرف لبنان يحاول بهذه الطريقة تخفيض قيمة الدولارات التي تستنزفها هذه المنصّة، ومحاولة الانسحاب تدريجيًّا من مهام دعم استيراد بعض أصناف الواردات، وأبرزها البنزين. وتجدر الإشارة إلى أنّ قيمة الدولارات التي اعتاد مصرف لبنان على تأمينها عبر المنصّة استيراد البنزين تجاوزت حدود 150 مليون دولار كمتوسّط شهري منذ بداية السنة، فيما أبلغ حاكم مصرف لبنان رئاسة الحكومة منذ فترة اتجاهه إلى تقليص الدعم الذي يؤمّنه عبر المنصّة لاستيراد هذه المادّة بشكل متدرّج، وصولًا إلى الانسحاب من هذه المهمّة بشكل تام.

في خلاصة الأمر، لا يبدو أن المنصّة ستتمكّن من تحقيق الأدوار التي تم رسمها لها في البداية، وخصوصًا من جهة مساهمتها في إنتاج سعر صرف موحّد وعائم، وحسب آليّات عرض وطلب السوق. وفشل المنصّة اليوم لا يعود فقط إلى انخفاض قيمة احتياطات مصرف لبنان، وتراجع قدرة المصرف على التدخّل، بل يعود أيضًا لتعثّر الإطار الأوسع من المعالجات الماليّة الشاملة، التي كان يفترض أن تتكامل ضمن إطار خطّة تعافٍ مالي متكاملة. فهذا العامل بالتحديد هو ما يمنع اليوم النظام المالي من استقطاب التحويلات من الخارج من جديد، وهو ما يفترض أن يساعد على ضبط قيمة الدولار خلال مسار توحيد وتعويم سعر الصرف. ولهذا السبب بالتحديد، من غير المتوقّع أن نشهد أي انفراجة جديّة ومستدامة على مستوى سعر الصرف، قبل المضي بالخطّة الماليّة الشاملة بأسرها.

تعليقات: